الصفحات

الثلاثاء، 9 يونيو 2026

حنفية البيانات الشخصية… حين يتسرب رقمك قبل أن يتسرب الماء

الاحتيال الإلكتروني يأتي بثوبٍ واحد، ولا يطرق بابًا واحدًا.
مرةً يأتيك باسم فاتورة خدمة.

ومرةً باسم بلاغٍ لدى جهة حكومية.
ومرةً باسم شحنةٍ تنتظرها.
ومرةً باسم تحديث بيانات أو رابط تحقق.
ومرةً باسم تسربٍ مزعوم، كأن كل بيتٍ صار خزانًا مكسورًا، وكل فاتورةٍ مرتفعة شاهدًا لا يُسأل ولا يُراجع.

تخيل أن يتصل بك شخص ويقول:

“ألو طلال، عندك فاتورة ماء غير مدفوعة بمبلغ 980 ريالًا، أرسل لي رمز التحقق حتى أؤجلها لك.”

هنا لا تقف المسألة عند وقاحة المحتال، بل عند سؤالٍ أعمق:

كيف عرف اسمك؟

وكيف عرف نوع الخدمة؟

وكيف عرف أن هذا الأمر يشغلك؟

وكيف اقترب من حاجتك بهذا القدر من الدقة؟

هذه التفاصيل ليست عابرة، ولا ينبغي أن تُدفن بزر الحظر فقط؛ بل هي دليل استدلالي وقرينة عملية عند تقديم
 البلاغ، لأنها تساعد الجهات المختصة في فحص المسار، وتتبع المصدر، ومعرفة هل نحن أمام تسريب بيانات،
أم ضعف
حوكمة، أم احتيال رقمي جمع فتات المعلومات ثم صنع منه فخًا كاملًا.

فالمحتال اليوم لا يحتاج أن يعرف كل حياتك؛ يكفيه أن يعرف اسمك، ورقمك، وموضع حاجتك، ثم يترك
الخوف يكمل عنه الجريمة.

وهنا لا تكون القضية اتصالًا مزعجًا فقط، بل سؤالًا أوسع من الفاتورة، وأخطر من الرسالة، وأعمق من
رقم مجهول:

من أين جاء الرقم؟

ومن أين عُرفت الحاجة؟

ولماذا صار المحتال يدخل على الناس من أبواب الخدمات العامة كأنه يعرف الطريق، لا كلصٍّ يتلمس الجدار؟

قد نكون أمام تسريب بيانات من داخل جهة، أو من طرف متعاقد، أو من مشغل خدمة.

وقد نكون أمام ضعف حوكمة يجعل البيانات تدور بين الإدارات والمقاولين ومراكز الاتصال بلا قفلٍ كافٍ
ولا أثرٍ واضح.

وقد نكون أمام ذكاء احتيالي رقمي يضرب عشوائيًا على حاجات الناس العامة: ماء، شحنة، بلاغ، فاتورة، نفاذ، 

بريد؛ أو يستند إلى مصادر رقمية متفرقة كتطبيقات كشف الأرقام، وقواعد بيانات متداولة، ومعلومات متناثرة 

يجمعها المحتال من هنا وهناك؛ فإن صادف صاحب حاجةٍ فتح الباب، وإن أخطأ أغلق الخط ثم جرّب على غيره.

فانتبه: معرفة الاسم أو الرقم قرينة تُذكر في البلاغ، لا حكمًا نهائيًا قبل الفحص.

لكن النتيجة واحدة:

مستفيد منزعج، وبيانات مهددة، وثقة تُنزف بالتقسيط.

البيانات الشخصية ليست ورقةً في درج موظف، ولا ملفًا يتنقل بين المتعهد والمشغل والمسوق، ولا حنفيةً مفتوحة
 يشرب منها المحتال ثم يقال لنا: لا تقلقوا… هذه قطرة عابرة.

رقم الجوال ليس رقمًا عاديًا؛ هو مفتاح إلى الهوية، والحساب، والبلاغ، والفاتورة، والخدمة. فإذا خرج من موضعه خرج معه جزء من أمان صاحبه.

ولدينا في المملكة، بحمد الله، منظومة عالية في حماية البيانات والتحول الرقمي، ونظام يقرر حقوق صاحب
 البيانات والتزامات الجهات، وسياسات وضوابط تحفظ مسار المعلومة؛ لكن جمال النظام لا يعفي من صرامة التطبيق.

فاللوائح لا تحرس الناس إذا كانت الصلاحيات رخوة، والسجلات سائبة، والمقاول يدخل من الباب ويخرج من الشباك.

وهنا يأتي العلاج، لا بالضجيج، بل بالضبط.

على كل جهة حكومية أو شركة خدمية أن تعلن أرقامها الرسمية، وقنواتها الموثقة، وروابطها المعتمدة،
وأن تمنع الاتصال بالمستفيدين من أرقام خاصة أو مشتتة أو غير قابلة للتحقق.

وعليها أن تضع قاعدة واضحة:

لا نطلب رمز تحقق.

لا نطلب كلمة مرور.

لا نطلب بيانات بنكية.

لا نرسل روابط غريبة.

ولا نرتب أي مسؤولية على مستفيدٍ لم يرد على رقم غير موثق.

فليس من العدل أن تطلب الجهة من المواطن أن يكون خبير أمن سيبراني في كل مكالمة. الواجب أن تجعل
هي اتصالها واضحًا، موثقًا، لا يلتبس على الناس.

أما المستفيد، فوعيه جزء من الحماية:

لا يرد على رقم مجهول يدعي الرسمية.

لا يعطي رمز تحقق لأي متصل.

لا يدخل رابطًا من رسالة مشبوهة.

لا يصدق من يقول: عندك بلاغ، عندك تسرب، عندك شحنة، حتى يرجع إلى التطبيق أو الموقع الرسمي.

وعند تقديم البلاغ، لا يكتفي بالقول: اتصل بي محتال.

بل يذكر التفاصيل التي تفيد في الوصول إلى دقة الأدلة والقرائن:

رقم المتصل.

وقت الاتصال.

الجهة التي ادعى تمثيلها.

الاسم الذي ناداه به.

نوع الخدمة التي ذكرها.

المبلغ إن ذكر مبلغًا.

الرابط إن أرسله.

وطريقة طلب رمز التحقق أو البيانات.

فهذه التفاصيل قد تكشف هل المتصل يضرب عشوائيًا، أم يستند إلى معلومة دقيقة، أم يملك جزءًا من بيانات
يفترض أنها محمية.

وأما الجهات والشركات التي تجمع بيانات المستفيدين، فعليها أن تعلم أن حفظ البيانات ليس مجاملة تنظيمية،
بل التزام نظامي، وأن التساهل في حمايتها قد يفتح باب المساءلة على من تسبب أو فرط أو استعمل البيانات في
غير موضعها.

نحتاج إلى بروتوكول وطني واضح للتواصل مع المستفيدين:

رقم موحد موثق لكل جهة.

صفحة رسمية تعلن أرقام الاتصال.

إشعار داخل التطبيق عند وجود طلب مهم.

منع مشاركة بيانات المستفيد مع طرف ثالث إلا بضوابط معلنة.

تسجيل كل دخول على قواعد البيانات.

تتبع من شاهد، ومن نسخ، ومن صدّر، ومن تواصل.

ومحاسبة من يحوّل بيانات الناس إلى سوقٍ خلفي، أو يتركها مكشوفة كأنها لوحة إعلانات.

إن التحول الرقمي لا يعني أن نكثر التطبيقات فقط؛ بل أن نغلق الممرات التي يدخل منها المحتالون.

ومن أراد أن يخاطب الناس باسم جهة، فليأت من باب الجهة، لا من نافذة رقمٍ غريب.

وإذا كان تسرب الماء يفسد الجدار، فإن تسرب البيانات يفسد الثقة.

والثقة إذا تسرّبت، لا يكشفها فني التسربات.

✍️مازن المليح |📍قناة أثر وتأثير.

  مازن المليح Mazeen Almleh

-
المصدر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..