الصفحات

الجمعة، 10 يوليو 2026

*"بمناسبة كأس العالم 2026: بين الشوطين.."* *"ركلات الترجيح.. كن مستعدًا"* (الحلقة الرابعة)

    مع استمرار منافسات كأس العالم 2026، ودخول البطولة مراحلها الأكثر حساسية بعد انتهاء دور الستة عشر، لم يعد هناك مجال للتعويض. فمن الآن فصاعدًا، كل مباراة تعني البقاء أو المغادرة، وكل صافرة نهاية تُعلن فرحة منتخب، وانتهاء حلم منتخب آخر. ومن ربع النهائي إلى نصف النهائي، ثم المباراة الختامية، يزداد ثمن الخطأ، وتضيق مساحة التردد، ويصبح لكل قرار أثر قد يغيّر مصير بطولة كاملة.

وفي هذه الأدوار الإقصائية، لا يكفي أن يكون الفريق أكثر استحواذًا، أو أجمل أداءً، أو أكثر صناعةً للفرص؛ فالنتيجة وحدها هي التي تمنح بطاقة العبور. وإذا انتهت الأشواط الأصلية والإضافية بالتعادل، ولم يعد في الوقت متسع لمحاولة أخرى، اتجهت أنظار الملايين إلى أكثر لحظات كرة القدم رهبةً وإثارة: ركلات الترجيح.

خمس ركلات فقط قد تختصر سنواتٍ من الإعداد، وأحلام شعبٍ بأكمله، وقد تجعل لاعبًا بطلًا تتغنى به الجماهير سنوات، أو يعيش آخر حسرة لحظة واحدة لا تُنسى.

ولهذا يسميها بعض الناس "ركلات الحظ"، وكأنها مجرد ضربة قدر لا علاقة للاستعداد بها. لكن أهل الميدان يعرفون أن الحقيقة مختلفة؛ فكلما ارتفع مستوى المنافسة، قلَّ اعتمادها على الحظ، وازداد اعتمادها على الإعداد، والتحليل، والانضباط، والثبات النفسي.

ففي البطولات الكبرى، لا ينتظر المدرب انتهاء المباراة ليبدأ التفكير في ركلات الترجيح، بل يستعد لها قبل ذلك بكثير. تُراجع تسجيلات المباريات السابقة، وتُحلَّل عادات اللاعبين، وتُرصد الزوايا التي يفضل كل لاعب التسديد إليها، ثم تُختصر هذه المعلومات في ملاحظات يحملها الحارس أو يحتفظ بها الجهاز الفني، لتكون بين يديه في أكثر لحظات المباراة ضغطًا.

وقد شاهد العالم في أكثر من بطولة دولية حراس مرمى يحملون على قارورة الماء، أو في قصاصة صغيرة، أسماء منفذي الركلات، والاتجاهات التي يغلب على كل لاعب اختيارها، بعد تحليل عشرات المباريات ومئات اللقطات المصورة. ولم تعد هذه الممارسة سرًا، بل أصبحت جزءًا من الإعداد الاحترافي الذي يسبق لحظة التنفيذ.

ومع ذلك، فإن المعرفة وحدها لا تكفي.

فقد يعرف الحارس الزاوية الصحيحة، لكنه يتردد جزءًا من الثانية فيقفز متأخرًا. وقد يمتلك اللاعب المهارة الكافية، لكنه يستسلم لضغط الجماهير، فتخذله أعصابه، ويطيش تسديده خارج المرمى، أو يضع الكرة في متناول الحارس.

ولهذا يحرص كثير من اللاعبين المحترفين على توجيه الكرة إلى الزاوية العليا، الأبعد عن متناول الحارس؛ لأنها تمنح فرصة أكبر للتسجيل. لكن الوصول إلى تلك الزاوية لا يحتاج إلى قوة في القدم بقدر ما يحتاج إلى هدوء في العقل، وثبات في النفس، وتركيز لا يتزعزع في لحظة قد تختصر تاريخًا كاملًا.

وهنا يتبين أن ركلات الترجيح ليست اختبارًا لقوة القدم فحسب، بل اختبارًا لقوة العقل، ورباطة الجأش، والثبات عند اشتداد الضغط، وحسن اتخاذ القرار في لحظات لا تحتمل التردد.

ولهذا فإن ركلات الترجيح قد تُكسب قبل أن تُنفذ، لا عند تنفيذها.

فهي تبدأ بالإعداد، والتدريب، والتحليل، والانضباط، وبناء القدرة على الثبات عندما تضيق الخيارات، ويصبح القرار الواحد هو الفاصل بين النجاح والإخفاق.

ولعل هذا هو الدرس الذي يتجاوز حدود المستطيل الأخضر إلى ميادين الحياة كلها.

فكم من إنسان واجه موقفًا لا يحتمل التأجيل؛ قرارًا وظيفيًا، أو موقفًا أسريًا، أو أزمةً مفاجئة، أو اختبارًا مصيريًا. ولم يكن الفارق بين النجاح والإخفاق سرعة التفكير، وإنما مقدار الاستعداد السابق، والقدرة على الثبات عندما اشتد الضغط.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا ستفعل عندما تقف أمام ركلة الترجيح؟

بل: ماذا أعددت قبل أن تقف أمامها؟

ولهذا لم يعد الحديث عن هذه المهارات حكرًا على المدربين الرياضيين، بل أصبح من أبرز موضوعات علم النفس، والإدارة، وإعداد القيادات. وغدت مهارات التفكير النقدي (Critical Thinking)، وحل المشكلات (Problem Solving)، واتخاذ القرار (Decision Making)، والعمل تحت الضغط (Working Under Pressure) من أكثر المهارات التي تؤكد عليها الجامعات العالمية، وبرامج إعداد القادة، وجهات التوظيف في مختلف القطاعات.

فالواقع العملي لا يبحث دائمًا عن الشخص الأكثر معرفة، وإنما عن الشخص الذي يحسن توظيف معرفته عندما تضيق الخيارات، ويشتد الضغط، ويصبح الخطأ أكثر كلفة.

ومن هنا تناول عالم النفس الحائز على جائزة نوبل دانيال كانيمان (Daniel Kahneman) هذه القضية في كتابه الشهير Thinking, Fast and Slow، الذي يعد من أهم المراجع في علم النفس السلوكي. وقد أوضح أن الإنسان يفكر من خلال نظامين متكاملين؛ أحدهما سريع يعتمد على الحدس والانطباعات الفورية، والآخر بطيء يقوم على التحليل، والموازنة، والتأمل قبل إصدار الحكم.

وفي الأحوال الاعتيادية ينتقل الإنسان بين هذين النمطين بصورة طبيعية، أما تحت الضغط الشديد فإن العقل يميل إلى الاعتماد على التفكير السريع، وهو ما يزيد احتمالات التسرع، والانفعال، والوقوع في التحيزات والأخطاء المعرفية. ولهذا فإن التدريب المستمر لا يضيف إلى الإنسان معلومات جديدة فحسب، بل يدربه على المحافظة على جودة التفكير عندما تكون الحاجة إليها أكبر.

ولعل هذا يفسر لماذا ينجح لاعب في تسجيل عشرات ركلات الجزاء أثناء التدريب، ثم يهدرها في مباراة مصيرية أمام أنظار الملايين. فالمشكلة لم تكن في المهارة، وإنما في طريقة استجابة العقل والنفس لضغط اللحظة.

ومن زاوية أخرى، شدد هندري ويسنجر (Hendrie Weisinger) وجي. بي. بوليو-فراي (J. P. Pawliw-Fry) في كتابهما How to Perform Under Pressure على أن الضغط النفسي ليس هو المشكلة الحقيقية، وإنما طريقة التعامل معه.

ويفرق المؤلفان بين الإجهاد (Stress) الناتج عن تراكم الأعباء والمسؤوليات، وبين الضغط (Pressure) الذي ينشأ عندما تتوقف نتيجة مهمة على أداء أو قرار في لحظة واحدة.

وفي مثل هذه المواقف لا يتحقق الأداء المتميز لأن الإنسان لا يشعر بالضغط، بل لأنه تعلم كيف يحول الضغط إلى تركيز، والخوف إلى استعداد، والتوتر إلى دافع يحسن به الأداء.

ولذلك يؤكد الكتاب أن الثقة ليست شعورًا عابرًا، وإنما نتيجة طبيعية للإعداد الجيد، والتدريب المتكرر، واستحضار النجاحات السابقة، والتركيز على المهمة نفسها بدل الانشغال بنتيجتها.

فإذا كانت هذه خلاصة ما انتهت إليه الدراسات الحديثة في علم النفس والإدارة والقيادة، فإن القرآن الكريم والسنة النبوية قد سبقا إلى بناء الإنسان الذي يثبت عند الشدائد، ويحسن التقدير، ويتخذ قراره في ضوء الإيمان، والصبر، والأناة، وحسن التوكل، وهو ما يقودنا إلى التأصيل الشرعي لهذه المعاني.

غير أن المتأمل في هذه المعاني يدرك أنها ليست جديدة على الثقافة الإسلامية، وإن اختلفت المصطلحات وتعددت المدارس. فما تسميه الدراسات الحديثة اليوم بالتفكير النقدي، والعمل تحت الضغط، واتخاذ القرار، وبناء المرونة النفسية، قد ربّى القرآن الكريم والسنة النبوية المؤمن على أصوله قبل قرون طويلة، وربطها بالإيمان، والتقوى، وحسن التوكل.

ولعل من أجمع الآيات التي ترسم هذا المنهج قول الله تعالى:  ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].

وقد وقف العلماء طويلًا عند هذا التدرج البديع.

فالصبر هو أن يثبت الإنسان على الحق، ويملك نفسه عند الشدائد.

ثم تأتي المصابرة، وهي مرتبة أعلى؛ إذ لا يكتفي بالصبر، بل يزداد ثباتًا كلما اشتد الضغط، ويغالب عوامل الضعف واليأس، فلا يكون أول المنهزمين عند المحن.

ثم تأتي المرابطة، وهي دوام الاستعداد، واليقظة، وعدم الغفلة، وكأن المؤمن يقف على ثغر، يعلم أن لحظة الاختبار قد تأتي في أي وقت، فلا يفاجئه الحدث وهو غير مهيأ.

ثم تختم الآية بالتقوى؛ لأنها البوصلة التي تحفظ القرار من الهوى، وتهدي صاحبها إلى أحسن الاختيارات.

وكأن الآية ترسم منهجًا متكاملًا لبناء الإنسان الذي يحسن الثبات، ويجيد اتخاذ القرار؛ يبدأ بالصبر، ثم يرتقي إلى المصابرة، ثم يلازم الاستعداد الدائم، ثم يهتدي بالتقوى إلى سواء السبيل.

ولذلك لم يكن غريبًا أن يربط القرآن بين شدة الموقف وثبات القلب.

ففي غزوة بدر خرج المسلمون يريدون اعتراض قافلة، ولم يخرجوا مستعدين لمواجهة جيش كامل، فإذا بهم يقفون أمام معركة فاصلة، وهم أقل عددًا وعدة، وفي غاية الضغط النفسي.

لكن القرآن يصور مشهدًا عجيبًا يسبق بداية القتال، فيقول سبحانه:  ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ۝ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١١-١٢].

تأمل هذا التدرج الرباني.

بدأ بالأمن النفسي، فألقى عليهم النعاس طمأنينةً لهم، ثم أنزل عليهم المطر ليطهرهم، ويذهب عنهم وساوس الشيطان، ثم ربط على قلوبهم، ثم ثبّت أقدامهم، ثم جاء بعد ذلك تأييد الملائكة.

فثبات القلب سبق ثبات القدم، وطمأنينة النفس سبقت النصر في الميدان.

ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:  «النعاس في القتال أمنةٌ من الله، وفي الصلاة من الشيطان.» [تفسير البغوي: معالم التنزيل].


إنها لفتة تربوية عميقة؛ فحين يشتد الضغط، يحتاج الإنسان أولًا إلى سكينة القلب، ثم صفاء العقل، ثم ثبات النفس، قبل أن يحتاج إلى سرعة الحركة أو قوة الأداء.

وكأن القرآن يقرر حقيقة تؤكدها اليوم دراسات علم النفس الحديثة: أن جودة الأداء في المواقف الحرجة تبدأ من الاتزان الداخلي، لا من المهارة المجردة.

ولهذا كان النبي ﷺ يربي أصحابه على ضبط النفس قبل سرعة التصرف، فقال:  «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.» متفق عليه.

فالقوة الحقيقية ليست في سرعة رد الفعل، وإنما في القدرة على التحكم في النفس عندما تشتد الانفعالات، وهي الصورة العملية لما تسميه الدراسات الحديثة اليوم بالعمل تحت الضغط.

ولما وفد الأشج عبد القيس على النبي ﷺ قال له: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة.» رواه مسلم.

فالحلم يمنع الانفعال، والأناة تمنع التسرع، واجتماعهما يصنعان حسن التقدير، وجودة القرار، وهي الصفات نفسها التي تعدها اليوم مدارس القيادة والإدارة من أهم خصائص القائد الناجح.

ولذلك لم يقتصر الإسلام على توجيه الإنسان عند وقوع الأزمات، بل دعاه إلى الاستعداد لها قبل وقوعها، فقال سبحانه:  ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨].

فمحاسبة النفس ليست مراجعة للماضي فحسب، بل إعداد للمستقبل، واستثمار للحاضر، حتى لا يفاجأ الإنسان بالمواقف وهو خالي الوفاض من الإعداد الإيماني، والعلمي، والنفسي.

وهنا تكتمل الصورة.

فكما أن حارس المرمى لا ينتظر انطلاق الكرة ليبدأ التفكير، بل يسبق ذلك بجمع المعلومات، وتحليلها، وبناء الصورة الذهنية، فكذلك المؤمن لا ينتظر نزول الشدائد حتى يتعلم الثبات، ولا يفاجئه الامتحان وهو لم يهيئ نفسه له.

فالاستعداد في الإسلام عبادة، والأخذ بالأسباب توكل، ومحاسبة النفس منهج حياة.

قد تنتهي بطولة كأس العالم بعد أيام، ويرفع منتخب واحد الكأس، ثم يعود اللاعبون إلى أنديتهم، وتبقى في ذاكرة الجماهير لحظات صنعتها ركلة واحدة، أو قرار واحد، أو ثبات لاعب في لحظة ضغط.

أما بطولة الحياة، فما زالت مستمرة.

وفيها لا يكون الفوز لمن لم يتعرض للضغوط، بل لمن أحسن الاستعداد لها، وأخذ بالأسباب، واستنار بالعلم، ثم توكل على الله، فربط على قلبه، وثبّت قدمه، وألهمه رشده عندما ضاقت الخيارات، وأحسن اتخاذ القرار عندما بلغت لحظة الحسم.

ولعل هذا هو أعظم الدروس التي تعلمنا إياها ركلات الترجيح.

فالحياة كلها مواقف حاسمة، ولكل إنسان فيها "ركلات ترجيح" خاصة به. والناجح ليس من لا يمر بها، وإنما من أعد نفسه لها قبل أن يقف أمامها.

فإذا وقفت يومًا أمام "ركلة الترجيح" في حياتك، فلا تنتظر أن تُلهم الصواب في تلك اللحظة؛ فالقرارات المصيرية لا تُصنع في لحظات الحسم، وإنما يُصنع أكثرها قبل ذلك بالإعداد، والتدريب، وحسن التوكل على الله. فكن مستعدًا. 

بقلم: د. حمد بن إبراهيم البدر


مرفق واحد  •  تم فحصها من قِبل  





-

.... مواضيع مشابهة أو ذات علاقة بالموضوع :
*"بمناسبة كأس العالم: بين الشوطين.. الحلقة الثانية: دورك أنت"*
*"بمناسبة كأس العالم 2026 | بين الشوطين.. الفرصة لا تأتي مرتين"* (الحلقة الثالثة)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..