الأربعاء، 8 يوليو 2026

*"بمناسبة كأس العالم 2026 | بين الشوطين.. الفرصة لا تأتي مرتين"* (الحلقة الثالثة)

ما الذي يحسم مباريات كأس العالم؟
قد يظن المشاهد أن الفوز يكون من نصيب الفريق الأكثر استحواذًا على الكرة، أو الأكثر تسديدًا على المرمى، أو الذي يضم أشهر اللاعبين. لكن تاريخ البطولة يروي قصة مختلفة. فكم من فريق فرض سيطرته على معظم دقائق المباراة، ثم خرج مهزومًا لأنه لم يحسن استثمار الفرص التي سنحت له، بينما عاد فريق آخر منتصرًا لأنه عرف كيف يحول فرصة واحدة إلى هدف، وهدفًا واحدًا إلى بطولة.

ولهذا، لا يقف المحللون بعد المباراة طويلًا عند عدد التمريرات، ولا عند نسبة الاستحواذ، وإنما يعودون إلى السؤال الذي يكشف حقيقة اللقاء: ماذا فعلنا عندما جاءت الفرصة؟

فالمهاجم المتميز ليس أكثر اللاعبين حركة، ولا أكثرهم لمسًا للكرة، بل أكثرهم قدرة على قراءة اللحظة. يراقب بهدوء، ويتحرك في التوقيت المناسب، ثم ينقض على الكرة كما ينقض الصقر على فريسته. تبدو للمشاهد لحظة عابرة، لكنها في الحقيقة ثمرة إعداد طويل، وتركيز متواصل، وحسن تقدير للوقت.

وهكذا هي الحياة.

فالفرق بين الناس لا يكون دائمًا في عدد الفرص التي أتيحت لهم، بل في قدرتهم على رؤيتها قبل غيرهم، والاستعداد لها، واغتنامها حين تحين. وكثيرًا ما نصف إنجاز الناجحين بأنه ضربة حظ، بينما تغيب عنا سنوات الصبر والعمل التي سبقت تلك اللحظة.

ولهذا ظلت الحكمة العربية تتردد عبر الأجيال: اغتنم الفرص عند إمكانها. فهي لا تدعو إلى التسرع، وإنما تذكر بأن لكل فرصة عمرًا، وأن الزمن جزء من قيمتها، فإذا مضى مضت معه.

وفي ملاعب كرة القدم يدرك اللاعب هذه الحقيقة بالفطرة. فهو يعلم أن الكرة التي مرت أمامه لن تعود كما كانت، وأن لحظة التردد قد تكلف فريقه بطولة كاملة. لذلك لا ينتظر الفرصة المثالية، بل يبذل وسعه فيما بين يديه، لأنه يعلم أن المباراة لا تُمنح لمن يتمنى، وإنما لمن يحسن التصرف في اللحظة المناسبة.

أما خارج الملعب، فكثيرًا ما نؤجل أحلامنا، ونؤخر أعمالنا، ونقنع أنفسنا بأن الفرصة ستعود في وقت أفضل. تمضي الأيام، ثم نكتشف أن الذي مضى لم يكن مجرد وقت، بل كان فرصة لم ندرك قيمتها إلا بعد أن أصبحت من الماضي.

ولعل هذه هي الحقيقة التي يغفل عنها كثير من الناس. فالفرصة ليست حدثًا ننتظره، ولا بابًا يُفتح مصادفة، بل هي استعداد يلتقي باللحظة المناسبة. ولهذا لا يصنع المستقبل من ينتظر الفرص، بل من يتهيأ لها قبل أن تأتي.

ومن اللافت أن هذا المعنى لم يقتصر على ميادين الرياضة أو تجارب الحياة، بل أصبح أحد المبادئ التي أكد عليها كبار مفكري الإدارة في العصر الحديث، حتى رأوا أن الفرق بين النجاح العابر والنجاح المستدام لا يكمن في كثرة الموارد، وإنما في القدرة على رؤية الفرص قبل الآخرين، ثم حسن استثمارها.

ولا يقف هذا الدرس عند حدود الملاعب، بل يمتد إلى عالم الإدارة؛ حيث تُبنى الإنجازات بالطريقة نفسها. فالمؤسسات الناجحة لا تتقدم لأنها أقل تعرضًا للمشكلات، وإنما لأنها أقدر على اكتشاف الفرص، وأسرع في تحويلها إلى واقع.

غريب أن تتشابه كرة القدم والإدارة إلى هذا الحد. فالمدرب الناجح لا يقضي المباراة كلها في تعداد أخطاء فريقه، ولا يستهلك لاعبيه في الندم على فرصة ضاعت، بل يبحث عن الثغرة التي يمكن أن يصنع منها فرصة جديدة. فهو يدرك أن البطولات لا يحسمها الفريق الذي يرتكب أخطاء أقل فحسب، وإنما الفريق الذي يحسن استثمار الفرص أكثر.

وهذا هو المعنى الذي لفت انتباه بوب بوفورد، وهو يصحب أستاذ الإدارة الأشهر بيتر دراكر سنوات طويلة. فقد كان دراكر يرى أن كثيرًا من المؤسسات تنفق أفضل عقولها وأوقاتها في معالجة المشكلات، بينما تهمل الشيء الذي يصنع المستقبل حقًا: الفرص. وكان يؤكد أن حل المشكلات يعيد المؤسسة إلى وضعها الطبيعي، أما استثمار الفرص فهو الذي يدفعها إلى التقدم.

ولم يكن يقصد المؤسسات وحدها، بل الإنسان أيضًا. فكم من شخص استهلك سنوات من عمره يحاول تغيير ما لا يستطيع تغييره، بينما كانت فرص النجاح تنتظره في مكان آخر. ولهذا كان ينصح بوب بوفورد بألا يضيع وقته في إقناع من لا يريد الاقتناع، بل أن يبحث عن الأشخاص المستعدين للفكرة، وأن يبذل جهده حيث يكون للأثر معنى. وكان يلخص هذه الفلسفة في عبارة بليغة: لا تلعن الظلام، بل اتجه نحو النور.

وتظهر هذه الرؤية بوضوح في أحد الأمثلة التي أوردها بوفورد. ففي الوقت الذي كانت فيه شركات كثيرة تتنافس على صناعة أجهزة الحاسب، أدرك بيل غيتس أن منافسة شركة IBM في ميدانها لن تكون الطريق الذي يصنع مستقبله. لم ينشغل بقوة منافسه، ولم يبدد طاقته في معركة لا يملك مقوماتها، بل احترم الواقع، ثم بحث عن فرصة لم يرها غيره، وكانت البرمجيات هي تلك الفرصة التي غيَّرت تاريخ شركته، بل أسهمت في تغيير تاريخ التقنية الحديثة.

ولعل هذا من أهم الدروس التي تمنحها الحياة. فالنجاح لا يبدأ دائمًا من المكان الذي يذهب إليه الجميع، بل من المكان الذي يرى فيه الإنسان فرصة لا يراها غيره. وكثيرًا ما يكون الفرق بين شخصين يملكان الإمكانات نفسها، أن أحدهما ظل ينظر إلى العقبات، بينما كان الآخر يبحث عن الطريق الذي يلتف حولها.

لكن البحث عن الفرص لا يعني أن الطريق سيكون خاليًا من الإخفاقات. فما من نجاح كبير إلا وسبقته محاولات لم تحقق النتيجة المرجوة. ويُنسب إلى توماس إديسون أنه حين سُئل عن كثرة تجاربه قبل نجاح المصباح الكهربائي، لم يعدّها إخفاقات، بل رأى أنها علّمته الطرق التي لا تؤدي إلى النتيجة التي كان يسعى إليها. وهكذا كانت كل تجربة صادقة تقرّبه من هدفه، لا تبعده عنه.

وهنا تتضح حقيقة يغفل عنها كثير من الناس. فالإصرار ليس أن تكرر المحاولة نفسها بالطريقة نفسها، وإنما أن تتعلم، وتصحح، وتواصل السير. فالفرصة كثيرًا ما تأتي بعد أن يكون الإنسان قد أعد نفسه لها، لا قبل ذلك.

ولهذا، فإن الناجحين لا يختلفون عن غيرهم في أنهم لم يعرفوا الفشل، وإنما في أنهم لم يسمحوا للفشل أن يحجب عنهم الفرصة التالية. كانوا يرون في كل عثرة درسًا، وفي كل تجربة إعدادًا، حتى إذا جاءت اللحظة المناسبة كانوا أقدر الناس على اغتنامها.

لكن تبقى هناك فرص من نوع آخر. فرص لا يمنحها التدريب وحده، ولا تعوضها كثرة المحاولات، لأنها ليست مرتبطة بمشروع أو وظيفة أو تجارة، وإنما مرتبطة بالعمر نفسه.

ولهذا جاءت وصية النبي ﷺ في كلمات يسيرة، لكنها ترسم للإنسان طريقه كله:
«اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابَك قبل هَرَمِك، وصحتَك قبل سَقَمِك، وغناك قبل فقرك، وفراغَك قبل شُغلك، وحياتَك قبل موتك».[ صحيح؛ الحاكم في المستدرك: ٧٨٤٦].

تأمل هذا الحديث، فستجد أن الكلمة التي يتكرر إيقاعها فيه ليست «اغتنم»، وإنما «قبل». وكأن الرسالة لا تتعلق بالنعمة وحدها، بل بزمنها. فالشباب لا يبقى، والصحة لا تدوم، والفراغ لا ينتظر، والحياة نفسها تمضي أسرع مما نظن. ولهذا فإن قيمة الفرصة لا تكمن فيما بين يديك فقط، بل في أن تدرك قيمتها قبل أن تتحول إلى ذكرى.

ولذلك يخطئ من يحصر الفرص في صفقة رابحة، أو وظيفة جديدة، أو مشروع ناجح. فالفرص الحقيقية تبدأ مع كل صباح جديد؛ أن تملك صحة تعينك على العمل، أو وقتًا تتعلم فيه، أو قدرة على إصلاح علاقة، أو بابًا للخير ما زال مفتوحًا أمامك. فهذه كلها فرص قد يكون أثرها أبقى من كثير من المكاسب التي يلهث الناس وراءها.

ومن الجميل أن هذه المعاني، على اختلاف مصادرها، تلتقي عند حقيقة واحدة. فالحكمة العربية تقول: «اغتنم الفرص عند إمكانها»، وبيتر دراكر يدعو إلى توجيه الجهد نحو الفرص بدل استنزافه في مطاردة المشكلات، وبوب بوفورد يرى أن الشوط الثاني من الحياة قد يكون أعظم أثرًا من الشوط الأول إذا أحسن الإنسان استثماره. ثم يأتي الهدي النبوي ليضع كل ذلك في ميزان أوسع؛ فغاية الإنسان ليست أن ينجح فحسب، بل أن يحسن استثمار العمر فيما ينفعه في دنياه وآخرته.

ولعل هذا هو الدرس الذي تمنحه لنا كأس العالم كل أربع سنوات. فبعد أن تنتهي المباريات، لا يتذكر الناس عدد التمريرات، ولا نسبة الاستحواذ، ولا المسافات التي قطعها اللاعبون. الذي يبقى في الذاكرة هو الهدف الذي جاء في لحظته، والقرار الذي اتُّخذ في وقته، والفرصة التي أُحسن استثمارها.

وكذلك الحياة.

لن يبقى في سجل الأيام عدد الساعات التي عشناها، ولا كثرة الأعمال التي شغلتنا، وإنما يبقى ما صنعناه عندما وضعت الحياة بين أيدينا فرصة تستحق أن تُغتنم.

وليس المقصود أن يعيش الإنسان أسير الخوف من ضياع الفرص، فالحياة لا تخلو من بدايات جديدة، والله سبحانه يفتح لعباده من الأبواب ما لا يخطر لهم على بال. لكن الحكمة أن يوقن الإنسان أن بعض الفرص، إذا مضت، لا يمكن استعادتها، وأن أجمل لحظة للبداية هي اللحظة التي يعيشها الآن، لا التي يؤجلها إلى الغد.

فقد تحسم مباراة كاملة بفرصة واحدة، وقد يتغير مسار عمر بأكمله بقرار واحد، أو كلمة صادقة، أو عمل صالح،
 أو علم نافع، أو باب خير بادر إليه صاحبه قبل أن يُغلق.

وهكذا تمضي المباريات والأعمار؛ فالفرصة لا تأتي مرتين.

غير أن الفرصة وحدها لا تكفي؛ فكم من شخص جاءت إليه الفرصة، ثم أفلتت من بين يديه لأنه لم يكن قد أعد نفسه لها. فالفرص تطرق أبواب الجميع، لكنها لا تتاح إلا لمن كان قد استعد لها، واستعان بالله، ورجا توفيقه. 
 
بقلم: د. حمد بن إبراهيم البدر
مرفق واحد
  •  تم فحصها  
-
*"بمناسبة كأس العالم: بين الشوطين.. الحلقة الثانية: دورك أنت"*

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..