الثلاثاء، 11 أكتوبر 2011

لا تتغافل عن أخطاء أردوغان

المعجبون برجب طيب أردوغان كثيرون، من الدول العربية حتى الصالون الغربى. ففى الشرق الأوسط يعد
رئيس الوزراء التركى بطل الفلسطينيين الشجاع. ويُعجب به أيضًا الكثير من المفكرين الغربيين، حيث يعتقدون أنه جعل من تركيا نموذجاً بالنسبة للعالم العربى الذى يسوده الاضطراب.

وفى بلده فاز أردوغان فى ثلاث انتخابات متوالية، وتزعم عملية الانتعاش الاقتصادى الكبير، وأجرى إصلاحات اجتماعية هامة – وخاصة توسيع مجال الرعاية الصحية لتشمل جميع السكان. وعلى الساحة الدولية قام بتغيير السياسة الخارجية التركية التى كانت تركز على الغرب إلى حد كبير، كما جعل من بلده لاعبًا رئيسيًا فى المنطقة. إن تركيا الحديثة تثير الاهتمام والإعجاب، لأنها أظهرت أنه من الممكن الجمع بين التقوى والورع الإسلامى وبين المدنية والرخاء والديمقراطية.
لكن المشكلة هى أن كل هذه الإنجازات المبهرة قد تعمى المعجبين بأردوغان عن أخطاء بطلهم – وهى أخطاء سوف تصبح أكثر وضوحًا مع اقتراب عقده الثانى فى السلطة.
فرئيس الوزراء قد صار أكثر استبدادًا فى بلده، وأكثر تهورًا خارج الوطن. ولنتجه أبعد من ذلك ونقول إن هذه الأخطاء قد تهدد ديمقراطية تركيا وأمنها.
فسجل أردوغان فى نواحٍ هامة مازال يدعم الديمقراطية فى تركيا حتى الآن. فقد عمل على توسيع مجال حقوق الأقليات وخاصة الأكراد.
كما اعتادت تركيا أيضًا أن تكون عُرضة للانقلابات العسكرية المستمرة، ولكن هذا الخطر تقلص. فقد قامت حكومة أردوغان باعتقال بعض كبار الجنرالات المتورطين فى مؤامرة مزعومة لتنفيذ انقلاب، ويبدو الجيش الآن متذمرًا تجاه حكومة الدولة المنتخبة.
بيد أن رد الفعل تجاه مؤامرة الانقلاب المزعومة كان واسع الانتشار لدرجة أنه شمل العديد من الأفراد الذين ربما يكونون أبرياء من أى ذنب – لكنهم الآن فى السجن يعانون الهزال والوهن انتظارًا لمحاكماتهم أو اتهامهم فى بعض الحالات. فلم يتم اعتقال عسكريين فقط. إذ يقول معهد الصحافة الدولية إن هناك الآن الكثير من الصحفيين فى السجون التركية وعددهم يزيد عن الصحفيين المسجونين فى الصين، فقد رأيت مؤخرًا فى "أسطنبول" جمعاً من الصحفيين يتظاهرون تأييدًا لزملائهم المسجونين. وهذا شىء لا يُسمح به فى بكين. لكن ما من شك فى أن الصحفيين الأتراك يعملون الآن فى أجواء من الخوف على حد قولهم.
إن الجانب الاستبدادى فى عهد أردوغان ربما يصبح أكثر وضوحًا. فقد قال رئيس الوزراء أنه سوف يتنحى عن السلطة بعد انتهاء فترة رئاسته الثالثة. لكن يبدو أنه يعتزم الترشح للرئاسة – وينوى أيضًا تعديل الدستور التركى لمنح الرئيس سلطات أوسع. فإذا نجح أردوغان فى ذلك فهو هنا يتطلع إلى حوالى 20 عامًا فى السلطة – وهذا يطرحه كرد تركيا على "فلاديمير بوتين".
إن المعجبين "بأردوغان" فى الغرب يميلون إلى تجاهل الكثير من هذا لأنهم يعتبرون تركيا نموذجًا أمام العالم الإسلامى. ويقول أحد الدبلوماسيين الغربيين: "إن تركيا تحت حكم إردوغان يمكن أن يصعب التعامل معها إلى حد كبير، لكن إذا أخبرتنى أن مصر أمامها فرصة لتكون مثل تركيا فسوف أقبل ذلك على الفور".
بيد أن الدور الإقليمى لتركيا ليس كله إيجابى. حيث أصبح أردوغان أكثر ثقة وأكثر استعدادًا للمواجهة. (وهذا ما بدا من سلوك حرس أردوغان مؤخرًا عندما قاموا بضرب أفراد الأمن بالأمم المتحدة فى نيويورك). وإذا ساءت الأمور ربما تجد تركيا نفسها فى مواجهة نزاع على ثلاث جبهات قبل نهاية العام – مع قبرص وإسرائيل ومتمردى حزب العمال الكردستانى المتمركزين فى العراق.
فقد هدد أردوغان باستخدام الأسطول التركى لمرافقة "أساطيل المعونة" لكسر حصار إسرائيل على غزة – ولعرقلة محاولات قبرص بشأن استكشاف الغاز. فقد قامت الطائرات الحربية التركية بدك قواعد حزب العمال الكردستانى فى العراق، وثمة احتمال هجوم برى.
وجولة "أردوغان" الأخيرة للشرق الأوسط توضح مدى الغموض الذى يمثله. ففى القاهرة جعل من النموذج العلمانى لتركيا نموذجًا محتملاً لمصر – مقترحًا أن تركيا تستطيع بالفعل أن توضح للشرق الأوسط كيف يمكن الفصل بين المسجد والدولة. لكن فى خطاب له فى ليبيا لعب الزعيم التركى على وتر معظم التصورات التآمرية للشارع العربى، فأشاد بالثورة الليبية، لكنه ذكر أن بريطانيا وفرنسا تدخلوا فى ليبيا عسكريًا لأسباب تجارية.
كان ذلك جزءاً من نفاق صارخ نظرًا لأن أردوغان فر قبل جائزة حقوق الإنسان التى قدمها له معمر القذافى قبل أقل من عام – واعترض فى البداية على تدخل الناتو فى ليبيا، وكان أحد أسباب اعتراضه هو حماية المصالح التجارية التركية.
ولا يزال هناك احتمال كبير أن يترك أردوغان إرثًا إيجابيًا للغاية. فإذا سارت الأمور على خير ما يرام، فقد يصبح هو النظير التركى لـ "لويس إيناسيو لولا دا سيلفا"، رئيس البرازيل السابق الذى يحظى بالكثير من الثناء. فالسيرة الذاتية لكلا الرجلين متشابهة إلى حد كبير.
فكلاهما ينحدر من أصول متواضعة وقضيا فترات من حياتهما فى السجن، وأصبحا يمثلان الصوت السياسى للجماعات التى حرمت من اعتلاء السلطة. وكلا الرجلين حققا لبلديهما رخاء اقتصاديًا، وجعلا بلديهما أيضًا نموذجًا بارزًا أمام دول المنطقة – وقد برز كلاهما أيضًا كلاعب أساسى على الساحة العالمية.
بيد أن هناك أيضًا أوجه اختلاف هامة. فقد انتهج "لولا داسيلفا" سياسة خارجية تهدف دائمًا لطمأنة جيران البرازيل. وبعد أقل من عقد فى السلطة تنحى الزعيم البرازيلى – وقاوم إغراء تعديل الدستور لإطالة أمد بقاءه فى السلطة. ومثل "نيلسون مانديلا"، عرف متى يتنحى. ولسوء الحظ لا يوجد ما يدل على أن أردوغان لديه نفس القدرة على ضبط النفس أو التواضع.


صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية
11/10/2011
بقلم: جيدون راتشمان
ترجمة: نعمة موسى

المصدر
_______
مواضيع مشابهة أو ذات علاقة بالموضوع :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..