الأربعاء، 17 أكتوبر 2012

تعليقا على مقالة حميد الدين "لماذا التشنج والبكاء؟" !!!

 كتب الأستاذ عبد الله حميد الدين – باحث ومفكر سعودي ك كما كتب بعد اسمه - في جريدة الشرق،وقرأت الموضوع عبر الرسالة رقم (2040) من رسائل مجموعة الدكتور عبد العزيز قاسم البريدية .. وقد كتب المذكور حول ما أسماها (ظاهرة مواجهة الإلحاد) .. وسوف أبدأ – قبل كل شيء بهذه اللمحة الإيجابية التي ختم بها مقالته :

(أسأل الله - تعالى – أن يملأ قلوبنا حبا لبعض،وسلاما نحو بعض. نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم" 313" صفحة "25" بتاريخ "12 – 10 – 2012").
لعل المقصود بـ(المطبوعة) أن المقالة نُشرت في النسخة الورقية من الصحيفة،وليست النسخة الإلكترونية فقط .. حيث دأبت بعض الصحف على نشر بعض المقالات التي قد توصف بأنها حساسة .. في النسخة الإلكترونية دون النسخة الورقية!!
يستطيع القارئ أن يتحاور مع هذه المقالة من أكثر من زاوية،ففيها من العجائب الكثير .. مثلا :
يقول الكاتب :
(بل لا توجد إلى الآن ظاهرة إلحادية بالمعنى الدقيق.).
ثم عاد ليقول : ( ثانيا : من المفيد اعتبار الإلحاد ظاهرة ناشئة من التفاوت بين الناس في علاقتهم بالغيب والمجتمع (..) واعتباره ظاهرة لا يعني قبوله).
ويقول الأستاذ (حميد الدين)،  :
(تتفاوت المواجهة"سطحية وعمقا"بين من يكرر  آراء بالية وشعارات منتهية،وبين من يحاول تناول القضية على ضوء التطورات الفلسفية والمعرفية والعلمية.)
ويستطيع القارئ أن يسأل – بكل براءة – .. هل الكتاب والسنة من تلك الأقوال البالية والمنتهية؟! طبعا لا سمح الله أن يكون  الكاتب قد قصد ذلك.
ربما لا يوجد رابط .. ولكنني – على ذكر التطورات الفلسفية و العلمية – تذكرت (علم الفلك) وقد  ( كتب جاليليو جاليلي  في رسالة لدوقة تسكانيا الكبرى سنة 1615 – قبل محاكمته -:
(( بالنسبة لترتيب أجزاء الكون، أعتقد أن الشمس قائمة دون حركة في مركز دوران الأجرام السماوية )) ،ودفع حياته ثمنا لذلك    ويعلق ديورانت في الهامش :
( من سخرية التاريخ أن هذه القضية لا يؤمن بها اليوم أي فلكي، وربما كان الفلك بأسره،مثل التاريخ برمته، يجب أن يؤخذ على أنه فرضية ) { قصة الحضارة / ول ديورانت  ص 274 جـ 3 مجلد 7 / ترجمة : محمد أبو درة}.
 
على كل حال .. أتذكر أن الأستاذ عبد الله حميد الدين تلقى دعوة من بعض الزملاء – عبر رسائل مجموعة الدكتور عبد العزيز قاسم البريدية -  للحوار .. ولكنه اعتذر – على ما أذكر – وكرر أنه لا يريد أن يضيع الوقت أو يطيل .. ثم أراه هنا يقول :
 ( الملاحظة الرابعة والأهم هو فتح المجال لحوارات متكررة والتحلي بالتواضع )... ولا أفهم كيف يرفض الحوار .. ثم يرى أنه هو  الأهم؟!! ثم ألا يخشى أن تصب تلك الحوارات في (ظاهرة مواجهة الإلحاد)؟!! وليس هذا أغرب ما في كلام الأستاذ الكاتب .. والذي قال :
(والحوار هو الذي سيحافظ على وجود الله – تعالى – حتى في قلوب من يعلنون إلحادهم به. فالله لا يوجد في الحياة فقط من الإقرار به،ولكن يوجد بوجود المحبة والسلام وشيوعها بيننا.)!!!!!!!
رغم أن ديننا دين محبة وسلام .. إلا أن هذا الكلام .. بهذه الصياغة يشبه كلام (ربع) آخرين ... طالما رددوه .. حتى وإن قصفوك .. دون أن تصفع لهم خدا أيمن .. أو أيسر!!!
قلت في مستهل الكلام أن القارئ يستطع أن يتحاور  مع هذه المقالة من أكثر من زاوية .. ولكنني لن أفعل .. وسأكتفي بطرح سؤال .. ثم التوقف عند مقولة  لفتت نظري ... وهي التي دفعتني للكتابة ..
أما السؤال فهو : هل هذه المقالة تصنف ضمن (ظاهرة مواجهة الإلحاد) أم ضمن (ظاهرة الإلحاد) .. التي لا وجود لها بالمعنى الدقيق؟!!
أما العبارة التي لفتت نظري – ودفعتني للكتابة كما ذكرت سابقا – فهي قول الكاتب :
(والتأمل يظهر أن الدافع العام هو الخوف. وهذا يظهر من أكثر من مؤشر. منها نوع الانفعال الذي يظهر ممن يواجه الإلحاد).
لاشك عندي أن الكاتب لم يستطع فهم السبب وراء انفعال بعض الدعاة .. وتمعر وجوههم ..  وصولا إلى بكائهم .. وهم يتحدثون عن الإلحاد والملحدين .. وهنا أتمنى أن يتسع صدر الأستاذ ليكمل قراءة هذا النص .. والذي استشهد كاتبه بكلام ليس (باليا) ولا منتهيا قطعا .. كتب الدكتور أحمد العمري عن صديق له حدثه عن تشابك خط هاتفه مع هاتف فتاة لعوب،تحادث مجموعة من الشباب،في مكالمات طويلة،مما أضاع على الصديق فرصة الدخول إلى الشبكة العنكبوتية :
(وكنت تروي لي، أن صدرك ضاق بهذا كله – فخرجت بصوتك من السماعة وتحدثت إليها مباشرة،طالبا منها بتهذيب وأدب جم،أن تترك لك مجالا من الوقت لتدخل إلى الشبكة كل ليلة،منبها إياها – إلى ما تعرفه جديا من دون أن تعير له أدنى اهتمام – من أنه يمكن لك أن تسمع كل كلامها،رغم أنك كنت تغلق السماعة في كل مرة تكون هي في خضم لعبتها. قلت هذا،وقلت أيضا شيئا عن حقها الشخصي في استعمال الهاتف كما تريد حتى الصباح،بشرط ألا يؤثر ذلك على حقك الشخصي في استعمال الهاتف أنت الآخر ..
كنت تتحدث وصوتك مسترخ تماما،منتهى الهدوء. منتهى الروتين. لم يكن في نبرة صوتك أي انزعاج حقيقي (باستثناء ذلك الذي يخص الإنترنت) ..
لا. لم يكن هناك غضب ولا انزعاج،بل هدوء واسترخاء. لو كنت تحدثني عن الطقس الحار في العام قبل الماضي لما كان صوتك أكثر تأثرا وتهدجا..  بل إننا لو أدخلنا صوتك لواحد من أجهزة الكمبيوتر الحساسة التي تحلل الصوت،لما وجدنا غير بيانات منتظمة،اعتيادية،لا بركان فيها ولا زلزال .. تأملت في صوتك مجسما،وددت لو أني أنظر إليك لحظتها ..
وعبر أسلاك الهاتف دلفت،وكانت الشبكة كما تعلم فضللت طريقي قليلا،ثم وجدتك،وخرجت من سماعة الهاتف عندك،لم تلاحظني طبعا،كنت لا تزال تتحدث معي على طرف السماعة الآخر،وكان صوتك لا يزال مسترخيا تماما،منتهى الهدوء والروتين.
وكان وجهك أيضا هادئ القسمات والملامح،يعكس هدوء صوتك واسترخاءه،لم يكن هناك ما يضايقك باستثناء مشكلة الإنترنت.
ورأيت الهدهد،هناك عند النافذة.
ذلك أن وجهك – الهادئ والمسترخي تماما – ذكرني بوجه آخر،صحيح أني لم أره،ولكني اعتقدت أنه يشبه وجهك تماما في هذه اللحظة،بينما هو هادئ ومسترخ.
إنه وجه آخر،هادئ،لم يتمعر ولم تتعكر قسماته ..  

********
في الحديث القدسي الذي يرويه ذلك الذي لا يكذب أبدا عن ربه،يقول : أمر رب العزة عبده جبريل أن يخسف بقرية عم فيها الفساد،فراجعه جبريل ليستفهم قائلا : إن بها عبدك الصالح فلانا.
فقال رب العزة : به فابدأ.
فاستغرب جبريل : لماذا يا رب؟.
فأجابه الله  ذلك الجواب الذي يحتاج منا إلى أن نخاف على أنفسنا،قال له : إن وجهه لم يتمعر يوما فيّ.
 
******************
هذا العبد الصالح في تلك القرية الفاسدة،لم يتمعر وجهه يوما في الله،لم يغضب يوما لله،لم يتغير وجهه من أجل حد من حدود الله،أو حق من حقوقه،لم يجر الدم الغاضب إلى وجهه،لم يحمرّ وجهه من أجل حرام مرتكب أو حلال منتهك..
عبد صالح،لكن لم يتمعر وجهه يوما في الله : ظل وجهه محايدا وهادئا،مسترخيا،رغم قريته الفاسدة،ولذلك قال رب العزة لجبريل : به فابدأ.){ص 12 - 15 (إدرينالين) / الدكتور أحمد خيري العمري / دمشق / دار الفكر / الطبعة الأولى / 2005م   }.
ثم يكمل الدكتور :
(المشكلة أن تمعر الوجه مسألة ليست بهذه البساطة. بمعنى آخر،ليست هناك وصفة سحرية تجعل الوجه اللامبالي الهادئ المحايد للعبد الصالح في القرية الفاسدة يتمعر.
ليس هناك زر واحد تستطيع أن تضغط عليه،فيبدأ وجهك بالتمعر،حيث يجب أن يتمعر،ويعود للهدوء والسكينة في مواطن الهدوء والسكينة.
للأسف،لا يوجد زر كهذا،ولا وصفة كهذه.
الأمر صعب جدا،,معقد جدا،وفي الوقت نفسه،أحيانا على الأقل ،يكون بسيطا جدا،تلقائيا جدا.
صعب جدا لأنه يشمل فهمك كله،وحساسيتك كلها،وغيرتك كلها،وأوعيتك الدموية كلها،وأعصابك كلها،وجزء غير يسير من هرموناتك،وأيضا عضلات قلبك وعضلات وجهك،وكل الشعيرات الدموية التي تنتهي فيه ..
وبسيط جدا،لأنه عندما يحدث،يحدث بتلقائية،بشكل لا إرادي،بشكل عفوي ..){20 - 21}.
(الأدرينالين! وما أدراك ما الأدرينالين .. في عروقنا يجري،هرمون يفرز من ضمن عدة هرمونات أخرى يفرز عند الغضب،عند القلق،عند الخوف .. وعند الغيرة بالتأكيد.
إنه المسؤول عن تسارع دقات القلب،عن تزايد النبض،عن احمرار الوجه الذي يحصل عند الغضب والخوف،والقلق ... والغيرة .. ذلك الهرمون الذي يُفرز من غدة صماء فوق الكلية،يكون بمثابة جهاز لقياس مدى حساسيتك .. إنه يحول انفعالك من الداخل،حيث يكون مجرد إشارات كهربائية على الحبال العصبية،إلى الخارج،إلى الجوارح .. فتؤثر على عضلات الوجه،وعلى النبض،وعلى دقات القلب .. وعلى مجرى الدم (..) مع الإدرينالين،لاكذب هناك،لا زيف في الانفعالات .. مع الإدرينالين ،لا نفاق لا رياء. كل شيء يختبر بالكيمياء. لا مجال للتمثيل .. لا مجال لاختلاق الأعذار .. لا مجال للف والدوران (..) وذات يوم سيكون هذا السائل الذي يُفرز من غدة صماء شاهد عليك .. سيترك صممه ويستجيب للذي خلقه وخلقك. وسيحسب كم لترا منه يا ترى عن الشهوة؟ عند حب  التملك؟ كم لترا منه في الظلم عند الحرام؟ كم لترا منه سبح دمك فيه عند العقوق؟ كم مرة من أجل زحام السير؟ من أجل عطل في السيارة؟ من أجل أن أحدهم أخلف في الموعد معك؟ كم مرة من أجل حرارة الجو؟ كم مرة من أجل أن الطعام لم يكن جاهزا؟ كم مرة لأنه لم بعجبك؟ كم مرة،هكذا،بلا سبب،فقط نهضت من نومك وأنت متضايق؟ (..) كم لترا منه من أجل الدنيا ( أم أن الكمية كلها كانت كذلك). وأتساءل كم مايكرو غراما منه من أجل الله،وفي الله .. كم مرة أفرز الأدرينالين لأن فلانا من أصحابك لم يعد يصلي؟ أو لأنه أخذ يزني؟ كم مرة من أجل أن الناس لا يصلون ؟ كم مرة من أجل المائلات المميلات،من أجل الشبان الذين حولهن؟ كم مرة من أجل أن الناس لا يبالون،ولا يهتمون،وهم إلا جهنم سائرون؟ كم مرة من أجل حدود الله المنتهكة (..) كم مرة أفرز الأدرينالين غضبا،غيرة،ألما لله؟ أم أن ذلك أصلا لم يحدث،ولم يخطر في بالك أنه يجب أن يحدث؟) {67 - 69}.
كلام تقشعر له الأبدان ... فلعل الأستاذ عبد الله حميد الدين .. يعذر من تمعرت وجوههم في الله.

وسبق لي أن نقلت النص الدكتور العمري في كُليمة بعنوان (سم الثقافة الزعاف) .. وكيف قتلت قراءة الروايات وما فيها من تجديف وفحش .. القدرة على استنكار المنكر .. وهذا رابطها :
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
 
أبو أشرف : محمود المختار الشنقيطي – المدنية المنورة غرة – شهر الله المحرم – ذي الحجة 1433هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..