السبت، 9 فبراير 2013

المصالح المرسلة، تعريفها، أقسامها، ضوابطها، حكمها.


المصالح المرسلة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آل بيته الأطهاروصحابته الأبرار
أما بعد:
قبل التعرض لتعريف المصلحة المرسلة يستحسن التطرق إلى المقدمات الضرورية التالية لفهم حقيقته :

المقدمة الأول: التلازم بين المصلحة والشريعة :

إن التلازم بين الشريعة والمصلحة مبني على أربعة أمور متصلة بعضها ببعض :

الأمر الأول: أن هذه الشريعة مبنية على تحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم في الدنيا والآخرة.

الأمر الثاني: أن هذه الشريعة لم تهمل مصلحة قط ، فما من خير إلا وقد حثنا عليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما من شر إلا ونهانا عنه.

الأمر الثالث : إذا علم ذلك فلا يمكن أن يقع تعارض بين الشرع والمصلحة.

الأمر الرابع : إذا علم ذلك فمن ادعّى وجود مصلحة لم يرد بها الشرع ، فأحد الأمرين لازم له :

ـ إما أن الشرع دل على هذه المصلحة من حيث لا يعلم هذا المدعي.
ـ وإما أن ما اعتقده مصلحة ليست بمصلحة من حيث لا يعلم هذا المدعي ، فإن بعض ما يراه الناس من الأعمال مقربا إلى الله ولم يشرعه الله فإنه لا بد أي يكون ضرره أعظم من نفعه ، وإلا فلو كان نفعه أعظم لم يهمله الشرع.

المقدمة الثانية : أقسام المصلحة :

أ ـ المصلحة الملغاة شرعا: فهي المصلحة التي يراها العبد بنظره القاصر ـ مصلحة ولكن الشرع ألغاها وجاءت بالأدلة بمنعها كما لو ظاهر الملك من امرأته ، فالمصلحة في تكفيره بالصوم لأنه هو الذي يردعه لخفة العتق ونحوه عليه ، لكن الشرع ألغى هذه المصلحة ، وأوجب العتق من غير نظر إلى وصف المكفر.

ب ـ المصلحة المعتبرة شرعا: وهي التي جاءت الأدلة الشرعية بطلبها مثلا حفظ المال شرع لها حد السرقة.

ج ـ المصلحة المسكوت عنها : وهو التي لم يرد في اعتبارها أو إبطالها دليل خاص من الكتاب أو السنّة او الإجماع أو القياس ، لكنها لم تخل من دليل عام كلي يدل عليها ، بل تستند إلى مقاصد الشريعة وهي التي تسمى بالمصالح المرسلة مثل المصلحة التي اقتضت أن عقد البيع الذي لا يسجل لا ينقل الملكية .

وسميت مرسلة لإرسالها أي إطلاقها عن دليل خاص يقيد ذلك الوصف بالاعتبار أو بالإهدار.

تعريف المصلحة المرسلة:

المصلحة التي لم يشرع الشارع حكما لتحقيقها، ولم يدل دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها ، وسميت مطلقة لأنها لم تقيد بدليل اعتبار أو دليل إلغاء .

وتوضيح هذا التعريف إن تشريع الأحكام ما قصد به إلا تحقيق مصالح الناس ، أي جلب نفع لهم أو دفع ضرر أو رفع حرج عنهم ، وإن مصالح الناس لا تنحصر جزئياتها ، ولا تتناهى أفرادها وإنها تتجدد بتجدد أحوال الناس وتتطور باختلاف البيئات ، وتشريع الحكم قد يجلب نفعا في زمن وضررا في آخر، وفي الزمن الواحد قد يجلب الحكم نفعا وفي بيئة ويجلب ضررا في بيئة آخرى ( علم أصول الفقه عبد الوهاب خلاّف ـ صفحة 84 وما بعد ).

أقسام المصالح المرسلة:

أولا : تنقسم باعتبار الأصل الذي تعود عليه بالحفظ إلى خمسة أقسام:
ـ 1 ـ مصلحة تعود إلى حفظ الدين.
ـ 2 ـ مصلحة تعود إلى حفظ النفس.
ـ 3 ـ مصلحة تعود إلى حفظ العقل.
ـ 4 ـ مصلحة تعود إلى حفظ العرض.
ـ 5 ـ مصلحة تعود إلى حفظ المال.
وهي ما تسمى بالضروريات الخمسة أو بقاصد الشريعة.

ثانيا : باعتبار قوتها :

ـ القسم الأول : المصلحة الضرورة : وهي ما كانت المصلحة فيها في محل الضرورة بحيث يترتب على تفويت هذه المصلحة تفويت شيء من الضروريات أو كلها .

ـ القسم الثاني : المصلحة الحاجية : وهي ما كانت الصلحة فيها في محل الحاجة لا الضرورة ،فيحصل بتحقيق هذه المصلحة التسهيل وتحصيل المنافع ولا يترتب على فواتها شيء من الضروريات.

ـ القسم الثالث : المصلحة التحسينية: وتسمى التتميمات وهي ما ليس ضروريا ولا حاجيا ولكنها من باب الجري على مكارم الأخلاق واتباع أحسن المناهج.

ظوابط الأخذ بالمصلحة المرسلة :

أ ) ـ أن لا تكون المصلحة مصادمة لنص أو إجماع .
ب ) ـ أن تعود على مقاصد الشريعة بالحفظ والصيانة.
ج ) ـ ألا تكون المصلحة في الإحكام الثابتة.
د ) ـ ألا تعارضها مصلحة أرجح منها أو مساوية لها ، وإلا يستلزم من العمل بها مفسدة أرجح منها أو مساوية لها .
هـ ) ـ أن تكون مصلحة حقيقية وليست مصلحة وهمية أي أن يتحقق من أن تشريع الحكم في الواقعة يجلب نفعا أو دفع ضررا.
و ) أن تكون مصلحة عامة وليست مصلحة شخصية ، فلا يشرع الحكم لكي يحقق مصلحة خاصة بأمير أو عظيم ، بصرف النظر عن جمهور الناس ومصالحهم.

مدى الاحتجاج بالمصالح المرسلة :

ذهب الجمهور إلى أن المصلحة المرسلة حجة شرعية يبنى عليها تشريع الأحكام ، وأن الواقعة التي لا حكم فيها بنص أو إجماع أو قياس أو استحسان، يشرع فيا الحكم الذي تقتضيه المصلحة المطلقة ولا يتوقف تشريع الحكم بناء على هذه المصلحة على وجود شاهد من الشرع باعتبارها.
فأثبت بها الأحكام : مالك وأحمد ، ورفض الأخذ بها الشافعي والظاهرية .

أولا : أدلة الجمهور على الاحتجاج بالمصالح المرسلة :

ـ 1 ـ أن مصالح الناس تتجدد ولا تتناهى ، فلو لم تشرع الأحكام لم تتجدد مصالح الناس ، فلو اقتصر التشريع على المصالح التي اعتبرها الشارع فقط، لعطلت كثير من مصالح الناس ، هو ذا لا يتفق مع مقصد بالتشريع من تتحقيق مصالح الناس.

ـ 2 ـ أن من استقرأ تشريع الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، يتبين أنهم شرعوا أحكاما كثيرة لتحقيق مطلق المصلحة لا لقيام شاهد باعتبارها، كمحاربة أبو بكر الصديق لمانع الزكاة ، وإمضاء عمر بن الخطاب الطلاق ثلاثا بكلمة واحدة ومنع سهم المؤلفة قلوبهم من الصدقات إلخ.......

ـ 3 ـ قد علمنا أن ذلك ـ أي المصلحة ـ من مقاصد الشرع، وكون هذه المعاني مقصودة عرف بأدلة كثيرة، لا حصر لها من الكتاب والسنة، وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات، فيسمى ذلك مصلحة مرسلة و لا نسميه قياسا ، لأن القياس يرجع إلى أصل معين.

ثانيا : أدلة نفاة الاحتجاج بالمصلحة المرسلة :


: إن المصلحة المرسلة ليست بحجة لأنه ما عرف من الشارع المحافظة على الدماء بكل طريق ، ولذلك لم تشرع المثلة ـ وإن كانت أبلغ في الردع والزجرـ . ولم تشرع القتل في السرقة وشرب الخمر ، فإذا أثبت حكما لمصحلة من هذه المصالح لم يعلم أن الشرع حافظ على تلك .المصلحة بإثبات ذلك الحكم : كان وضعا للشرع بالرأي، وحكما بالعقل. بالعقل

ملحوظة :

الأحكام التي تبنى على مجرد المصلحة المرسلة ليست أحكام شرعية، فلا يثبت بها وجوب شرعي ولا تحريم شرعي، ولكنها أحكام وضعية، فإن كانت من إمام واجب الطاعة لكون إمامته تمت على الوجه الشرعي، فإنه يثاب من التزم بها لوجوب طاعة الإمام الحق. وكذا يجب الالتزام بها إن كان الإخلال بها يؤدي إلى الإضرار بالناس وحصول الفوضى ، ومثال ذلك قوانين المرور، فهذا النوع وأمثاله يجب الالتزام به ولو صدر ممن لا تجب طاعته من أصحاب السلطان.

الفرق بين المصلحة المرسلة والبدعة المذمومة:

أولا : البدعة تكون في التعبدات والتي من شأنها أن تكون غير معقولة المعنى، أما المصلحة المرسلة فإنها تكون في المعاملات التي هي معقولة المعنى.

ثانيا : البدعة تكون في مقاصد الشريعة أما المصلحة المرسلة فهي وسيلة لتحقيق المقاصد.

والله أعلم
وكتبه أبو جابر الجزائري
المراجع

ـ علم أصول الفقه ، عبد الوهاب خلاّف ، الزهراء للنشر والتوزيع ـ الجزائر ط1995/1.
ـ مذكرة أصول الفقه ، محمد الأمين الشنقيطي، الدارالسلفية ـ الجزائرـ بدون تاريخ طبع.
ـ معالم أصول الفقه عند أهل السنّة والجماعة، محمد الجيزاني، دار ابن الجوزي، ـ المملكة السعودية ـ ط 1419/2.
ـ مختصر علم أصول الفقه الإسلامي ، محمد محده، دار الشهاب ت الجزائر بدون تاريخ طبع.
ـ الواضح في أصول الفقه للمبتدئين ، د. محمد سليمان الأشقر، دار النفائس ودار مكتبة الدرر ـ الأردن ـ ط 1417/5 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..