السبت، 19 يوليو 2014

مدائن اسلامية: بخارى.. منجم المعرفة وبلاد العلماء

مشاهدات يسردها : عبدالعزيز قاسم
زرت مدينة "بخارى" قبل أكثر من عشرين عاما، وألفيتها مدينة قديمة جدا، وكل شبر فيها ينبئ عن
تاريخ قديم، مدينة من القرون الوسطى فعلا، بيد أنني عندما زرتها هذا العام، فوجئت تماما أنها تغيرت بشكل كبير، وحسنا فعلت الحكومة الأوزبكية، إذ حافظت على تلك المدارس والمعاهد والشواهد التاريخية، وقامت بترميم تلكم الآثار التي كانت مهملة بشكل كبير إبان الحقبة السوفياتية، بل هدمت كثير من تلك الآثار للأسف في تلك الحقبة البائسة.

سور مدينة بخارى من جهته الغربية

رهبة التاريخ
لا تملك إلا أن تستشعر الرهبة، وأنت تقف على سور المدينة الذي يمتد تاريخه على مدى 2500 عاما، شامخا وشاهقا، يقف السور منتصبا وحاكيا عن أولئك الذين دمروه عبر التاريخ، ويرممه أهل المدينة مع كل هدم له من قبل الغزاة الذين استولوا على المدينة. السور عال الارتفاع، ومنيع جدا، ووقتما اقتربت منه، شعرت بمشاعر تباينت بين الفخر والأسى والحنين إلى الماضي والشغف بما ستحكيه هذه الحجارة عن عظماء مروا بها أو ولدوا داخل المدينة التي تحيط بها.


 صورة تعود لمائة عام تقريبا لبوابة مدينة بخارى وكان هذا لبس أهلها

بوابة مدينة بخارى التاريخية
ردد على مسمعي دليلي السياحي –بكل تباه وفخر- وأنا على بوابة مدينة بخارى القديمة: "هذا السور الذي تطالعه الآن عمره أكثر من 2500 عام، والبوابة التي ولجت منها التو؛ دخل عبرها الاسكندر المقدوني وقتيبة بن مسلم الباهلي وجنكيز خان وهولاكو وتيمورلنك، وبقية عظماء وقادة خلدوا أسماءهم في التاريخ. هنا ولد محمد بن اسماعيل البخاري إمام الحديث، وهنا ولد الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا، وستجد أمامك قبر الامام النقشبندي. هنا –مشيرا بإصبعه- درس حينا من الدهر وتعلم: الخوارمي والبيروني وأولغ بيك العالم الفلكي، وبقية علماء نهلوا من العلم إبان الطلب، هذه المدينة التي تدخلها موطن المعرفة القديم في العالم".


اهتبلت بالتأكيد الفرصة لأتصور من البوابة التي دخلها الاسكندر وقتيبة بن مسلم وجنكير خان


لا تزال حوالى أربعين معلما اسلاميا تاريخيا في بخارى

تأريخ بخارى
نشأت مدينة بخارى قبل الإسلام بقرون بعيدة، وكان اسمها باللغة الصينية "نومي"، أما عن سبب تسميتها باسم "بخارى"، فيرجع إلى الكلمة التركية المغولية "بخر"، والتي تعني الصومعة أو الدير, وقد كان بالمدينة معبدًا بوذيًا كبيرًا قبل دخولها في الإسلام، ويحتمل أنه السبب في تسميتها باسم "بخارى".
أما الأصح والمتداول هناك بين أهل المدينة وقتما سآءلتهم، فقد قيل إنها مشتقة من كلمة "بخار" وتعني العلم الكثير، وسُميت بهذا الاسم لكثرة علمائها.
وبحسب موقع "آسيا الوسطى" فإن مناخ هذه المدينة، فهواؤها متقلب جاف بسبب قربها من المناطق الجبلية, وشتاؤها طويل وبارد، وربيعها ممطر، وصيفها حار جاف، أما خريفها فيتميز بالنشاط والحيوية.
ويمرّ بمدينة بخارى عدة أنهار أهمها: نهر جوى موليان، ونهر رودشابور، ونهر فرقان العليا، ونهر فرقان الدود.


هنا مدخل لقصر حاكم بخارى قبل الاحتلال البلشفي

لا تملك إلا أن تتوجع وتزفر آهة عميقة، تودع فيها غصصك الحرى التي تنتاب دواخلك رغما؛ وأنت تقرأ الكتابات العربية من آيات القران الكريم والأحاديث الشريفة وأبيات الشعر التي تزين الجدران والأعمدة في تلك الشواهد الباقية بالمدينة. كان الصناع يتفننون حتى في أبواب البيوت، التي يقوم بنحتها صناعا مهرة، يبدعون بشكل عجيب في نحت البوابة، وتضمينها الكتابات العربية، والرسوم البديعة. دعك من الفيسيفساء الخلابة التي تزين جدران تلك المدارس أو المساجد أو الأضرحة، وأنا الذي ظننت أنها شكلا جماليا واحدا، بيد أن كل زاوية لها رؤية وفكرة مبدعة، يتفنن فيها أهل تلك الحرفة، لتجد نفسك أنك أمام  لوحة فنية أخاذة أو مقطوعة موسيقية فنية، ولا تقف فقط على بوابة أو جدار.

نقوش على الأسقف ويتفنون فيها بشكل مبدع

وصول الاسلام لبخارى
كنت سألت مرافقي المثقف عن تاريخ بخارى، فأجابني بأن مصادرهم التاريخية تقول بأنها أسست قبل 500 عام قبل الميلاد، وعدت الى "الويكيبديا" لأقرأ كيفية دخول الاسلام، فوجدتها كتبت: " أغلب الروايات تتفق على أن أول من اجتاز النهر من المسلمين إلى جبال بخارى هو عبيد الله بن زيادوالي خراسان سنة 54 هـ / 674 م، وكان على عرش بخارى في ذلك الوقت أرملة أميرها التي تجمع أغلب المصادر على تسميتها «خاتون» وهو لفظ تركي معناه «السيدة». وقد أرسلت خاتون إلى الترك تستمدهم فلقيهم المسلمون وهزموهم، فطلبت خاتون الصلح والأمان فصالحها عبيد الله بن زياد على ألف ألف درهم. ثم ولَّى الخليفة معاوية بن أبي سفيان (41- 60 هـ/687- 706 م)سعيد بن عثمان بن عفانخراسان سنة 56 هـ، فقطع النهر وغزا سمرقند وحملت خاتون إليه الأتاوى وأعانته بأهل بخارى، ويذكر النرشخي (286- 348 هـ/899- 959 م) أن «خاتون» حكمت 15 سنة بوصفها وصية على ابنها القاصر طغشاده.
ولكن الحكم العربي لم يتوطد في تلك المنطقة إلا في خلافة الوليد بن عبد الملك (86- 96 هـ) حينما ولَّى الحجاج بن يوسف الثقفي أمير العراقين (75- 95 هـ) قتيبة بن مسلم الباهلي خراسان (86- 96 هـ) وأمره بفتح ما وراء النهر.
فتح قتيبة بخارى سنة 90 هـ وكان حاكمها آنذاك «وردان خداه»، الذي استنجد بالسّغد (الصغد) والترك فأنجدوه، لكن قتيبة انتصر عليهم بعد قتال عنيف، وجُرح خاقان الترك وابنه، وملَّك قتيبة طغشادهبخارى بعد أن أجلى خصومه عنها. وقد قُتل طغشاده سنة 121 هـ في معسكر والي خراسان نصر بن سيَّار على يد دهقان من دهاقين بخارى. يذكر النرشخي أن أهل بخارى كانوا يُسْلِمون ثم يرتدون حين يغادرهم العرب، فلما فتح قتيبة المدينة رأى أن أفضل وسيلة لنشر الإسلام بين السكان هو أن يُسكِن العرب بينهم، فأمر أهل بخارى أن يعطوا نصف بيوتهم للعرب ليقيموا معهم ويَطَّلعوا على أحوالهم فيظلوا على إسلامهم، ومن الطبيعي أن يجد إجراء قتيبة مقاومة تجلَّت في موقف قوم ذوي قدر ومنزلة رفضوا قسمة بيوتهم ومتاعهم، فتركوها جملة للعرب وبنوا خارج المدينة 700 قصر بقي منها إلى عهد النرشخي قصران أو ثلاثة كانت تسمى قصور المجوس. وبنى قتيبة المسجد الجامع داخل حصن بخارى سنة 94 هـ/712 م وكان ذلك الموضع بيت أصنام، فلما ازداد انتشار الإسلام لم يعد ذلك المسجد يتسع لهم فبُني مسجدٌ آخر بين السور والمدينة في عهد هارون الرشيد (170- 193 هـ).




معالم اسلامية خالدة في مدينة العلماء


أٌقوال المؤرخين
1) يقول عنها أبو عَون في زيجه: "إنها مدينة قديمة، نزهة، كثيرة البساتين، واسعة الفواكه جيدتها، عهدِي بفواكهها تحمَل إلى مرو، وبينهما اثنتا عشرة مرحلة، وإلى خوارزم وبينهما نحو من خمسة عشر يومًا، بينها وبين سمرقند سبعة أيام، أو سبعة وثلاثون فرسخًا، بينهما بلاد الصغد".
 (2) وقال صاحب كتاب الصوَر: "وأما نزهة بلاد ما وراءَ النهر، فإني لم أر ولا بلغني في الإسلام بلدًا أحسن خارجًا من بُخَارَى، لأنك إذا عَلوتَ قُهُندزَها لم يقع بصرك من جميع النواحي إلا على خضرة متصلة بخضرة السماء، وهي مدينة على أرض مستوية، وبناؤها خشب مشبك، ويحيط بهذا البناء من القصور والبساتين والمحال والسكك المفترشة والقرى المتصلة سور يكون اثني عشر فرسخًا في مثلها، يجمع هذه القصور والأبنية والقرى والقصبة، فلا ترَى في خِلال ذلك قفارًا ولا خرابًا.
 وليس بخراسان وما وراء النهر مدينة أشد اشتباكًا من بخارى، ولا أكثر أهلاً على قدرها، ولهم في الربض نهر الصغد يَشُق الربض، وهو آخرُ نهر الصغد، فيفضي إلى طَوَاحين وضياع ومزارع ويسقط الفاضل منه في مجمع ماءٍ بحذاءِ بيكند إلى قرب فِرَبر يعرف بسام خاس، ويتخللها أنهار أخرى، وداخل هذا السور مُدُن وقرى كثيرة. منها الطواويس وهي مدينة بُومجكَثوزندنة وغير ذلك".

هنا قبور لأبناء وأحفاد أبي بكر الصديق الذين أتوا مع الفاتحين

3) عندما عدت لأبحث ما كتبه الرحالة عنها، ألفيت أن ياقوت الحموي في الجزء الأول من معجم البلدان قال فيها: "بُخَارى: هي أعظم مُدُن ما وراء النهر وأجلها، يُعبَر إليها من آمُل الشّطّ، وبينها وبين نهر جيحون يومان من هذا الوجه، وكانت قاعدة ملك الأمارة السامانية".
4) "بخارى منجم المعرفة" جلال الدين الرومي.


(5) شيخ الرحالة إبن بطوطة قال بعد خروجه من مدينة وبكنة، وقد أتى بخارى بعد تدميرها من قبل جنكيز خان: "ثم سرنا في بساتين متصلة وأنهار وأشجار وعمارة يوماً كاملاً، ووصلنا إلى مدينة بخارى التي ينسب إليها إمام المحدثين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري. وهذه المدينة كانت قاعدة ما وراء نهر جيحون من البلاد، وخربها اللعين تنكيز التتري، جد ملوك العراق. فمساجدها الآن ومدارسها وأسواقها خربة إلا القليل، وأهلها أذلاء، وشهادتهم لا تقبل بخوارزم وغيرها، لاشتهارهم بالتعصب ودعوى الباطل وإنكار الحق. وليس بها اليوم من الناس من يعلم شيئاً من العلم ولا من له عناية به..ونزلنا من بخارى بربضها المعروف بفتح أباد حيث قبر الشيخ العالم العابد الزاهد سيف الدين الباخرزي، وكان من كبار الأولياء. وهذه الزاوية المنسوبة لهذا الشيخ حيث نزلنا عظيمة، لها أوقاف ضخمة يطعم منها الوارد والصادر، وشيخها من ذريته، وهو الحاج السياح يحيى الباخرزي. وأضافني هذا الشيخ بداره، وجمع وجوه أهل المدينة وقرأ القراء بالأصوات الحسان، ووعظ الواعظ، وغنوا بالتركي والفارسي على طريقة حسنة. ومرت لنا هنالك ليلة بديعة من أعجب الليالي، ولقيت بها الفقيه العالم الفاضل صدرالشريعة، وكان قد قدم من هراة، وهو من الصلحاء الفضلاء. وزرت ببخارى قبر الإمام العالم أبي عبد الله البخاري مصنف الجامع الصحيح، شيخ المسلمين رضي الله عنه، وعليه مكتوب: هذا قبر محمد بن إسماعيل البخاري، وقد صنف من الكتب كذا وكذا. وأيضاً على قبور علماء بخارىأسماؤهم وأسماء تصانيفهم. وكنت قيدت من ذلك كثيراً، وضاع مني في جملة ما ضاع لي، لما سلبني كفار الهند في البحر."

مقبرة اليهود في بخارى


من أعجب ما رأيت هناك في مدينة بخارى مقبرة لليهود، وعلى قبتها النجمة السداسية، حيث وفد هؤلاء إبان الحقبة الرومانية هربا، وبقوا آمنين في العصر الاسلامي وما بعده ولم يمسوا، ورحل معظمهم في بداية التسعينيات إلى الكيان الصهيوني أو الولايات المتحدة.




الكبسة البخارية الشهيرة

بالطبع لم أفوت هذا الرز اللذيذ وأجهزت عليه.. الطبقان الآخران لمرافقيّ


التميس والرز البخاري

الوافدون من بلاد بخارى إلى مملكتنا الغالية من العقود الطويلة، جلبوا ثقافة وأنماط معيشية –كباقي الجاليات التي وفدت الحجاز عبر مئات السنين- وأثروا المجتمع ببعض ثقافتهم، ولربما كان التميس البخاري والرز البخاري من أهم ما ساد لليوم في مجتمعنا، والكثيرون أدركوا مخابز التمس البخاري في وسط مدينة الطائف بحارة البخارية، وكيف كان أهل المدينة يأتونها، والخبازون من الرعيل الأول يتفننون في صنع التمس الذي يزينونه بالسمسم تارة وبقطع البصل الدقيق تارة، وكان البعض يفضل أكله مع الشايالمنعنع لوحده، من فرط لذته، فيما الآخرون مع جبنة "الشيدر" في أجواء الطائف الباردة وقتذاك.
عندما أتيت السوق، هالتني أصناف الخبز الموجود هناك، ففضلا عن التميس المعروف لدى الجيل القديم، هناك أصنافا وأشكالا شتى له، وكل واحدة ألذ من أختها، ورغم تعدد زياراتي لمدن أوزبكستان، إلا أن بخارى تميزت بهذا الخبز، وبطبق الفلو "اسم الكبسة البخارية لدينا"، فلم أذق في أية مدينة –سوى فرغانة- رزا بهذه اللذة، ورغم أنني أقوم باستضافة بعض الفضلاء ، وأتشرف بتقديم الرز البخاري لهم في جدة، إلا أن تلك الوجبة الشهيرة لها طعم مختلف ورائع في بخارى، فهم يتفننون فيه بشكل عجيب، وتأكل ولا تشعر بالشبع من لذة الطهي.




أصناف من التميس البخاري هناك






الابتسامة العريضة لأولئك الأصدقاء المحبين للتميس البخاري ويعرفون طعمه
من أروع الفواكه هناك اشمام الأوزبكي .. يتقطر كالشهد فعلا


تشهد بخارى اقبالا كبيرا من السياح الغربيين





معالم عديدة لم يتسن لي الوقت لزيارتها كلها ويحتاج السائح إلى ثلاثة أيام كاملات كي يزورها جميعها

بالنسبة لنا كمسلمين، تلك المدينة تعني لنا كثيرا، فهي موطن محمد بن اسماعيل البخاري إمام الحديث، وأصررت على زيارته، والكثيرون يظنون –بما ظننت- أن الرجل مدفون في مدينته بخارى، والحقيقة أنه دفن بقرية تبعد عن سمرقند ب50 كيلا، والسبب أن الإمام البخاري كان شريف النفس، فقد بعث إليه والي بخارى ليأتيه حتى يسمع أولاده عليه، فأرسل إليه في بيته: "العلم والحلم يؤتى"، ورفض أن يبتذل علمه، فقام والي بخارى بطرده من المدينة، بعد أن تآلب عليه ثلة من أعدائه، فخرج البخاري وهو يدعو عليه، فلم يمض شهر حتى أمر ابن الظاهر بأن ينادى على ذلك الوالي على أتان، وزال ملكه وسجن في بغداد حتى مات.
استحضرت هذه الحادثة وأنا أقف على قبر إمام الحديث الأول، وتمتمت: "أي علماء كان هؤلاء، وكيف صانوا علمهم وعرفوا قدره، ولم يتبذلوه على أبواب الولاة والسلاطين، فلا غرو ولا عجب أن يستجيب الله دعاءهم".
أتيت مقبرة الامام البخاري قبل عشرين عاما، وكان مهملا جدا، والطريق لها غير معبد، بيد أن الحكومة الأوزبكية الحالية اهتمت به، وعرفت قيمة هذا العالم، وأقامت ضريحا فخما –بالتأكيد مخالف للعقيدة الاسلامية- ولكنهم من وحي رؤيتهم للاسلام، فضلا عن الحسّ القومي لديهم، ويظنون أنهم يكرمونه بهذا الشكل.

من أقدم المساجد الاسلامية في بخارى ولا تزال تقام فيها الصلوات





اللباس التقليدي للمرأة البخارية

آخر أمراء بخارى ، وقد هرب إلى مكة المكرمة من البلاشفة الروس ومات فيها وذريته ما تزال موجودة

صورة عامة لمدينة بخارى اليوم

في حديقة بوسط مدينة بخارى




سيرة حياة الامام البخاري





الاسم: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم
اللقب: البخاري
ميلاد: 194هـ
وفاة: 256هـ
منطقة: بخارى - خراسان
مذهب: أهل السنة والجماعة
نظام المدرسة: مدرسة الحديث
الاهتمامات الرئيسية: علم الحديث
تأثر بـ: الإمام مالك بن أنس و الإمام أحمد بن حنبل
تأثر به: مسلم بن الحجاج و الترمذي و النسائي

محمد بن إسماعيل البخاري أهم علماء الحديث عند أهل السنة والجماعة وهو صاحب صحيح البخاري أصح الكتب عند أهل السنة بعد القرآن .

نسبه ونشأته

هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي مولاهم أبو عبدالله البخاري واصلة من الاوزبك من مدينة بخارى في اوزبكستان وهم يفتخرون به غير فارسي كما هوشائع وذلك على عادة العرب اطلاق كلمة فارسي على كل من سكن شرق العراق وهذا خطا شائع ويؤكد ذلك علامة العراق الدكتور مصطفى جوادفي موسوعته الضخمة اصول التارخ المخطوطة الحافظ إمام أهل الحديث في زمانه والمقتدى به في أوانه والمقدم على سائر أضرابه وأقرانه وكتابه صحيح البخاري أجمع العلماء على قبوله وصحة ما فيه . ولد الإمام البخاري في ليلة الجمعة الثالث عشر من شوال سنة أربع وتسعين ومائة 194هـ ومات أبوه وهو صغير فنشأ في حجر أمه فتوجّه إلى حفظ الحديث وهو في المكتب وقرأ الكتب المشهورة وهو ابن ست عشرة سنة حتى قيل إنه كان يحفظ وهو صبي سبعين ألف حديث سندا ومتنا ، وقد كان أصيب بصره وهو صغير فرأت أمه إبراهيم الخليل فقال يا هذه قد رد الله على ولدك بصرة بكثرة دعائك أو قال بكائك فأصبح وهو بصير .

شيوخه وتلاميذه

روى عنه خلائق وأمم وقد روى الخطيب البغدادي عن الفربري أنه قال سمع الصحيح من البخاري معي نحو من سبعين ألفا لم يبق منهم أحد غيري .
وقد روى البخاري من طريق الفربري كما هي رواية الناس اليوم
من طريقه وحماد بن شاكر و محمد بن بن المثنى بن دينار
وإبراهيم بن معقل
وطاهر بن مخلد
وآخر من حدث عنه أبو طلحة منصور بن محمد بن علي البردى النسفي وقد توفي النسفي في سنة نسع وعشرين وثلاثمائة ووثقه الأمير أبو نصر بن ماكولا وممن روى عن البخاري مسلم في غير الصحيح
وكان الأمام مسلم بن الحجاج يتلمذ له ويعظمه
وروى عنه الترمذي في جامعه
والنسائي في سننه في قول بعضهم
وقد دخل بغداد ثمان مرات وفي كل منها يجتمع بالإمام أحمد بن حنبل فيحثه الإمام أحمد بن حنبل على المقام ببغداد ويلومه على الإقامة بخراسان .
ملامح شخصيته

تمتع الإمام البخاري بصفات عذبة وشمائل كريمة ، لا تتوافر إلا في العلماء المخلصين ، وهذه الصفات هي التي صنعت الإمام البخاري .

الإقبال على العلم , قام البخاري بأداء فريضة الحج وعمره ثماني عشرة سنة فأقام بمكة يطلب بها الحديث ثم رحل بعد ذلك إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنته الرحلة إليها وكتب عن أكثر من ألف شيخ.
الجد في تحصيل العلم , وقد كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه فيوقد السراج ويكتب الفائدة تمر بخاطرة ثم يطفىء سراجه ثم يقوم مرة أخرى وأخرى حتى كان يتعدد منه ذلك قريبا من عشرين مرة .

من كرم البخاري وسماحته
قال محمد بن أبي حاتم كانت له قطعة أرض يؤجرها كل سنة بسبع مائة درهم فكان ذلك المؤجر ربما حمل منها إلى أبي عبد الله قثاة أو قثاتين لأن أبا عبد الله كان معجبا بالقثاء النضيج وكان يؤثره على البطيخ أحيانا فكان يهب للرجل مائة درهم كل سنة لحمله القثاء إليه أحيانا.
قال وسمعته يقول كنت أستغل كل شهر خمس مائة درهم فأنفقت كل ذلك في طلب العلم فقلت كم بين من ينفق على هذا الوجه وبين من كان خلوا من المال فجمع وكسب بالعلم حتى اجتمع له فقال أبو عبد الله .: ما عند الله خير وأبقى
وكان يتصدق بالكثير يأخذ بيده صاحب الحاجة من أهل الحديث فيناوله ما بين العشرين إلى الثلاثين وأقل وأكثر من غير أن يشعر بذلك أحد وكان لا يفارقه كيسه.
ورعه

قال محمد بن إسماعيل البخاري ما وضعت في كتاب الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين.

قال محمد بن أبي حاتم ركبنا يوما إلى الرمي ، فجعلنا نرمي وأصاب سهم أبي عبد الله البخاري وتد القنطرة الذي على نهر ورادة فانشق الوتد فلما رآه أبو عبد الله نزل عن دابته فأخرج السهم من الوتد وترك الرمي وقال لنا ارجعوا ورجعنا معه إلى المنزل فقال لي يا أبا جعفر لي إليك حاجة مهمة قالها وهو يتنفس الصعداء، وقال لمن معنا اذهبوا مع أبي جعفر حتى تعينوه على ما سألته فقلت أية حاجة هي قال لي : تضمن قضاءها؟ قلت نعم على الرأس والعين. قال: ينبغي أن تصير إلى صاحب القنطرة فتقول له إنا قد أخللنا بالوتد فنحب أن تأذن لنا في إقامة بدله أو تأخذ ثمنه وتجعلنا في حل مما كان منا وكان صاحب القنطرة حميد بن الأخضر الفربري. فقال لي أبلغ أبا عبد الله السلام وقل له أنت في حل مما كان منك وجميع ملكي لك الفداء وإن قلت نفسي أكون قد كذبت، غير أني لم أكن أحب أن تحتشمني في وتد أو في ملكي فأبلغته رسالته فتهلل وجهه واستنار وأظهر سرورا وقرأ في ذلك اليوم على الغرباء نحوا من خمسمائة حديث وتصدق بثلاث مائة درهم.
وقال ابن أبي حاتم ورأيته استلقى على قفاه يوما ونحن بفربر في تصنيفه كتاب التفسير وأتعب نفسه ذلك اليوم في كثرة إخراج الحديث فقلت له إني أراك تقول إني ما أثبت شيئا بغير علم قط منذ عقلت فما الفائدة في الاستلقاء قال أتعبنا أنفسنا اليوم وهذا ثغر من الثغور خشيت أن يحدث حدث من أمر العد فأحببت أن استريح ؛ فإن فاجئنا العدو كان بنا حراك.
وضيفه بعض أصحابه في بستان له وضيفنا معه فلما جلسنا أعجب صاحب البستان بستانه وذلك أنه كان عمل مجالس فيه وأجرى الماء في أنهاره فقال له يا أبا عبد الله كيف ترى فقال هذه الحياة الدنيا.
وكان الحسين بن محمد السمرقندي يقول كان محمد بن إسماعيل مخصوصا بثلاث خصال مع ما كان فيه من الخصال المحمودة كان قليل الكلام وكان لا يطمع فيما عند الناس وكان لا يشتغل بأمور الناس كل شغله كان في العلم.

قوة حفظه وذاكرته

وهب الله الإمام البخاري منذ طفولته قوة في الذكاء والحفظ من خلال ذاكرة قوية تحدى بها أقوى الاختبارات التي تعرض لها في عدة مواقف.

يقول البخاري ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب وكان سنه عشر سنين , ولما بلغ البخاري ست عشرة سنة كان قد حفظ كتب ابن المبارك ووكيع .
وقال محمد بن أبي حاتم الوراق سمعت حاشد بن إسماعيل وآخر يقولان كان أبو عبد الله البخاري يختلف معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام فكنا نقول له إنك تختلف معنا ولا تكتب فما تصنع فقال لنا يوما بعد ستة عشر يوما إنكما قد أكثرتما على وألححتما فاعرضا على ما كتبتما فأخرجنا إليه ما كان عندنا فزاد على خمسة عشر ألف حديث فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه ثم قال أترون أني أختلف هدرا وأضيع أيامي فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد.
وقال ابن عدي حدثني محمد بن أحمد القومسي سمعت محمد ابن خميرويه سمعت محمد بن إسماعيل يقول أحفظ مائة ألف حديث صحيح وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح .
قال وسمعت أبا بكر الكلواذاني يقول ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل كان يأخذ الكتاب من العلماء فيطلع عليه اطلاعة فيحفظ عامة أطراف الأحاديث بمرة.
و لا يخفى ما في بعض هذه الروايات من مبالغة و إن دلت على ما اشتهر به الامام البخاري من سعة الحفظ طلبه للحديث

كان الإمام البخاري يقول قبل موته : كتبت عن ألف وثمانين رجلا ليس فيهم إلا صاحب حديث كانوا يقولون الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.

ونعود إلى البخاري في رحلته في طلب العلم ونبدأها من مسقط رأسه بخارى فقد سمع بها من الجعفي المسندي ومحمد بن سلام البيكندي وجماعة ليسوا من كبار شيوخه ثم رحل إلى بلخ وسمع هناك من مكبن بن إبراهيم وهو من كبار شيوخه وسمع بمرو من عبدان بن عثمان وعلي بن الحسن بن شقيق وصدقة بن الفضل. وسمع بنيسابور من يحيى بن يحيى وجماعة من العلماء وبالري من إبراهيم بن موسى.
ثم رحل إلى مكة وسمع هناك من أبي عبد الرحمن المقرئ وخلاد بن يحي وحسان بن حسان البصري وأبي الوليد أحمد بن محمد الأزرقي والحميدي.
وسمع بالمدينة من عبد العزيز الأويسي وأيوب بن سليمان بن بلال وإسماعيل بن أبي أويس.
وأكمل رحلته في العالم الإسلامي آنذاك فذهب إلى مصر ثم ذهب إلى الشام وسمع من أبي اليمان وآدم بن أبي إياس وعلي بن عياش وبشر بن شعيب وقد سمع من أبي المغيرة عبد القدوس وأحمد بن خالد الوهبي ومحمد بن يوسف الفريابي وأبي مسهر وآخرين.
تفوقه على أقرانه في الحديث

ظهر نبوغ البخاري مبكرا فتفوق على أقرانه، وصاروا يتتلمذون على يديه، ويحتفون به في البلدان

فقد روي أن أهل المعرفة من البصريين يعدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه ويجلسوه في بعض الطريق فيجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن يكتب عنه وكان شابا لم يخرج وجهه.

وروي عن يوسف بن موسى المروروذي يقول كنت بالبصرة في جامعها إذ سمعت مناديا ينادي يا أهل العلم قد قدم محمد بن إسماعيل البخاري فقاموا في طلبه وكنت معهم فرأينا رجلا شابا يصلي خلف الأسطوانة فلما فرغ من الصلاة أحدقوا به وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء فأجابهم فلما كان الغد اجتمع قريب من كذا كذ ألف فجلس للإملاء وقال يا أهل البصرة أنا شاب وقد سألتموني أن أحدثكم وسأحدثكم بأحاديث عن أهل بلدكم تستفيدون منها.

وقال أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا لإسناد هذا و إسناد هذا لمتن هذا ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث ليلقوها على البخاري في المجلس فاجتمع الناس وانتدب أحدهم فسأل البخاري عن حديث من عشرته فقال لا أعرفه وسأله عن آخر فقال لا أعرفه وكذلك حتى فرغ من عشرته فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون الرجل فهم

ومن كان لا يدري قضى على البخاري بالعجز ثم انتدب آخر ففعل كما فعل الأول والبخاري يقول لا أعرفه ثم الثالث وإلى تمام العشرة فلما علم أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال أما حديثك الأول فكذا والثاني كذا والثالث كذا إلى العشرة فرد كل متن إلى إسناده وفعل بالآخرين مثل ذلك فأقر له الناس بالحفظ فكان ابن صاعد إذا ذكره يقول الكبش النطاح.

وروي عن أبي الأزهر قال كان بسمرقند أربعمائة ممن يطلبون الحديث فاجتمعوا سبعة أيام وأحبوا مغالطة البخاري فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق وإسناد اليمن في إسناد الحرمين فما تعلقوا منه بسقطة لا في الإسناد ولا في المتن

وقال أحيد بن أبي جعفر والي بخارى قال محمد بن إسماعيل يوما رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر فقلت له[موقع الوسطية ] : يا أبا عبد الله بكماله قال: فسكت

من كلمات البخاري

"لا أعلم شيئا يحتاج إليه إلا وهو في الكتاب والسنة"

"ما جلست للحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم وحتى نظرت في عامة كتب الرأي وحتى دخلت البصرة خمس مرات أو نحوها فما تركت بها حديثا صحيحا إلا كتبته إلا ما لم يظهر لي"

ما أردت أن أتكلم بكلام فيه ذكر الدنيا إلا بدأت بحمد الله والثناء عليه""

مصنفاته

تهيأت أسباب كثيرة لأن يكثر البخاري من التأليف؛ فقد منحه الله ذكاءً حادًّا، وذاكرة قوية، وصبرًا على العلم ومثابرة في تحصيله، ومعرفة واسعة بالحديث النبوي وأحوال رجاله من عدل وتجريح، وخبرة تامة بالأسانيد؛ صحيحها وفاسدها. أضف إلى ذلك أنه بدأ التأليف مبكرًا؛ فيذكر البخاري أنه بدأ التأليف وهو لا يزال يافع السن في الثامنة عشرة من عمره، وقد صنَّف البخاري ما يزيد عن عشرين مصنفًا، منها

الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله وسننه وأيامه، المعروف بـ الجامع الصحيح أو صحيح البخاري
الأدب المفرد: وطُبع في الهند والأستانة والقاهرة طبعات متعددة
التاريخ الكبير: وهو كتاب كبير في التراجم، رتب فيه أسماء رواة الحديث على حروف المعجم، وقد طبع في الهند سنة (1362هـ = 1943م).
التاريخ الصغير: وهو تاريخ مختصر للنبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه ومن جاء بعدهم من الرواة إلى سنة (256هـ = 870م)، وطبع الكتاب لأول مرة بالهند سنة (1325هـ = 1907م)
خلق أفعال العباد: وطبع بالهند سنة 1306هـ = 1888م
رفع اليدين في الصلاة: وطبع في الهند لأول مرة سنة (1256هـ = 1840م) مع ترجمة له بالأوردية
الكُنى: وطبع بالهند سنة (1360هـ = 1941م
وله كتب مخطوطة لم تُطبع بعد، مثل: التاريخ الأوسط، قلت هو مطبوع في حلب باسم التاريخ الصغير والتفسير الكبير

صحيح البخاري

هو أشهر كتب البخاري، بل هو أشهر كتب الحديث النبوي قاطبة. بذل فيه صاحبه جهدًا خارقًا، وانتقل في تأليفه وجمعه وترتيبه وتبويبه ستة عشر عامًا، هي مدة رحلته الشاقة في طلب الحديث. ويذكر البخاري السبب الذي جعله ينهض إلى هذا العمل، فيقول: كنت عند إسحاق ابن راهويه، فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع "الجامع الصحيح"

وعدد أحاديث الكتاب 7275 حديثًا، اختارها من بين ستمائة ألف حديث كانت تحت يديه؛ لأنه كان مدقِّقًا في قبول الرواية، واشترط شروطًا خاصة في رواية راوي الحديث، وهي أن يكون معاصرًا لمن يروي عنه، وأن يسمع الحديث منه، أي أنه اشترط الرؤية والسماع معًا، هذا إلى جانب الثقة والعدالة والضبط والإتقان والعلم والورع

وكان البخاري لا يضع حديثًا في كتابه إلا اغتسل قبل ذلك وصلى ركعتين، وابتدأ البخاري تأليف كتابه في المسجد الحرام والمسجد النبوي، ولم يتعجل إخراجه للناس بعد أن فرغ منه، ولكن عاود النظر فيه مرة بعد أخرى، وتعهده بالمراجعة والتنقيح؛ ولذلك صنفه ثلاث مرات حتى خرج على الصورة التي عليها الآن

وقد استحسن شيوخ البخاري وأقرانه من المحدِّثين كتابه، بعد أن عرضه عليهم، وكان منهم جهابذة الحديث، مثل: أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين؛ فشهدوا له بصحة ما فيه من الحديث، ثم تلقته الأمة بعدهم بالقبول باعتباره أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى.

وقد أقبل العلماء على كتاب الجامع الصحيح بالشرح والتعليق والدراسة، بل امتدت العناية به إلى العلماء من غير المسلمين؛ حيث دُرس وتُرجم، وكُتبت حوله عشرات الكتب.

محنة الإمام البخاري

كان البخاري رحمه الله شريف النفس فقد بعث إليه بعض السلاطين ليأتيه حتى يسمع أولاده عليه فأرسل إليه في بيته العلم والحلم يؤتى يعني إن كنتم تريدون ذلك فهلموا إلي وأبى أن يذهب إليهم والسلطان خالد بن أحمد الذهلي نائب الظاهرية ببخارى فبقى في نفس الأمير من ذلك فاتفق أن جاء كتاب من محمد بن يحيى الذهلي بأن البخاري يقول لفظه بالقرآن مخلوق وكان وقد وقع بين محمد بن يحيى الذهلي وبين البخاري في ذلك كلام وصنف البخاري في ذلك كتاب أفعال العباد فأراد أن يصرف الناس عن السماع من البخاري وقد كان الناس يعظمونه جدا وحين رجع إليهم نثروا على رأسه الذهب والفضة يوم دخل بخارى عائدا إلى أهله وكان له مجلس يجلس فيه للإملاء بجامعها فلم يقبلوا من الأمير فأمر عند ذلك بنفيه من تلك البلاد فخرج منها ودعا على خالد بن أحمد فلم يمض شهر حتى أمر ابن الظاهر بأن ينادى على خالد بن أحمد على أتان وزال ملكه وسجن في بغداد حتى مات ولم يبق أحد يساعده على ذلك إلا ابتلي ببلاء شديد فنزح البخاري من بلده إلى بلدة يقال لها خرتنك على فرسخين من سمرقند فنزل عند أقارب له بها وجعل يدعو الله أن يقبضه إليه حين رأى الفتن في الدين ولما جاء في الحديث ( وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين ) ، ولقي الإمام ربه بعد هذه المحنة .

ثناء العلماء عليه

وقال أبو العباس الدعولي كتب أهل بغداد إلى البخاري ... المسلمون بخير ما حييت لهم ... وليس بعدك خير حين تفتقد ... وقال الفلاس كل حديث لا يعرفه البخاري فليس بحديث .

وقال أبو نعيم أحمد بن حماد هو فقيه هذه الأمة وكذا قال يعقوب بن إبراهيم الدورقي ومنهم من فضله في الفقه والحديث على الإمام أحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وقال قتيبة بن سعيد رحل إلي من شرق الأرض وغربها خلق فما رحل إلى مثل محمد بن إسماعيل البخاري .

وقال مرجى بن رجاء فضل البخاري على العلماء كفضل الرجال على النساء يعني في زمانه وأما قبل زمانه مثل قرب الصحابة والتابعين فلا وقال هو آية من آيات الله تمشي على الأرض وقال أبو محمد عبدالله بن عبدالرحمن الدرامي محمد بن إسماعيل البخاري أفقهنا وأعلمنا وأغوصنا وأكثرنا طلبنا وقال إسحاق بن راهويه هو أبصر مني .

وقال أبو حاتم الرازي محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق وقال عبداله العجلي رأيت أبا حاتم وأبا زرعة يجلسان إليه يسمعان ما يقول ولم يكن مسلم يبلغه وكان أعلم من محمد بن يحيى الذهلي بكذا وكذا وكان حييا فاضلا يحسن كل شيء وقال غيره رأيت محمد بن يحيى الذهلي يسأل البخاري عن الأسامي والكنى والعلل وهو يمر فيه كالسهم كأنه يقرأ قل هو الله أحد وقال أحمد بن حمدون انتصار رأيت مسلم بن الحجاج جاء إلى البخاري فقبل بن عينيه وقال دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله ثم سأله عن حديث كفارة المجلس فذكر له علته فلما فرغ قال مسلم لا يبغضك إلا حاسد وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك .

وقال الترمذي لم أر بالعراق ولا في خراسان في معنى العللل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من البخاري وكنا يوما عند عبدالله بن منير فقال للبخاري جعلك الله زين هذه الأمة قال الترمذي فاستجيب له فيه وقال ابن خزيمة ما رأيت تحت أجيم السماء أعلم بحديث رسول الله ( ص ) ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري ولو استقصينا ثناء العلماء عليه في حفظه وإتقانه وعلمه وفقهه وورعه وزهده وعبادته لطال علينا ونحن على عجل من أجل الحوادث والله سبحانه المستعان وقد كان البخاري رحمه الله في غاية الحياء والشجاعة والسخاء والورع والزهد في الدنيا دار الفناء والرغبة في الآخرة دار البقاء وقال البخاري إني لأرجو أن ألقى الله ليس أحد يطالبني أني اغتبته فذكر له التاريخ وما ذكر فيه من الجرح والتعديل وغير ذلك فقال ليس هذا من هذا قال النبي ( ص ) ( إيذنوا له فلبئس أخو العشيرة ) ونحن إنما روينا ذلك رواية ولم نقله من عند أنفسنا وقد كان رحمه الله يصلي في كل ليلة ثلاث عشرة ركعة وكان يختم القرآن في كل ليلة رمضان ختمة وكانت له جدة ومال جيد ينفق منه سرا وجهرا وكان يكثر الصدقة بالليل والنهار وكان مستجاب الدعوة مسدد.

وقد أثنى عليه علماء زمانه من شيوخه وأقرانه فقال الإمام أحمد ما أخرجت خراسان مثله وقال علي بن المديني لم ير البخاري مثل نفسه وقال إسحاق بن راهويه لو كان في زمن الحسن لاحتاج الناس إليه في الحديث ومعرفته وفقهه وقال أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبدالله بن نمير ما رأينا مثله وقال علي بن حجر لا أعلم مثله وقال محمود بن النظر بن سهل الشافعي دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها .

وفاته

فكانت وفاته ليلة عيد الفطر وكان ليلة السبت عند صلاة العشاء وصلي عليه يوم العيد بعد الظهر من هذه السنة أعنى سنة ست وخمسين ومائتين وكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة وفق ما أوصى به وكان عمره يوم مات ثنتين وستين سنة وقد ترك رحمه الله بعده علما نافعا لجميع المسلمين فعلمه لم ينقطع بل هو موصول بما أسداه من الصالحات في الحياة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث علم ينتفع به ) الحديث رواه مسلم وشرطه في صحيحه هذا أعز من شرط كل كتاب صنف في الصحيح لا يوازيه فيه غيره لا صحيح مسلم ولا غيره وما أحسن ما قال بعض الفصحاء من الشعراء ... صحيح البخاري لو أنصفوه ... لما خط إلا بماء الذهب ... هو الفرق بين الهدى والعمى ... هو السد بين الفتى والعطب ... أسانيد مثل نجوم السماء ... أمام متون لها كالشهب ...





مواضيع مشابهة أو ذات علاقة بالموضوع :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..