الأربعاء، 15 يوليو 2015

مسارب التعدد .. الاختلاط .. ورحيق الذكريات

 كانت النية أن تكون هذه الكُليمة مثل "العيدية" ولكنني تذكرت أن كل حديث عن التعدد،له مناوئاته،والمتأذيات منه .. إلخ. فلعلي أكتب كُليمة أخرى .. حول الوفاء للزوجة .. إذا أذن الله.
أما هذه الكُليمة،فهي أقرب إلى أن تكون هامشا على كُليمتي السابقة (جريمة تعدد الزوجات)ولكن بعد أن هدأت النفوس.
قبل كل شيء أكرر أن هذه الأسطر ليست دعوة للتعدد،بالحديث عن إيجابياته،ولا تحذيرا منه،بالحديث عن سلبياته.. وأكرر قناعتي الأزلية،أن التعدد حل رباني لكثير من مشاكل المجتمع،هذا على المستوى النظري، وأما على المستوى العملي فأن هذا الحل أفسده الرجال .. ثم الرجال .. ثم النساء.
قبل الحديث عن مسارب التعدد .. نستطيع أن نتصور دولة ليست ذات خضرة ،ولا تصلح للسياحة – مثلا – ولكن بها نبع ماء فوار،يشفي به الله بعض الأمراض. فإذا كان كل معارفك،وأقاربك .. إلخ. كلما رأوك سألوك : ألم تزر عين الفوارة؟! الله يزورك عين الفوراة!!
بهذا التكرار ستصبح زيارة عين الفوارة بالنسبة لك "غاية"وليست وسيلة .. أي حتى لو لم تكن تعاني "مرضا".
هذا بالضبط ما يحدث مع التعدد في مجتمعنا .. كل سؤال – تقريبا – هو عن الزواج بالثانية .. وإن أنهيت لمراجع معاملة – أي قمة بواجبك فقط – فإن أول دعوة أن تأخذ الثانية .. أو الثالثة!!
هذا الإلحاح ولد ما نستطيع أن نسميه "هوس التعدد" .. حتى أنك تجد الشاب الذي لم يستطع أن يتزوج واحدة بعد .. يتحدث عن التعدد!!
هذا مسرب خاص بمجتمعنا .. وربما بالمجتمعات الخليجية أيضا.. وإذا تجاوزنا هذه النقطة .. فسنصل إلى العبارة التي جاءت في العنوان والتي تبدو غريبة .. أي"الاختلاط"!!
الفكرة هنا أن الرغبة أو السعي نحو التعدد يأتي عبر مسربين خارجي .. وداخلي.
والخارجي يرتبط بالاختلاط في العمل ... هذا لمن يؤمن بالحب وبأن "برعم الحب"قد ينبت عبر ذلك التعامل اليومي في محيط الاختلاط،ولا نتحدث أبدا عن سوء النية،أوالتحرش،أو الرغبة في إقامة علاقة محرمة... والعياذ بالله.
بما أن أرشيفي الورقي في المكتب،ونحن في إجازة .. فقد استحضرت ما وقع بين يديّ . . ولعله يفي بالغرض،فلا فرق يذكر بين ما حصل للسيدتين .. وما قد يحصل للرجل .. إلا أن المرأة تشتكي .. أو تبحث عن الطلاق .. أما الرجل .. فقد يذهب للتعدد.
عن أي سيدتين أتحدث؟
السيدة الأولى نشرت قصتها مجلة(حواء)المصرية في عددها الصادر يوم 3 / 1 / 1970 :
( إنها سيدة متعلمة ناضجة في السن والعقل تعمل في وظيفة مسؤولة وتتقاضى مرتبا سخيا، وقد تزوجت قبل سنوات من رجل اختارته بمحض إرادتها (..) وأنجبت منه طفلين في جو يسوده الوئام وتظلله المحبة والثقة إلى أن حل اليوم الذي التحق فيه موظف جديد بالمؤسسة التي تعمل فيها ... وفوجئت به يتفانى في التودد إليها بشكل يدل على أن المسالة أعمق كثيرا من مشاعر الزمالة البريئة .. وبالتدريج أخذ شعورها نحو زوجها يتغير فبعد أن كانت سعيدة راضية أصبحت تعيسة ناقمة تتسقط أتفه الأسباب للعراك أملا في أن تتخلص بهذه الطريقة من العلاقة الزوجية وتربط حياتها بحياة من تحب أو من تتوهم أنها تحب){نقلا عن : ص 98 ( المرأة العربية المعاصرة إلى أين؟ / د.عزالدين جوهر)
أما السيدة الثانية فمن لبنان حيث نشرت مجلة"الحسناء"يوم 7 / 4 / 1978،مشكلة قارئة رمزت لنفسها بـ" المعذبة أ.ن – من طرابلس " جاء فيها ( هي مشكلة أحد زملائي في العمل .. شاب مهندس في الثالثة والعشرين من عمره،وأنا في الثانية والعشرين،زوجة وأم لطفلين،يجمعني به مكتب واحد،إن ضميري يؤنبني لأني سمحت لقبلي أن ينبض بحبه) {ص 99 "المرأة العربية المعاصرة .. إلى أين؟}.
وهذه خلاصة قصة شيخ معروف مع شابة .. وقد كتبها في مذكراته .. وهذا جزء من مقابلة أجرت مع مطلقته الشابة .. (وكان الشيخ قد تقدم ليحييني ولكنه وجد وسائل الإعلام تحاصرني عند نزولي من المنصة فتراجع،إلى أن رآني في المساء في مقر إقامة الطالبات،فسألني إذا كنت أنا أسماء التي داخلت في الصباح فقلت نعم،فشكرني كثيرا وقال : "لقد أثلجت صدورنا بردّك الذي جاء قويا دون خوف أو وجل"،ومنذ ذلك الوقت بات يقربني جدا منه،ويحاول الحديث معي كلما واتته الفرصة،ويهديني كتبه،التي كان يسقط قصدا في بعضها كلمة ابنتي،ليكتب عليها "إلى الحبيبة أسماء"وبقي على هذه الحال لمدة خمس سنوات ،إلى غاية 1989 (..) طلب مني محاولة التعجيل بعودتي إلى العاصمة لكي يتمكن من مقابلتي والحديث معي معلقا"وإلا سأسافر وفي قلبي حرقة!"ولكن الظروف لم تساعد (..) ليقول لي بأنه أجل عودته إلى ؟؟ يومين حتى يتمكن من مقابلتي،فطلبت منه أن يؤجل ذلك لفرصة أخرى من منطلق ما عنده من واجبات ومسؤوليات وأنا غافلة تماما عما يريد أن يحدثني عنه (..) فعاد إلى ؟؟؟،ومنها أرسل إليّ برسالة مطولة وقصيدة من 75 بيتا يبثني فيها عواطفه وأشواقه التي كتمها خمس سنوات منذ 1984 (..) – كيف تعاملت مع هذا الوضع بعدها؟ {سألها الصحفي}
*لقد كانت مفاجأة أقرب إلى الصدمة في البداية،فقد كنت أراه معجبا،ولكن كانت علاقتي كذلك مع جميع العلماء الذين حظيت عندهم بالكثير من التقدير والحب والاحترام).
لم يبق كلام يقال في هذا المسرب،ولكن بقي المسرب الداخلي.
سنأخذ مثالا .. يربط – لعله يفعل – بين هذه الكُليمة وبين"جريمة تعدد الزوجات" .. من هي ؟
قبل الإجابة لعلي أوسع الأمر قليلا من باب .. تكبير الصورة لتكون أوضح.
إذا من هي؟
إنها .. باحثة جادة .. حصلت على "الماجستير" .. ثم عينت "محاضرة" ... ثم سجلت لدراسة "الدكتوراه"
1 – معلمة .. تحضر بشكل ممتاز .. وتحاور .. وتهتم بطالباتها
2 – دارسة .. وباحثة لنيل الدكتوراه .. وهنا أيضا هي باحثة جادة وطالبة علم حقيقية
3 – أم لبعض الأطفال
4 – ربة منزل .. وإن بالإشراف على الشغالة ..
5 – فرد في مجتمع : بنت .. وأخت .. وصديقة .. وجارة .. وزميلة
6 – تشارك في وسائل التواصل الاجتماعي
هل نسيت شيئا؟
نعم. زوجة..أيضا.
وهذا يذكر بعروة بن الورد القائل :
أقسم جسمي في جسوم كثيرة .. وأحسو قراح الماء والماء بارد
لم يبق لكم بذمتي غير .. الجزء الأخير من العنوان .. "رحيق الذكريات" ..
لن أكرر كالعادة أن ما أتحدث عنه .. لا يصل مرتبة "الدراسة" .. فقضايا"الفضفضة" تظل محدودة .. والباقي .. قراءة .. وملاحظات .. هنا وهناك.
يبدو أن مشاغل هذا الزمان .. ووسائله التي تأكل وقت الإنسان .. لم تترك وقتا لاستحلاب رحيق الذكريات بين الزوجين .. ولذلك نقترح تخصيص "ليلة" في الأسبوع ... أو في الشهر .. أو كل قرن .. مثلا.. لجلسة رائقة لاستحلاب ذكريات الزوجين .. وحتى تلك التي كانت السيئة .. لن تعود بذلك السوء .. فقد أصبحت صدى في مكان ما من الذاكرة ..
وكما قال دانتي ( ما أعظم سرور من يقص ما وقع له حين ينجو من كارثة حلت به) .. وتقدم التجربة الحزينة ..دليلا قاطعا على متانة العلاقة بين الزوجين إذ تجاوزا تلك المشكلة في النهاية. وإذا عدنا إلى الربط .. بين الكُليمتين ... فإن صاحبة المشكلة الحالية .. حين تنتهي على خير إن شاء الله ... وتنجو سفينة حياتها من الغرق .. ستصبح هذه التجربة .. مجرد"ذكرى" .. قد تهمس بها لزوجها : فاكر؟ لما كنت بدك تاخد علي وحده تانيه؟
وقد تذرف دمعة أو دمعتين .. وقد يرد .. وهو يمسك بيدها .. بأنه على الاقل .. لم يقبل التفريط فيها .. وفي أطفالهما .. وحياتهما .. أما هي فقد . . طلبت الطلاق .. أي بتر العلاقة ..
"مين طفا النور"؟؟ ..

أبو أشرف : محمود المختار الشنقيطي المدني


مواضيع مشابهة أو ذات علاقة بالموضوع :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..