الجمعة، 29 يناير 2016

بحث في مفهوم الرزق ،وهل تصح تسمية الكسب الحرام "رزقا"

  كل ما يصل إلينا من خير ونعمة هو من رزق الله، سواء اكتسبناه بأيدينا أو جاد به غيرنا علينا .
السؤال :
أعلم أن الله قد كتب أرزاقنا ، فما الذي يندرج تحت الرزق ؟ هل هو مجرد المال الذي نجنيه بأنفسنا وبكسب أيدينا ؟ أم يدخل في ذلك أيضا ما يوهب لنا من الأقرباء وغيرهم؟ فهل الأخير من الرزق أيضا ؟

نشر بتاريخ: 2013-03-12

الجواب :
الحمد لله
من أسماء الله تعالى الحسنى " الرزاق " ، قال عز وجل : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) الذاريات/ 56 - 58 .
والرزاق : صيغة مبالغة من اسم الفاعل " الرازق " ، أي : كثير العطاء .

وكل ما قدره الله على عباده ، وأنزله عليهم من خزائنه : سواء كان ذلك في مال ، أو ولد ، أو زوجة ، أو علم ، أو علم ، أو خلق ، أو صحة ... ، كل هذا من رزق الله لعباده ؛ وسواء كان ذلك من كسب أيديهم ، أو ميراثا ورثوه ، أو هبة وصلت إليهم ، وسواء كان ذلك ـ أيضا ـ من الحلال أو الحرام ؛ فكل هذا من رزق الله لعباده .
قال تعالى : ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ) الذاريات/22 ، وقال تعالى : ( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ) النحل/ 53 .

وقد سمي النبي صلى الله عليه وسلم ما يصل إلى العبد من غيره من المال رزقا ؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلَهُ فَلْيَقْبَلْهُ ؛ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ ) رواه أحمد (7908) ، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (5921) .
وعَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ : " أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنْ ارْفَعْ إِلَيَّ حَاجَتَكَ ، قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى ) وَإِنِّي لَأَحْسِبُ الْيَدَ الْعُلْيَا الْمُعْطِيَةَ وَالسُّفْلَى السَّائِلَةَ ، وَإِنِّي غَيْرُ سَائِلِكَ شَيْئًا وَلَا رَادٍّ رِزْقًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيَّ مِنْكَ " .
رواه أحمد (6402) ، وصححه محققو المسند .

قال البيهقي رحمه الله :
" قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِيمَا أُخْبِرْتُ عَنْهُ : الرَّزَّاقُ هُوَ الْمُتَكَفِّلُ بِالرِّزْقِ ، وَالْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا يُقِيمُهَا مِنْ قُوتِهَا .
قَالَ : وَكُلُّ مَا وَصَلَ مِنْهُ إِلَيْهِ ، مِنْ مُبَاحٍ وَغَيْرِ مُبَاحٍ : فَهُوَ رِزْقُ اللهِ ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ قَدْ جَعَلَهُ لَهُ قُوتًا وَمَعَاشًا " انتهى من "الأسماء والصفات" (1 /172) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" لَفْظَ " الرِّزْقِ " يُرَادُ بِهِ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْعَبْدِ وَمَلَّكَهُ إيَّاهُ .
وَيُرَادُ بِهِ مَا يَتَغَذَّى بِهِ الْعَبْدُ :
فَالْأَوَّلُ : كَقَوْلِهِ : ( وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ، ( وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) ، فَهَذَا الرِّزْقُ هُوَ الْحَلَالُ وَالْمَمْلُوكُ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْخَمْرُ وَالْحَرَامُ .
وَالثَّانِي : كَقَوْلِهِ : (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ) ؛ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَرْزُقُ الْبَهَائِمَ ، وَلَا تُوصَفُ بِأَنَّهَا تَمْلِكُ ، وَلَا بِأَنَّهُ أَبَاحَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهَا إبَاحَةً شَرْعِيَّةً ؛ فَإِنَّهُ لَا تَكْلِيفَ عَلَى الْبَهَائِمِ - وَكَذَلِكَ الْأَطْفَالُ وَالْمَجَانِينُ - لَكِنْ لَيْسَ بِمَمْلُوكِ لَهَا وَلَيْسَ بِمُحَرَّمِ عَلَيْهَا .
وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ : بَعْضُ الَّذِي يَتَغَذَّى بِهِ الْعَبْدُ ، وَهُوَ مِنْ الرِّزْقِ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يَتَغَذَّى بِهِ ، وَقَدَّرَ ذَلِكَ ؛ بِخِلَافِ مَا أَبَاحَهُ وَمَلَّكَهُ .
كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يُبْعَثُ الْمَلَكُ ، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ : فَيُقَالُ : اُكْتُبْ رِزْقَهُ ، وَأَجَلَهُ ، وَعَمَلَهُ ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ ، قَالَ : فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلَهَا وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلَهَا ) .

وَالرِّزْقُ الْحَرَامُ مِمَّا قَدَّرَهُ اللَّهُ ، وَكَتَبَتْهُ الْمَلَائِكَةُ ، وَهُوَ مِمَّا دَخَلَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَخَلْقِهِ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ قَدْ حَرَّمَهُ وَنَهَى عَنْهُ ؛ فَلِفَاعِلِهِ مِنْ غَضَبِهِ وَذَمِّهِ وَعُقُوبَتِهِ مَا هُوَ أَهْلُهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ." انتهى من "مجموع الفتاوى" (8/545) .
والله أعلم .
موقع الإسلام سؤال وجواب


-----------------------------------

السؤال:  هل " المال الحرام " هو رزق من عند الله سبحانه وتعالى ؟
الجواب :
تأمل أخي بهذه الآيات ..
"قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ "
سورة الأعراف32

"اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ "
سورةالرعد26
"َاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ "
سورة النحل71
"إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا "
سورة الاسراء 30
"إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ "
العنكبوت 17
"أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ "
الروم 37
"وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ "
القصص82
"للَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "
العنكبوت 62
"قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ"
سبأ36
"قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ "
سبأ39
"أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ "
الزمر52
"لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "
الشوري12
"َلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ "
الشوري27
"إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ "

إذن الله هو الرزاق سبحانه يبسط الرزق لمن يشاء   ،فكيف يكون المال الحرام رزق ؟؟

---
الرزق مقدراً  و معلوما, و كل إنسان لا يأخذ إلا رزقه, فكيف يندرج الرزق الحرام إلى المقدر المعلوم ؟
إن الله سبحانه و تعالى قدر رزق الإنسان, فإذا امن الإنسان بذلك , فلن تمتد يده إلى الحرام أبدا لأنه ما دام هذا رزقه فلابد يأتيه, و ما عليه إلا أن يصبر , و إذا مرت به شدة أو أية ظروف أخرى تستدعي التحمل فعليه أن يتمسك بالإيمان . لأن من مداخل الشيطان أن يدخل الرعب إلى قلب الإنسان و أسهل طريق يدخل من إلى القلب هو الرزق . انه يأتي و يوسوس للإنسان '... لا تعرض نفسك و أولادك للفقر و الطرد...' فيختلس.
و علينا أن نعلم أن هناك رزق و هناك كسب و هناك عمل, و كل منها يختلف عن الآخر , و إن سبحانه و تعالى أقسم على أن الرزق من السماء و أنه بيده وحده, ذلك حتى لا نخشى إلا الله و لا نطيع عاصيا, أو طاغيا , أو ننصر ظالما خوفا على رزقنا.
قال الرسول صلى الله عليه و سلم .. 'يقول ابن ادم مالي.. مالي... و هل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت, أو لبست فأبليت, أو تصدقت فأمضيت'. هذه الأوجه الثلاثة التي حددها رسول الله صلى الله عليه و سلم في الحديث الشريف هي أبواب الرزق بالنسبة للإنسان, فالإنسان ليس له من ماله إلا هذه الأوجه الثلاثة ثم بعد ذلك ما يملكه ليس رزقه و لا ماله. و إنما هو مكلف دون أن يدري بمهمة توصيل أقدار الله لبعض خلق الله .
قال صلى الله عليه و سلم ..' لا حيلة في الرزق و لا شفاعة في الموت '

كتاب الرزق للشيخ متولي الشعراوي
سئل شيخ الإسلام مفتي الأنام أوحد عصره فريد دهره : تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية - رحمه الله ورضي عنه - عن الرجل : إذا قطع الطريق وسرق أو أكل الحرام ونحو ذلك هل هو رزقه الذي ضمنه الله تعالى له أم لا ؟ أفتونا مأجورين .

فأجاب - الحمد لله : ليس هذا هو الرزق الذي أباحه الله له ولا يحب ذلك ولا يرضاه . ولا أمره أن ينفق منه . كقوله تعالى : { ومما رزقناهم ينفقون } وكقوله تعالى : { وأنفقوا من ما رزقناكم } ونحو ذلك لم يدخل فيه الحرام بل من أنفق من الحرام فإن الله تعالى يذمه ويستحق بذلك العقاب في الدنيا والآخرة بحسب دينه . وقد قال الله : { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } وهذا أكل المال بالباطل .

ولكن هذا الرزق الذي سبق به علم الله وقدره كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل [ ص: 543 ] ذلك ، ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد } فكما أن الله كتب ما يعمله من خير وشر وهو يثيبه على الخير ويعاقبه على الشر فكذلك كتب ما يرزقه من حلال وحرام مع أنه يعاقبه على الرزق الحرام .

ولهذا كل ما في الوجود واقع بمشيئة الله وقدره كما تقع سائر الأعمال لكن لا عذر لأحد بالقدر بل القدر يؤمن به وليس لأحد أن يحتج على الله بالقدر بل لله الحجة البالغة ومن احتج بالقدر على ركوب المعاصي فحجته داحضة ومن اعتذر به فعذره غير مقبول كالذين قالوا : { لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا } والذين قالوا : { لو شاء الرحمن ما عبدناهم } كما قال تعالى : { أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين } { أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين } . وأما الرزق الذي ضمنه الله لعباده فهو قد ضمن لمن يتقيه أن يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب وأما من ليس من المتقين فضمن له ما يناسبه بأن يمنحه ما يعيش به في الدنيا ثم يعاقبه في الآخرة كما قال عن الخليل : { وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر } - قال الله - : { ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير } . [ ص: 544 ] والله إنما أباح الرزق لمن يستعين به على طاعته لم يبحه لمن يستعين به على معصيته ; بل هؤلاء وإن أكلوا ما ضمنه لهم من الرزق فإنه يعاقبهم كما قال : { ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير } وقال تعالى : { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم } فإنما أباح الأنعام لمن يحرم عليه الصيد في الإحرام .

وقال تعالى : { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين } فكما أن كل حيوان يأكل ما قدر له من الرزق فإنه يعاقب على أخذ ما لم يبح له سواء كان محرم الجنس أو كان مستعينا به على معصية الله ولهذا كانت أموال الكفار غير مغصوبة بل مباحة للمؤمنين وتسمى فيئا إذا عادت إلى المؤمنين ; لأن الأموال إنما يستحقها من يطيع الله لا من يعصيه بها فالمؤمنون يأخذونها بحكم الاستحقاق والكفار يعتدون في إنفاقها كما أنهم يعتدون في أعمالهم فإذا عادت إلى المؤمنين فقد فاءت إليهم كما يفيء المال إلى مستحقه .

---------------------------------------

                       الكسب الحرام ( أسبابه – أضراره )
دكتور / بدر عبد الحميد هميسه
اعلم – رعاك الله – أن طلب الحلال واجب على كل مسلم , وقد جاء الشرع الحنيف بالحث على السعي في تحصيل المال واكتسابه على أنه وسيلة لغايات محمودة ومقاصد مشروعة، وجعـل للحصول عليه ضوابط وقواعـد واضحة المعالم، لا يجوز تجاوزها ولا التعدي لحدودها كي تتحقق منه المصالح للفرد وللجماعة.
قال تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (168) سورة البقرة.
وقال : {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (69) سورة الأنفال.
وقال : {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (114) سورة النحل.

ولقد نهى الإسلام عن الكسب الحرام لأنه شؤم وبلاء على صاحبه، فبسببه يقسو القلب، وينطفئ نور الإيمان، ويحل غضب الجبار، ويمنع إجابة الدعاء ,بله إن وبال الكسب الحرام يكون على الأمة كلها فبسببه تفشو مساوئ الأخلاق من سرقة وغصب ورشوة وربا وغش واحتكار وتطفيف للكيل والميزان وأكل مال اليتيم وأكل أموال الناس بالباطل , وشيوع الفواحش ما ظهر منها وما بطن .

ولقد أخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بأنه سوف يأتي على الناس زمان يتهاونون فيه في قضية الكسب فلا يدققون ولا يحققون في مكاسبهم . فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام؟). أخرجه البخاري في البيوع (2059) .

بل إن بعض الناس لطمعه وشجعه يفتأت على ربه فيجعل الحرام حلالا والحلال حراما , قال تعالى : {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ} (59) سورة يونس.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أَشْيَاءَ وَيَتْرُكُونَ أَشْيَاءَ تَقَذُّرًا فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ وَأَحَلَّ حَلاَلَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلاَلٌ وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ وَتَلاَ (قُلْ لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا) إِلَى آخِرِ الآيَةِ. أخرجه أبو داود (3800).

وللكسب الحرام أسباب وأضرار نذكر منها :

أولاً : أسباب الكسب الحرام :

1- عدم الخوف والحياء من الله
الخوف والحياء من الله تعالى وحسن مراقبته سياجات كلها تقي المسلم وتحميه من الوقوع في الحرام , ولقد عرف النبي صلى الله عليه وسلم الحياء الحقيقي تعريفا جامعاً مانعاً فقال , عنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ، قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ ِللهِ ، قَالَ : لَيْسَ ذَاكَ ، وَلكِنَّ الاِسْتِحْيَاءَ مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ : أَنْ تَحْفَظَ الرَّاْسَ وَمَا وَعَى ، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى ، وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى ، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا ، فَمَنْ فَعَلَ ذلِكَ ، فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ. أخرجه أحمد 1/387(3671) ( الترمذي 4/567 ) . قال الألباني : حديث حسن ، الروض النضير ( 601 ) ، المشكاة ( 1608 ) .
فإذا نزع الحياء من المرء فانه لا يبالي أكان مكسبه من حلال أم من حرام ؟ .
روى أبو مسعود البدري مرفوعا " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت " . صحيح ابن ماجة ( 4183 ) // ، الصحيحة ( 684 ) ، صحيح الجامع ( 2230 ).
يقول الشاعر :

إذا لم تخش عاقبة الليالي *** ولم تستح فاصنع ما تشاء
فلا والله ما في العيش خير *** ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
يعيش المرء ما استحيا بخير *** ويبقى العود ما بقي اللحاء

وقال آخر :

ورب قبيحة ما حال بيني *** وبين ركوبها إلا الحياء
 فكان هو الدواء لها ولكن *** إذا ذهب الحياء فلا دواء

تقول عائشة -رضي الله عنها-: إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة: الورع.
ويقول الفاروق عمر: كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام.
ولقد بلغ الأمر عند السلف أنهم إذا جلس الواعظ للناس قال العلماء: تفقّدوا منه ثلاثاً: فإن كان معتقداً لبدعة فلا تجالسوه فإنه عن لسان الشيطان ينطق، وإن كان سيء الطُعمة فعن الهوى ينطق، فإن لم يكن مكين العقل فإنه يفسد بكلامه أكثر مما يصلح فلا تجالسوه.
ولقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمرة حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن)) رواه البخاري ومسلم.
قَالَ أَبُو حَسَّانٍ عِيْسَى بنُ عَبْدِ اللهِ البَصْرِيُّ: سَمِعْتُ الحَسَنَ بنَ عَرَفَةَ يَقُوْلُ:قَالَ لِي ابْنُ المُبَارَكِ: اسْتَعَرتُ قَلَماً بِأَرْضِ الشَّامِ، فَذَهَبتُ عَلَى أَنْ أَرُدَّهُ، فَلَمَّا قَدِمْتُ مَرْوَ، نَظَرْتُ، فَإِذَا هُوَ مَعِي، فَرَجَعتُ إِلَى الشَّامِ حَتَّى رَدَدْتُهُ عَلَى صَاحِبِهِ.( الزهد لابن المبارك 19 , الذهبي : سير أعلام النبلاء 15/411 ,صفة الصفوة لابن الجوزي 2/239 ).
وروي عن امرأة صالحة أنه قد أتاها نعي زوجها ( خبر وفاته ) وهي تعجن العجين فرفعت يدها , وقالت : هذا طعام قد صار لنا فيه شريك ( تعني الورثة ).

2- الحرص على المكسب السريع
بعض الناس يستعجلون في قضية الرزق فهم يريدون الحصول على المال من أي جهة وبأي طريق حتى لو كان من حرام , فالمكسب السريع عندهم هو الغاية المرجوة والهدف المنشود , وقد يتأخر الرزق عن بعض الناس لحكمة يعلمها مقدر الأرزاق ومقسمها ؛ فيحمله استبطاء الرزق على أن يطلبه بمعصية الله و ولقد حزر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال فيما رواه عنه ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ليس من عمل يقرب من الجنة إلا قد أمرتكم به ولا عمل يقرب من النار إلا وقد نهيتكم عنه فلا يستبطئن أحد منكم رزقه فإن جبريل ألقى في روعي أن أحدا منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه فاتقوا الله أيها الناس وأجملوا في الطلب فإن استبطأ أحد منكم رزقه فلا يطلبه بمعصية الله فإن الله لا ينال فضله بمعصيته " . (رواه الحاكم , الصحيحة ( 2607 ) ، المشكاة ( 5300 ) .

وجاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله - عليه الصلاة والسلام - إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض قيل وما بركات الأرض قال زهرة الدنيا . (البخاري في صحيحه ج 5/ ص 2362 حديث رقم: 6063).

فليعلم العاقل أن الدنيا زائلة وأن موقوف ومسئول بين يدي الله تعالى عن كل ما اكتسبه وكل ما أنفقه . عن معاذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لن يزول قدم العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن جسده فيما أبلاه ، وعن عمره فيما أفناه ، وعن ماله من أين أكتسبه وفيم أنفقه ، وعن علمه كيف عمل به » .
( أخرجه الترمذي 7 / 101 وقال: "هذا حديث حسن صحيح ) .

فلا يبع العاقل دينه من أجل نعيم زائل يزول مع أول صبغة في النار أعاذنا الله منها . عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا ، مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : يَا ابْنَ آدَمَ ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ ؟ فَيَقُولُ : لاَ ، وَاللهِ ، يَا رَبِّ ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا ، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَيُصْبَغُ فِي الْجَنَّةِ صَبْغَةً ، فَيُقَالُ لَهُ : يَا ابْنَ آدَمَ ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ ؟ فَيَقُولُ : لاَ ، وَاللهِ ، يَا رَبِّ ، مَا مَرَّ بِي بُؤُسٌ قَطُّ ، وَلاَ رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ. (رواه مسلم 8/135(7190) وأحمد 3/203(13143).

3- الطمع وعدم القناعة
على المسلم أن يعلم علم اليقين أن الأرزاق مقسمة كالآجال , روي عنه عليه الصلاة والسلام- أنه قال: " إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه. والذي نفسي بيده لا يُسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمَن جاره بوائقه " قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: " غشمه وظلمه، ولا يكسب عبد مالاً من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدّق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث " أخرجه الإمام أحمد في المسند وإسناده ضعيف.
ففي الحرص لا يخلو المرء من تعب وفي الطمع لا يخلو من ذل, وقديما قيل " أذل الحرص أعناق الرجال" . وقال ابن أدهم " قلة الحرص والطمع تورث الصدق والورع وكثرة الحرص والطمع تورث كثرة الغم والجزع " والطمع يُعمي الإنسان عن حقائق الأمور ويُخفي عنه معالمها. وأنشد أحدهم :

جمع الحرام على الحلال ليكثره * * * دخل الحرام على الحلال فبعثره

وقال الشعبي حكى أن رجلا صاد قنبرة فقالت ما تريد أن تصنع بي قال أذبحك وآكلك قالت والله ما أشفى من قرم ولا أشبع من جوع ولكن أعلمك ثلاث خصال هي خير لك من أكلي أما واحدة فأعلمك وأنا في يدك وأما الثانية فإذا صرت على الشجرة وأما الثالثة فإذا صرت على الجبل قالت هات الأولى قالت لا تلهفن على ما فاتك فخلاها فلما صارت على الشجرة قال هات الثانية لا تصدقن بما لا يكون أنه يكون ثم طارت فصارت على الجبل فقالت يا شقي لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درتين زنة كل درة عشرون مثقالا قال فعض على شفته وتلهف وقال هات الثالثة قالت أنت قد نسيت اثنتين فكيف أخبرك بالثالثة ألم أقل لك لا تلهفن على ما فاتك ولا تصدقن بما لا يكون أن يكون أنا لحمي ودمي وريشي لا يكون عشرين مثقالا فكيف يكون في حوصلتي درتان كل واحدة عشرون مثقالا ثم طارت فذهبت وهذا مثال لفرط طمع الآدمي فإنه يعميه عن درك الحق حتى يقدر ما لا يكون أنه يكون وقال ابن السماك إن الرجاء حبل في قلبك وقيد في رجلك فأخرج الرجاء من قلبك يخرج القيد من رجلك ( إحياء علوم الدين للغزالي 3/240 ).

عنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ ، أُرْسِلاَ فِي غَنَمٍ ، بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ ، وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ" أخرجه أحمد 3/456(15876), و"التِّرمِذي"2376 .

‍وذو القناعةِ راضٍٍ من مَعيشَتِه * * * وصاحب الحِرْصِ إنْ أثرى فغضبان

وقال ابن عبد القدوس

لا تَحرِصَنَّ فَالحِرص لَيسَ بِزائِد ‍* * * في الرِزقِ بَل يَشقى الحَريص وَيَتعَب
وَيَظل مَلهوفاً يَروح تحيلا ‍* * * وَالرِزقُ لَيسَ بِحيلَة يُستَجلَب
كَم عاجِز في الناسِ يَأتي رِزقُه * * * رَغداً وَيحرم كيس وَيَخيب

وليعلم العاقل أن الحرام لا يدوم وأن ما جمع من حرام سوف يذهب مع الرياح , فعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ :إِنَّ رَجُلاً حَمَلَ مَعَهُ خَمْرًا في سَفِينَةٍ يَبِيعُهُ وَمَعَهُ قِرْدٌ قَالَ فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا بَاعَ الْخَمْرَ شَابَهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ بَاعَهُ قَالَ فَأَخَذَ الْقِرْدُ الْكِيسَ فَصَعِدَ بِهِ فَوْقَ الدَّقَلِ قَالَ فَجَعَلَ يَطْرَحُ دِينَارًا فِى الْبَحْرِ وَدِينَارًا فِى السَّفِينَةِ حَتَّى قَسَمَهُ. أخرجه أحمد 2/306(8041) .
ومقابل هذه القصة قصة أخرى رواها لنا النبي صلى الله عليه وسلم عن القناعة وعدم الطمع , عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اشترى رجل من رجل عقاراً له، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك الأرض ولم ابتع منك الذهب، وقال الذي له الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية. قال: أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدقا)).
قال الشاعر :

أيا من عاش في الدنيا طويلا * * * وأفنى العمر في قيل وقال
وأتعب نفسه فيما سيفنى * * * وجمّع من حرام أو حلال
هب الدنيا تقاد إليك عفوا * * * أليس مصير ذلك للزوال


4- الجهل بخطورة الكسب الحرام وحكمه .
كثير من الناس يجهل خطورة الكسب الحرام وحكمه وأثره السيئ عليه , ويتهاون في معرفة ما يحصله من أموال , وما يتناوله من طعام .
روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه غلام فجاء له يومًا بشيء فأكل منه، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟! فقال أبو بكر: وما هو؟ فقال: تكهَّنتُ لإنسان في الجاهلية وما أُحسنُ الكِهانة إلا أني خدعته، فَلقينِي فأعطاني بذلك هذا الذي أكلتَ منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه [ وفي رواية أنه قال: لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها اللهم إني أبرأ إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء [ البخاري في كتاب المناقب، 3554.
ورُوي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شرب لبنًا فأعجبه، فقال للذي سقاه: من أين لك هذا؟ فقال: مررت بإبل الصدقة وهم على ماء فأخذت من ألبانها، فأدخل عمر يده فاستقاء.
وأوصت إحدى الصالحات زوجها وقالت له: يا هذا، اتق الله في رزقنا، فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار.

ثانياً : أضرار الكسب الحرام :

1- ظلمة القلب وكسل الجوارح عن الطاعة.
الكسب الحرام له آثار وأضرار وخيمة على صاحبه فهو يؤدي إلى ظلمة القلب وكسل الجوارح عن طاعة الرب , ونزع البركة من الرزق والعمر .
قال صلى الله عليه وسلم " إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به" رواه الترمذي (558) وصححه الألباني.
وقال ابن عباس رضي الله عنه:'إن للحسنة نوراً في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البدن، وزيادة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق. وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنا في البدن، ونقصاً في الرزق وبغضاً في قلوب الخلق' .
ويقول يحيى بن معاذ: الطاعة خزانة من خزائن الله إلا أن مفتاحها الدعاء، وأسنانه لقم الحلال.
خرج الأمير شروان للصيد فأدركه العطش فرأى في البرية بستاناً وعنده صبي فطلب منه ماء فقال ليس عندنا ماء قال ادفع لي رمانة فدفعها إليه فاستحسنها فنوى أخذ البستان ثم قال ادفع لي أخرى فدفع له أخرى فوجدها حامضة فقال أما هي من الشجرة الأولى قال نعم قال كيف تغير طعمها قال لعل نية الأمير تغيرت فرجع عن ذلك في نفسه ثم قال ادفع لي أخرى فدفع له أخرى فوجدها أحسن من الأولى فقال كيف صلحت قال بصلاح نية الأمير ( نزهة المجالس ومنتخب النفائس, للصفوري صـ 7 ).
فأكل الحرام يحول الحلو إلى حامض , والرضا واليقين إلى الشك والسخط .

2- غضب الجبار ودخول النار .
الكسب الحرام يستوجب غضب الجبار ودخول النار , عن أبي أمامة الحارثي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من اقتطع حق امرئ مسلمٍ بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة))، فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: ((وإن كان قضيبًا من أراك)) رواه مسلم في صحيحه.
عن أبي هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للكسب" أخرجه أحمد 2/235 و242 و413، والبيهقي 5/265.
وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، مَنْ هُمْ خَسِرُوا وَخَابُوا ؟ قَالَ : فَأَعَادَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ، قَالَ : الْمُسْبِلُ ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ ، أَوِ الْفَاجِرِ ، وَالْمَنَّانُ. رواه مسلم" 1/71(208)وأحمد" 5/148(21644).
روى البخاري من حديث خولة الأنصارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة» رواه البخاري 6 / 165 – 166 .
وعن أبي بكر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " لا يدخل الجنة جسد غذي بالحرام " . رواه البيهقي في شعب الإيمان .

3- عدم قبول الدعاء
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: تليت هذه الآية عند رسول الله (: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّبًا } .فقام سعد بن أبي وقاص ( فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة فقال له النبي (: «يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه عمل أربعين يومًا وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به» .أخرجه الطبراني في " المعجم الأوسط رقم 6640 . وفيه ضعف .
ولقد حرص سعد على الكسب الحلال حتى يكون مستجاب الدعوة , لذا فقد قيل له : لم تستجاب دعوتك فقال ما رفعت إلي فمي لقمة إلا وأنا أعلم من أين جاءت ومن أين خرجت .

ولما سعى أهل الكوفة به إلى سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه أرسل جماعة للكوفة يسألون عن حاله من أهل الكوفة فصاروا كلما سألوا عنه أحدا قال خيرا وأثنى عليه , حتى سألوا رجلا يقال له أبو سعدة فذمه وقال لا يقسم بالسوية ولا يعدل في القضية , فلما بلغ سعدا ذلك قال : اللهم إن كان كاذبا فأطل عمره وأدم فقره وأعمي بصره وعرضه للفتن فعمي وافتقر وكبر سنه وصار يتعرض للإماء في سكك الكوفة فإذا قيل له كيف أنت يا أبا سعدة يقول شيخ كبير فقير مفتون أصابتني دعوة سعد ( أنساب الإشراف 3/296 ) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيها الناس ، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ) وقال : ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) ثم ذكر الرجل يطيل السفر ، أشعث أغبر ، يمد يديه إلى السماء ، يا رب ، يا رب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك " ) صحيح مسلم (1686) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ حَاجًّا بنفَقَةٍ طَيِّبَةٍ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَنَادَى: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، زَادُكَ حَلالٌ، وَرَاحِلَتُكَ حَلالٌ، وَحَجُّكُ مَبْرُورٌ غَيْرُ مَأْزُورٍ، وَإِذَا خَرَجَ بِالنَّفَقَةِ الْخَبِيثَةِ، فَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَنَادَى: لَبَّيْكَ، نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لا لَبَّيْكَ وَلا سَعْدَيْكَ، زَادُكَ حَرَامٌ وَنَفَقَتُكَ حَرَامٌ، وَحَجُّكَ غَيْرُ مَبْرُورٍ " (أخرجه الطبراني في الأوسط (5/251 ، رقم 5228) ).
فالكسب الحرام سبب في منع قبول الدعاء واستجابة الرجال ورفع العمل الصالح لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا .

4- عدم قبول العمل الصالح.
الكسب الحرام سبب من أسباب قبول العمل . عن ابن عباس والذي نفس محمد بيده، إن الرجل ليَقْذفُ اللقمة الحرام في جَوْفه ما يُتَقبَّل منه أربعين يومًا، وأيّما عبد نبت لحمه من السُّحْت والربا فالنار أولى به" . المعجم الأوسط للطبراني برقم (5026).

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: " قتل نفر يوم خيبر فقالوا فلان شهيد حتى ذكروا رجلا فقالوا فلان شهيد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا إني رأيته في النار في عباءة أو في بردة غلها , ثم قال لي يا بن الخطاب قم فناد في الناس انه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون فقمت فناديت في الناس". رواه ابن حبان في صحيحه 11/ ص 186 حديث رقم: 4849 .
قال أحدهم :

رأيتُ حَلالَ المالِ خيرَ مغَبةٍ * * * وأجدرَ أن يبقى على الحدَثَانِ
وإِياكَ والمالَ الحرامَ فإِنه * * * وبالٌ إِذا ما قدّم الكفانِ

وقال آخر :

لا ترغبنْ في كثيرِ المالِ تكنزهُ * * * من الحرامِ فلا ينمى وإِن كَثُرا
واطلبْ حلالاً وإِن قلَّتْ فواضلهُ* * * إِن الحلالَ زكيٌ حيثما ذُكِرا

ولقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ ، وَمِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ ، وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لاَ يُسْتَجَابُ لَهَا. أخرجه أحمد 4/371(19523) .
ولتجعل شعارك : " أما الحرام فالممات دونه " .

فاللهم ارزقنا الحلال وبارك لنا فيه , وجنبنا الحرام وبغضنا فيه .

----------------------------------------

 السلام عليكم
    ماهو موقفكم من قضية الرزق
    التفصيل اذا امكن والسلام

اسئلة حول الرزق
    1. هل للعمل تاثير في حصول الرزق ام لا
    2. هل رزق الانسان هو ما استفاد منه من اكل وشرب او هو ما حازه
    3. هل الايمان بان الانسان هو الرازق لنفسه يعتبر كفر ا
    4. هل من حصل على مال بطريقة محرمة يكون ذاك المال رزقا له  والسلام

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحرام رزق لأن الرزق عندنا اسم لما يسوقه الله تعالى إلى المخلوق فينتفع به، وذلك قد يكون حلالاً وقد يكون حراماً. وعند المعتزلة الحرام ليس برزق، لأنهم فسروه تارة بمملوك يأكله المالك، وتارة بما لا يمنع من الانتفاع به، وذلك لا يكون إلا حلالاً، على قولهم.
    لكن يلزم على تفسيرهم للرزق بالوجه الأول أن لا يكون ما يأكله الدواب رزقاً لأنه لا أحد يقول بأن الدواب تملك ما تأكله، ويلزم على الوجهين: أن من أكل الحرام طول عمره فإن الله تعالى لم يرزقه أصلاً. ولا أحد يقول مثل هذا الكلام، لأن بقاء الحيوان عادة يكون برزق الله له بما يغتذي به.
    ومبنى هذا الاختلاف على أن الإضافة إلى الله تعالى معتبرة في معنى الرزق، وأنه لا رازق إلا الله وحده، وأن العبد يستحق الذم والعقاب على أكل الحرام، وكلّ ذلك بالاتفاق بيننا وبين المعتزلة.
    ولكننا نقول بأن العبد هو الذي يكسب رزقه عندنا فيقبح من العبد إذا كسب رزقاً حراماً، ويحسن منه أن يكسب رزقاً حلالاً، والله تعالى يحسن منه كلّ فعل يفعله ولا يقبح منه شيء.

    وأما المعتزلة فهم يقولون إنه يستحيل أن يكون الله رازقاً للحرام، لأن هذا الأمر قبيح والله تعالى يستحيل عليه فعل القبيح، فما يكون مستنداً إلى الله تعالى لا يكون قبيحاً.
ولذلك يجعلون الحرام فعل العبد لا فعل الربّ.
وما يكون مستنداً إلى الله تعالى لا يكون قبيحاً، وعليه فمرتكبه لا يستحق الذم والعقاب.
فلو كان الحرام رزقاً من الله لما كان قبيحاً ولما استحقّ مرتكبه الذمّ والعقاب.
فلما استحقّ الذمّ والعقاب علمنا أنه فعل قبيح، فلا يكون منسوباً إلى الله تعالى، بل إلى العبد.
هذا حاصل كلامهم.
    وهو مبنيّ على أصلهم بالتحسين والتقبيح العقليين، وهذا الأصل قد أقام أهل السنّة الدليل على بطلانه.
ثمّ الجواب عن إشكال الرزق الحرام أنه لسوء مباشرة العبد أسبابه أي أسباب الرزق باختياره.
والله تعالى خالق الجميع حلالاً كان أو حراماً.
والعبد يقبح منه كسبه للحرام ويحسن منه كسب الحلال، والربّ سبحانه لا يقبح منه شيء.
    ومذهبنا أن كلاً يستوفي رزق نفسه  حلالاً كان أو حراماً   لحصول الانتفاع بهما جميعاً.
ولا يتصور أن لا يأكل إنسان رزقه أو أن يأكل هو رزق غيره، لأن ما قدره الله غذاء أو نفعاً لشخص فيجب أن يأكله أو ينتفع به ذلك الشخص، ويمتنع أن يأكله غيره، وأما إذا جعلنا الرزق بمعنى الملك أو بمعنى ما لا يمتنع أن ينتفع به على قول المعتزلة فلا يمتنع أن يأكل واحد رزق غيره.
وقد نبّهنا على ما فيه.

    سؤالك: (هل للعمل تأثير في حصول الرزق أم لا)

    الجواب: ليس للعبد تأثير بمعنى الإيجاد والتحصيل، بل له كسب. فالعبد يباشر الأسباب العاديّة ويأخذ بها، والله تعالى هو الذي يسوق له الرزق بقدر معلوم. والرزق منه ما يأتي الإنسان دون أن يكون له كسب فيه كالميراث ونحوه، ومنه ما يكسبه هو بنفسه بمباشرة الأسباب العاديّة.

    سؤالك: (هل رزق الإنسان هو ما استفاد منه من أكل وشرب أو هو ما حازه)

    الجواب: الرزق هو ما ينتفع به مطلقاً، سواء كان مطعوماً أو مشروباً أو ملبوساً أو غيره، مملوكاً كان أو غير مملوك. والله تعالى أعلم. وأما أن الرزق هو ما حازه المخلوق وملكه فهو قول المعتزلة، وفيه نظر كما مرّ من الاعتراضات عليه. والله أعلم.

    سؤالك: (هل الإيمان بأن الإنسان هو الرازق لنفسه يعتبر كفراً)

    الجواب: اعتقاد الإنسان بأنه الرازق لنفسه اعتقاد باطل، لأن الله تعالى هو الرزاق ذو القوّة المتين، ولأنه يرزق من يشاء بغير حساب، والآيات الكثيرة جداً ظاهرة في أن الترزيق فعل الله تعالى، وأن الرزق مضاف إليه.
ولقد علمنا بالدليل العقليّ أن العبد لا يقوى على فعل شيء بل هو كاسب فقط، والترزيق فعل، فيكون الله تعالى فاعلاً له وهو القادر عليه، والعبد كاسب فقط لرزقه.
وأما الحكم على معتقد ذلك بالكفر فهو بحث فقهيّ يسأل عنه في غير هذا المحلّ، ولست أهلاً لأن أفتي فيه.

    سؤالك: (هل من حصل على مال بطريقة محرمة يكون ذاك المال رزقاً له)

    الجواب: إذا اعتبرنا أن الرزق يتحقق بمجرد دخول الشيء في الملك أو بمجرّد إمكان الانتفاع به على قولي المعتزلة، فيكون المال المكتسب سواء كان حراماً أو حلالاً رزقاً.
مع أن المعتزلة كما مرّ لا يسمون ما سيق للعبد بطريق محرّمة رزقاً، كما بينّاه  ..  فتنبه.
ولكنه عندنا ما لم ينتفع به انتفاعاً مادياً بأكله مثلاً أو شربه أو لبسه وغير ذلك أو معنوياً كما ينتفع بالعلم ونحوه فلا يكون رزقاً.
والله تعالى أعلم.







---------------------------------------

السؤال
هل يمكن القول بأن ما يأخذه المغني وما يسرقه الحرامي وما يحصل عليه المرتشي والممثل من الأموال، وهكذا إلى ما نعتبره من الأموال الحرام كل هذا يدخل تحت مسمى الرزق وإن الله رزقهم بهذا، وهل يعتبر هذا رزقا فعلاً؟
الإجابــة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فالرزق عند أهل السنة والجماعة يعم ما ينتفع به حلالا كان أو حراما، وقد بحث هذه المسألة الإمام القرطبي في تفسيره، فأجاد وأفاد، فقال رحمه الله: والرزق عند أهل السنة ما صح الانتفاع به حلالاً كان أو حراماً، خلافاً للمعتزلة في قولهم: إن الحرام ليس برزق لأنه لا يصح تملكه، وإن الله لا يرزق الحرام وإنما يرزق الحلال، والرزق لا يكون إلا بمعنى الملك.
قالوا: فلو نشأ صبي مع اللصوص ولم يأكل شيئاً إلا ما أطعمه اللصوص إلى أن بلغ وقوي صار لصاً، ثم لم يزل يتلصص ويأكل ما تلصصه إلى أن مات، فإن الله لم يرزقه شيئاً إذ لم يملكه، وإنه يموت ولم يأكل من رزق الله شيئاً.
وهذا فاسد، والدليل عليه أن الرزق لو كان بمعنى التمليك لوجب ألا يكون الطفل مرزوقاً، ولا البهائم التي ترتع في الصحراء، ولا السخال من البهائم، لأن لبن أمهاتها ملك لصاحبها دون السخال.
ولما اجتمعت الأمة على أن الطفل والسخال والبهائم مرزوقون، وأن الله تعالى يرزقهم من كونهم غير مالكين علم أن الرزق هو الغذاء، ولأن الأمة مجمعة على أن العبيد والإماء مرزوقون، وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين، فعلم أن الرزق ما قلناه لا ما قالوه. والذي يدل على أنه لا رازق سواه قوله الحق: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ. وقال: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ. وقال: وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها. وهذا قاطع... إلا أن الشيء إذا كان مأذوناً له في تناوله فهو حلال حكماً، وما كان منه غير مأذون له في تناوله فهو حرام حكماً، وجميع ذلك رزق.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في هذا الموضوع كلام نفيس يحسن إيراده هنا، فقال رحمه الله في مجموع الفتاوى: والرزق يراد به شيئان:
أحدهما: ما ينتفع به العبد، والثاني: ما يملكه العبد فهذا الثاني هو المذكور في قوله (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)، وقوله (أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم)، وهذا هو الحلال الذي ملكه الله إياه، وأما الأول فهو المذكور في قوله (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها)، وقوله (إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها) ونحو ذلك، والعبد قد يأكل الحلال والحرام فهو رزق بهذا الاعتبار لا بالاعتبار الثاني، وما اكتسبه ولم ينتفع به هو رزق بالاعتبار الثاني دون الأول.
وقال العلامة محمد السفاريني في منظومته: الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية:
والرزق ما ينفع من حلال**** أو ضده فحل عن المحال
لأنه رازق كل الخلق**** وليس مخلوق بغير رزق
ومن يمت بقتله من البشر**** أو غيره فبالقضاء والقدر
ولم يفت من رزقه ولا الأجل**** شيء فدع أهل الضلال والخطل
والله أعلم. 
المصدر


مواضيع مشابهة أو ذات علاقة بالموضوع :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..