الأحد، 26 فبراير 2017

من قتل فينا روح الإنسان

   هي أحد مشاهد القصص التي ستبقى طويلاً ويصعب أن ترحل بسهولة من ركن الأحزان بالذاكرة: كان المطر ينبت من الأرض مثل الشلال الهادر مثلما كنت أحس بأن السحب من فوق قد ثقبت بوابل من الصواريخ.
كنت صدفة بالشارع الواسع على السور الغربي لمشفى المدينة وأنا ألمح وابل الرصاص المطري الهائل يحاصر هاتين (العباءتين) في هذا العراء المخيف. وقفت. كانتا تحاولان جمع ما استطاعتا من ركام أسرة منتجة.
كانت الأم تضع قرصان الخبز تحت عباءة غارقة في الوحل في ساعة ذابت فيها الصخور، ويأبى الفقر والحاجة أن يذوب الخبز، ليس من المروءة أن أهرب بعد أن امتلأت عيناي بدقيقة هذه المأساة لأم وابنتها، وليس من الشجاعة في المقابل أن تغامر لنجدة نساء في شكوك هذا المجتمع.
يا إلهي كيف وصلنا إلى هذا الانحدار الأخلاقي الذي تكون فيه نجدة أم غريبة أشبه بالمغامرة. رميت شماغي ونزلت، كنت حولهما وكأننا نسبح فى بحيرة مثلجة، وحدنا نحن الثلاثة. كان الرعب من نزولي إليهما أضعاف رعب المطر التاريخي، أفتح باب سيارتي الخلفي كانت الأم وبنظرة الإنسان تهم أن تركب السيارة لولا صراخ ابنتها لا . لا . لا . يا أمي نحن لا نعرفه.
ترتبك الأم ما بين الثقة وما بين الخوف. تعود للخلف تحت شلالات المطر، تسحبها ابنتها إلى مكان بعيدا يقاومان المطر بالحركة ويقاومان إصراري بالصراخ.
كنت معهما أشد عقوبة وهلعا من هذه الدقائق المخيفة العاصفة، هدأت هذه الحمامة الصغرى بعد أن اطمأنت لقولي (يا بنتي) إليها ما أظنه ألف مرة.
فجأة وضعت مفتاح سيارتي في يد الأم: اركبا واقفلا عليكما واتركاني هنا بالخارج حتى إشعار جديد من المطر، هي دقيقة واحدة ثم دبت فيهما شفقة الإنسان نفسه التي كانت بداخلي قبل أن نتبادل الأماكن، فتحت الأم الباب لتقول لي اركب السيارة، كانت تقبض على المفتاح بشدة وهي تقول (ترى بنتي في وجه الله ثم مربوطة في كل شعرة من لحية أبيك)، مع هذه الجملة المؤلمة شعرت أن جلدي ينسلخ من فوق كل عضلة أو عظم من جسدي النحيل.
شعرت أن شعر رأسي -وكل شعرة فيه- يتحول إلى صاعق كهربائي في الطريق إلى الحي الشعبي بقلب المدينة، كنت أجتهد كي لا أغلط في متر واحد عن أقصر طريق حتى لا تدب فيهما مشاعر الخوف، كانت البنت تقول لأمها بصوت مرتفع (ماذا لو سحبنا السيل مع هذا الغريب وماذا سنقول للناس)، كأنها تتحدث عن الفضيحة بعد الموت.
وصلنا المنزل وانتهت القصة، لكن القصة الكبرى هي هذا الانهيار الأخلاقي الذي قتل فينا كل لحظة مروءة، وكل عامل ثقة، كنت معهن مثل الابن مع الأم، وأيضا في عمر الأب مع هذه البنت، كانت لحية والدي -رحمه الله- أمامي في كل ثانية من هذا المشوار القصير، من وقع جملة الأم التي لن أنساها ما تبقى لي من الحياة.
علي سعد الموسى
آخر تحديث: الأحد 26 فبراير 2017, 2:22 ص

....
مواضيع مشابهة أو ذات علاقة بالموضوع :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..