الخميس، 6 يناير 2022

"قبل تنحي الشيخ ". سطور في فضيلة الشيخ صالح اللحيدان رحمه الله

رجل من التقاة الصالحين ، نحسبه والله حسيبه 
لم يؤذن المؤذن يوماً إلا وهو في موضع صلاته في المسجد .
بعض القضاة يقول لانعلم التبكير للصلاة وانتظارها إلا عند مراجعتنا للشيخ صالح وقت رئاسته للمجلس ، كونهم يسارعونه الخطى لعرض حاجاتهم وطلباتهم في الطريق للمسجد الذي لم يكن قريباً في المسافة .
لم يتخذ مصلى في موضع عمله - كما قد يفعله البعض - ولم يصل مستتراً ببعض الأفراد كما يظنه البعض من لوازم المهنة .
يقف الجميع صباحاً عند تمام السابعة والنصف منتظرين قيام سماحته بإدخال يده في جيبه لإخراج مفتاح المكتب الذي يدار منه القضاء السعودي بالكامل .
فيدخل القاضي طالباً  لسماحته بالنظر في طلبه النقل ،ويدخل المراجع (مواطناً أو مقيماً) طالباً النظر في موضوع شكواه ضد خصم أو ضد قاض ، وبين هذا وذاك يدخل وزير وأمير ووجيه للسلام على سماحته وسؤال الله له الإعانة، ويُختم دخول المراجعين بمحتسبين حضروا لإحاطة الشيخ بمنكر وقع هنا أو هناك ويتطلب الأمر مراجعة ومناصحة جهة حكومية أو إحاطة ولاة الأمر لدفع ذلك المنكر .
حدثني أحد القضاة أنه دخل على سماحته طالباً تمديد إجازة ليتعافى من حادث مروري وقع عليه فسأل الشيخ عن أحوال القاضي فأجابه بمايُستر به الحال فأكثر الشيخ من التدقيق في السؤال ليصل إلى نتيجة بأن القاضي في حاجة شديدة لسيارة تُقِلّه بعدما تلفت سيارته بالكامل في حادث مروّع أُدين فيه الطرف الثاني بنسبة مائة بالمائة ليتفاجأ القاضي بأنه لم يكن سؤال الشيخ ليطمئنّ إلى إجازة سيوافق له عليها بل فاجأه بقيامه بالاتصال أمامه بوكالة للسيارات وعمّدهم بصرف سيارة له لاتقل قيمتها عن مائة وأربعين ألف ريال فما كان من القاضي إلا أن اغرورقت عيناه بالدموع ليس فرحاً بالسيارة وإنما حمداً لله أن رُزِقَ الجهاز القضائي بقامةٍ عظيمة بحجم سماحة الشيخ الذي كان يسوس الناس تارة بالحزم وتارة باللين على حد قول الشاعر: 
فقسى ليزدجروا ومن يك حازماً    فليقس أحياناً على من يرحم 

حدثني أحد القضاة الثقاة أنه ألمّ به مانع نفسي حال بينه وبين الفهم والتركيز - رغم تميّز القاضي ونباهته - يقول فعرضت أمري وما آل إليه حالي على سماحة الشيخ وأدركتني رقةٌ وضعفٌ وأنا أتكلم عن نفسي فما تمالكت نفسي إلا وعيناي تهملان وكنت مطرقاً رأسي فسكت برهةً ولم يعلّق الشيخ أو يطلب مني الإنصراف فلما وضعت عيني بعينه وإذا به متأثرٌ تماماً لحالي وقد أطرق رأسه داعياً لي ، فواساني كثيراً وقال اذهب وأكثر من الدعاء والصلاة والعبادة واسلك طريق الأطباء الناصحين وسأكفيك موضوع الإجازة وسأكلم لك رئيس المحكمة حتى تحسن حالك .

أذكر أن سماحته حضر في أحد المناسبات القضائية وكانت البنية القضائية تتجه للتخصيص فكان من ضمن مطالب القضاة أن يتم منحهم إجازة طويلة أسوة بجميع قضاة العالم فكان جواب سماحته مشفقاً حينما قال : ولكنّ قضاة العالم فاتهم ماميّزكم به قاضي العباد سبحانه بالأجر حال الاحتساب وكونكم حال عملكم تتلبسون بالعبادة ، ألم تروا أن بعض أهل العلم أجازوا القضاء داخل المسجد كونه من جنس العبادة ، وأحمد ربي فلي مايزيد على اثنين وخمسين عاماً لم أتمتع بإجازة اعتيادية ولايوماً واحداً .

كان سماحة الشيخ يأتي في رمضان موجهاً للناس في المسجد الحرام وتُعرض عليه المعاملات وهو في مكة ليقوم بالتوجيه عليها .

حدثني أحد المسؤولين بأن سماحة الشيخ كان يراجع مستشفى التخصصي بالرياض لإجراء الفحوصات والتحاليل وكانت الفترة بين التحليل والدخول على الطبيب تقارب الساعتين فكان يذهب لمكتبه ثم يعود في الموعد ، فبادرنا من تلقاء أنفسنا بالعرض على الشيخ بأن يبقى في مكتب أحدنا في المشفى لحين موعد الدخول على الطبيب فوافق وكنا نظنه سيجلس لشرب القهوة والشاي والإفطار وتفاجأنا بأكوام من أكياس (الخيش ) المعاملات تُفتح بين يديه ويقوم بدراستها والشرح عليها ، أُصبنا حينها بالذهول وأدركنا حينها كيف استطاع أن يدير الجهاز القضائي لوحده .

حدثني أحد المشايخ الفضلاء نقلاً عن قريبٍ له من كبار الوزراء من أصحاب الحظوة المقربة للملك فهد -رحمه الله - أنه عُرض على الملك فهد عرضاً يقضي بإعادة المعاملة لمجلس القضاء لمحاولة صلح في قضية دم تضيفت للتنفيذ بإصدار الأمر السامي فرفض الملك وتضايق وقال:( مايصل إلينا من الشيخ صالح فلا نراجعه فيه وهو أدرى بما يمكن فيه المراجعة). يقول الوزير : وسمعت حينها ثناءً عاطراً من الملك على الشيخ صالح جعلني أتمنى في داخلة نفسي أن يكون لي من الحظوة والقبول عند الملك كما للشيخ صالح .

حدثني أحد مشايخنا الكبار في هيئة كبار العلماء قائلاً: افتقدنا الشيخ صالح في الجلسة الأخيرة حتى كأن الهيئة لم تنعقد، ولأول مرة منذ بدأنا المشاركة في الهيئة لسنين طويلة نفتقد سماحته، وقد كان ملأ السمع والبصر في الهيئة وقد كان سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله لايقدم رأي أحدٍ على رأي الشيخ صالح ولاغرو في ذلك فقد امتزجت لدى الشيخ الملكة العلمية مع التطبيق القضائي والذي فاق فيه كثير من علماء التأصيل النظري المجرّد ، وقد أدرك سماحة المفتي الشيخ عبدالعزيز ال الشيخ ذلك الفقد فصرّح للجميع بما سبق أن كنّته الضمائر من حبٍ للشيخ صالح وكونه من العلماء الراسخين الصالحين الذي له عند المسلمين قدم صدق وسأل الله له الصحة والعافية .

أُحيط القضاء في عهد سماحته بسياجٍ من الهيبة والحفظ قلَّ له نظيرُ فيما بعده ، فلم يكن سماحته يقبل مخاصمة الجهات الإدارية أو الشخصيات النافذة للقاضي ، بل كان يصرّح بحفظ جناب القضاة واحترام هيبتهم في مكاتباته الخاصة والعامة وشواهد ذلك كثيرة جداً مما سمعه وتسامعه الخاصة والعامة في ذلك .

رحل سماحة الشيخ صالح عن القضاء في بداية ربيع الأول من عام ١٤٣٠وكان ذلك اليوم مهاباً عند القضاة لافتقار وجدانهم للجواب عن السؤال الكبير : هل سيسدُّ أحدٌ مسدَّ سماحته في كرسي القضاء على نحو تتحقق فيه شخصية سماحته في الحزم وحسن الإدارة والأمانة والتقى والورع .

ختاماً/ أسأل الله أن يجعل مانزل بالشيخ صالح من بلاء رافعاً لدرجاته ومكفراً لخطاياه [..] وأن يجزيه عنا وعن الإسلام والمسلمين كل خير .

    كتبها:  محمد بن سليمان الفعيم 
القاضي ووكيل وزارة العدل للشؤون القضائية سابقاً


إضافة
وفاة الشيخ صالح اللحيدان عن عمر يناهز 90 عاماً
انتقل إلى رحمة الله تعالى فجر اليوم الأربعاء 2 جمادى الثاني1443هـ  يوافق 5 يناير 2022، العلامة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، والرئيس السابق لمجلس القضاء الأعلى، عن عمر يناهز 90 عاما، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

وكان الشيخ الراحل قد تعرض لأزمة صحية منتصف الشهر الماضي نقل على إثرها إلى العناية المركزة في إحدى مستشفيات العاصمة الرياض.

ولد الشيخ صالح اللحيدان، في مدينة البكيرية في منطقة القصيم عام 1931، وتخرج في كلية الشريعة بالرياض عام 1959. وارتبط اسمه بالقضاء السعودي، حيث عمل رئيسا للمحكمة العامة بالرياض وعضوا في الهيئة القضائية العليا، قبل أن يتولى رئاسة الهيئة الدائمة في مجلس القضاء الأعلى عام 1982.

وفي عام 1992 أصبح رئيسا للمجلس في الهيئة العامة والدائمة، وهو أيضا عضو في هيئة كبار العلماء منذ انشائها عام 1971.


--------------------
مواضيع مشابهة او ذات صلة:

سيرة الشيخ العلامة فقيد الأمة :صالح بن محمد اللحيدان رحمه الله .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..