الأربعاء، 29 يونيو 2022

تحرير القول الراجح في مسألة الأخذ من الشعر والأظافر لمن أراد ان يضحي

=ملخص وتفصيل=
*الملخص*: 
عدم جواز الأخذ من الشعر والبشرة لمن أراد أن يضحّي، لأن حديث أم سلمة صريح صحيح في التحريم، وأما حديث عائشة فإنه خاص في الإهداء لبيت الله الحرام وليس في الأضحية.
والعمل بنص حديث أم سلمة واجب.

*التفصيل*:
عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 
(إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئا). 
وفي لفظ عند مسلم وغيره:
(من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي). 
وفي لفظ عند مسلم وغيره:((فلا يأخذن شعرا ولا يقلمن ظفراً ). 

أولاً: تخريج الحديث: 
أخرجه مسلم (1977)، والشافعي في "المسند"(1/160ـ ترتيب السندي)، والحميدي (293)، وأحمد(6/289،301،311)، والدارمي(1953)، وأبوداود(2791)، والترمذي(1523)، والنسائي في "الكبرى"(3/52)و"المجتبى"(7/211،212)، وابن ماجه (3149)و(3150)، وأبويعلى(6910)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (4/181)، وفي"شرح مشكل الآثار" (5506)و(5510)و(5512)و (5513)، وابن حبان(5897)و(5916)، والطبراني في "الكبير"(23/رقم:563و565)، والدارقطني(4/278)، وأبوعوانة(5/59)، والحاكم(4/220)، والبيهقي في "الكبرى"(9/266)و"فضائل الأوقات"(214)و"الشعب"(479-480)، والبغوي في"شرح السنة"(1127) جميعهم من طرق عن سعيد بن المسيب ،عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ به. 

ثانياً: فقه الحديث : 
ظاهر الحديث يفيد النهي عن أخذ شيء من الشعر أو الظفر أو البشرة لمن أراد أن يضحي من دخول شهر ذي الحجة حتى يضحي، فإن دخل العشر وهو لايريد الأضحية ثم أرادها في أثناء العشر أمسك عن أخذ ذلك منذ إرادته ولايضره ما أخذ قبل إرادته. 

ثالثاً: الأقوال في المسألة:
اختلف العلماء في هذا النهي على ثلاثة أقوال: 
*القول الأول*:
أنه يحرم عليه ذلك، حكاه ابن المنذر عن سعيد بن المسيب وأحمد وإسحاق، وهو قول بعض أصحاب الشافعي وأحمد ونصره ابن قدامة، واستدلوا بهذا الحديث، وقالوا : إن مقتضى هذا النهي هو التحريم.
قال البهوتي ـ رحمه الله ـ في "كشاف القناع": (ومن أراد التضحية) أي: ذبح الأضحية (فدخل العشر، حرم عليه وعلى من يضحى عنه أخذ شيء من شعره وظفره وبشرته إلى الذبح). لحديث أم سلمة مرفوعاً: "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي" رواه مسلم.
وفي رواية له: "ولا من بشره". إلى أن قال: (فإن فعل) أي: أخذ شيئاً من شعره أو ظفره أو بشرته (تاب) إلى الله تعالى، لوجوب التوبة من كل ذنب. قلت: وهذا إذا كان لغير ضرورة، وإلا فلا إثم " اهـ.

*القول الثاني*:
انه مكروه كراهة تنزيه، وهو قول الشافعي وهو المذهب عند الشافعية كما حكاه النووي، ومالك في رواية، وهو قول بعض أصحاب أحمد.
وقد استدلوا على ذلك بحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت:
(كنت افتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقلدها بيده، ثم يبعث بها، ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي)
أخرجه البخاري(1703)، ومسلم(1321). 
قال الإمام الشافعي: "البعث بالهدي اكثر من إرادة التضحية فدل أنه لا يحرم ذلك وحمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه".

*القول الثالث*:
انه لا يكره، وهو قول أبي حنيفة ومالك في رواية. 
قال الإمام أبو حنيفة: " لأنه لا يحرم عليه الوطء واللباس فلا يكره له حلق الشعر وتقليم الأظفار كما لو لم يرد أن يضحي".

رابعاً: مناقشة الأقوال: 
وقد أجاب أصحاب القول الأول عن الاستدلال بحديث أم المؤمنين عائشة ـرضي الله عنهاـ قائلين : 
إن حديث أم سلمة في الأضحية، أما حديث عائشة في الهدي، فلا تعارض بينهما.
ولاحتمال خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، لأن عائشة تخبر عن فعله وأم سلمة تخبر عن قوله، وقد تقرر لدى الأصوليين والفقهاء أن القول مقدم على الفعل، لاحتمال أن يكون فعله خاصاً له.
ويمكن أن يقال: إن حديث عائشة عام، وحديث أم سلمة خاص، والخاص مقدم على العام.
وأما القول الثالث فظاهر الضعف، إذ هو مبني على قياس في مقابلة النص، وهذا القياس فاسد الاعتبار . 
قال ابن قدامة في "المغني": 
"ولنا الحديث المذكور وظاهره التحريم، وهذا يرد القياس، وحديثهم عام وهذا خاص يجب تقديمه وتنزيل العام على ما عدا ما تناوله الحديث الخاص، ولأنه يجب حمل حديثهم على غير ما تناوله له محل النزاع لوجوه منها: 
أن أقل أحوال النهي الكراهة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليفعل ما نهى عنه وإن كان مكروها، قال الله تعالى -اخباراً عن شعيب عليه السلام-: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه}. 
ومنها أن عائشة إنما تعلم ظاهراً ما يباشرها به من المباشرة أو ما يفعله دائماً كاللباس والطيب، أما قص الشعر وتقليم الأظفار مما لا يفعله في الأيام إلا مرة فالظاهر أنها لا ترده بخبرها، فإن احتمل إرادته فهو احتمال بعيد وما كان هكذا فاحتمال تخصيصه قريب فيكفي فيه أدنى دليل، وخبرنا دليل قوي فكان أولى بالتخصيص . 
إذا ثبت هذا فإنه يترك قطع الشعر وتقليم الأظفار، فإن فعل استغفر الله ولا فدية عليه إجماعاً سواء فعله عمداً أو ناسياً " اهـ . 

خامساً: الترجيح بين الأقوال:
يتضح أن القول الأول –وهو تحريم أخذ شيء من الشعر أو الأظافر– هو القول الراجح.

سادساً: سبب الترجيح:
١- لأن حديث أم سلمة صحيح صريح.
٢- لأن صيغة النهي مؤكدة بالنون في رواية مسلم وغيرها كما تقدم بيانه. 
٣-أن حديث عائشة ((كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقلدها بيده ، ثم يبعث بها ، ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي))
هذا الحديث ظاهر أنه في إهدائه عليه الصلاة والسلام للبيت وليس للأضحية.

*من أراد الأخذ من شعره أو ظفره فليبادر قبل دخول العشر.*

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..