الأحد، 5 فبراير 2023

الابن البار ... ابيات وقصة لاتخلو من غصه

    قبل أربعين سنة تقريباً أخبرني الطبيب بأن أيامي باتت معدودة ، فكتبت وصيتي لولدي صالح - رحمه الله - في قصيدة شعرية مطلعها :
*************************
سلمتك الرأية البيضاء يا بطلُ
حملاً ثقيلاً وحزناً ليس ينفصلُ

سامح أباك إذا جَن الظلامُ بكم
ذكرتموني فغرب الدّمع ينهملُ

وما تركتُ لكم مالاً ولا نشباً
لكن على الله فلتسعوا وتتكلوا
*************************
وهاهو صالح بعد حوالي أربعين سنة تقريباً يعيد لي الرأية جذعة ثم يرحل .

كان صالح يترقّبُ كل مساء خميس بفرحٍ غامر !!
لعلمه بأن أخوانه وأخواته سيجتمعون بأبيهم وأمهم في بيتهم الثاني .
يتكفّل هو بدفع جميع تكاليف العشاء ولا يسمح لأحد أن يشاركه في الدفع .

إذا ذهب إلى الحلقة فإنه يشتري من الخضار والفواكه ما يكفي الجميع وكثيرا ما تلومه أمه بحجة عدم اتساع الثلاجات لكل تلك المقاضي فيقول :
أنا حسبت حساب أخواني وأخواتي وزّعيها عليهم يا أمي .

جميع احتياجاتي وحاجات أمه بل وكثيرا من حاجات بيتنا يحضرها لنا صالح من دون أن نطلب منه ذلك .

أما إذا طلبت منه أمراً ما لصالح الجميع ، فقلت له هيّا يا صالح قال أبشر يا أبي ، ثم قال لإخوانه هيّا ، يهبّون جميعا بطيب خاطر ولا يترددون أبداً .

صالح له أيادٍ بيضاء على الجميع لذلك أحبه واحترمه الجميع .
ولولم يكن لصالح من الأيادي البيضاء إلا علاجنا على حسابه في مركز الخطوط لكفانا منه ذلك .

وله خبايا في أعمال الخير لا يعلمها إلا الله ، لم يبح بها لأحدٍ غيري إلا قبل أيام قليلة من وفاته :
أراني صورة لعمارة للأرامل والأيتام وقال أنا مشارك في بنائها ، اللهم اجعل ثوابها لك ولأمي وجدي وجدتي .

اتفق مع إحدى الشركات لتزويد المساجد المجاورة بالماء وغيرها من المستلزمات.

كثيراً ما يحث الجميع على الصدقة ولو بالقليل شهرياً على المحتاجين .

اختار الاستمرار في عمله على الحصول على الشيك الذهبي قائلاً أبي وأمي سيحرمان من العلاج على حساب التأمين إن أخذت الشيك الذهبي .

رحل عنا صالح وهو ما يزال أخضر الأوراق ، لقد اختاره الله إلى جواره 
( وَالمَوْتُ نَقَّادٌ عَلى كَفِّهِ
جَواهِرٌ يَخْتارُ مِنْها الجِيادْ 

وَالمَرْءُ كَالظِّلِّ وَلا بُدَّ أنْ 
يَزولَ ذاكَ الظِّلُّ بَعْدَ امْتِدادْ)
على صالح وأمثاله فلتبكِ البواكي .

أشهد بالله لقد قام إخوانه وأخواته وأبناؤه وأهله وفي مقدمتهم أم صالح ، قاموا جميعاً بواجبهم تجاه صالح : فتوزعوا خدمته بينهم ليلا ونهاراً مدة تزيد عن أربع سنين من معاناته رغم بعد المسافة إلى مستشفى الحرس الوطني ، 

اللهم إنه نزل بجوارك ، اللهم آمن روعته وسكّن وحشته وثبته عند السؤال واجعل قبره روضة من رياض الجنة .

اللهم اجعل ما أصابه وما قدّمه شفيعان له لإلحاقه بركب الصالحين من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا . اللهم آمين .

وصلى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وتابعيه ومن اقتفى أثره واتبع سنته إلى يوم الدين .
  
والده : عبد الرزاق بن صالح

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..