الخميس، 13 أبريل 2023

خُلُق الإحسان

قال سبحانه في محكم التنزيل  : {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: ٧]
🔸 خُلُق الإحسان 🔸 
🟡 مفهوم الإحسان
الإحْسَان لغةً:
الإحْسَان ضِدُّ الإساءة. مصدر أحسن، أي: جاء بفعل حسن. ((الفروق اللغوية)) للعسكري (١٩٣/١).

الإحْسَان اصطلاحًا:
الإحْسَان نوعان:
- إحسان في عبادة الخالق:
بأن يعبد الله كأنَّه يراه، فإن لم يكن يراه فإنَّ الله يراه، وهو الجِدُّ في القيام بحقوق الله على وجه النُّصح، والتَّكميل لها.
- وإحسانٌ في حقوق الخَلْق: هو بذل جميع المنافع مِن أيِّ نوعٍ كان، لأيِّ مخلوق يكون، ولكنَّه يتفاوت بتفاوت المحْسَن إليهم، وحقِّهم ومقامهم، وبحسب الإحْسَان، وعظم موقعه، وعظيم نفعه، وبحسب إيمان المحْسِن وإخلاصه، والسَّبب الدَّاعي له إلى ذلك). ((بهجة قلوب الأبرار)) للسعدي (٢٠٤- ٢٠٦).

وقال الراغب -رحمه الله-: (الإحسان على وجهين: أحدهما: الإنعام على الغير، والثاني: إحسان في فعله، وذلك إذا علم علمًا حسنًا أو عمل عملًا حسنًا). ((المفردات)) (ص ٢٣٦).

🟡 مكانة الإحسان وفضله:

الإحسان من أفضل منازل العبوديَّة؛ بل هو حقيقتها ولُبُّها وروحها وأساسها، وهو أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
يقول ابن القيم -رحمه الله- في كتابه (مدارج السالكين): (منزلة الإحسان هي لُبُّ الإيمان وروحه وكماله). مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن قيم الجوزية، (٢/ ٤٢٦).

فهو لُبُّ الإيمان، وروح الإسلام، وكمال الشَّريعة، وهو يدخل في سائر الأقوال والأفعال والأحوال، وأعظم درجات الإحسانِ: الإحسانُ مع الله جل وعلا، ثم إحسان المرء مع نفسه وأهله وسائر المخلوقات، حتى يشمل البهائم والعجماوات، ففي صحيح مسلم عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». أخرجه مسلم (١٩٥٥).
فهل من المعقول لمن يحسن في الذَّبح ألَّا يحسن في الحياة؟ حقًّا إنَّه مثال لا يخطر على البال.
فأنت مأمور بالإحسان في كلِّ صغيرة وفي كلِّ كبيرة؛ في كلِّ قول وفي كلِّ فعل، في كلِّ أخذ وفي كلِّ عطاء.

🟡 الإحسان صفة من صفات الله عزَّ وجلَّ:

فهو سبحانه المحسنُ في خَلْقه، المحسن إلى مخلوقاته، بيده الخير كله، وله يُنسَب الفضل كلُّه، هو الذي خلق الخلق فأحسنه وجمَّله وأبدعه على غير مثال سابق؛ قال سبحانه وتعالى عن نفسه: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٦ - ٩].

وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤].

وقال سبحانه: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨].

وهو سبحانه المُحسِن المُنعِم على عباده؛ فقد أنعم سبحانه على العباد وأحسن إليهم بنعم لا تُعَدُّ ولا تُحصى، ومن أعظم أنواع الإحسان والبر أن يحسن سبحانه إلى مَن أساء، ويعفو عمَّن ظلم، ويغفر لمَن أذنب، ويتوب على مَن تاب إليه، ويقبل عذر مَن اعتذر إليه، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥].

فأيُّ إحسان إلَّا إحسانه، وأيُّ إنعام إلَّا إنعامه، وأيُّ كرم إلَّا كرمه، وأيُّ جود إلَّا جوده، وأيُّ فضل إلَّا فضله، وأيُّ لُطف إلَّا لُطفه، وأيُّ عطاء إلَّا عطاؤه، وأيُّ بِرٍّ إلَّا بره، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.

🟡 صور لخُلُق الإحسان

١) الإحسان في العبادة:

أعظم شيء على المسلم أن يُحسنه ويتقنه: عبادتُه لربِّه، أن يأتي بها على الوجه المشروع دون زيادة ولا نقصان، أن يتقن صلاته وزكاته وحجَّه وصيامه، أن يُحسن في كلِّ قول أو عمل يتقرَّب به إلى ربِّه سبحانه.
والطَّريق إلى ذلك هو ما بيَّنه النبيُّ ﷺ في جوابه عن سؤال جبريل عليه السَّلام، حين سأله: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩).
«أن تعبد الله كأنك تراه»: أن تُحسن عملك الذي أمرك به ربُّك سبحانه، كأنَّك تراه وهو ينظر إليك؛ فتكون حاضر الذِّهن، فارغَ النَّفس، مستجمع القلب، كما لو كنتَ تشاهد ربَّك سبحانه، فتستحضر عظمته، وجلاله، وكماله، وجماله، وتستحضر أنَّك في حاجة إلى رحمته ومغفرته ورضوانه.
«فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، أي: فإن لم تستطع أن تبلغ بعبادتك إلى مستوى مَن يعبد الله كأنَّه يراه؛ فاعبد الله وأنت على يقين أنَّه مطلع عليك ناظر إليك، فاستحضر مراقبة ربِّك في كلِّ ما تقول وتعمل، وتذَكَّرْ دائمًا أنَّه يراك.

٢) الإحسان في القول والعمل:

ما مِن قول أو عمل يقوم به المسلم إلَّا ويجب عليه أن يحسنه ويتقنه، سواء كان ذلك في العبادات والطَّاعات، أو في أمور الحياة؛ لقوله ﷺ: «إنَّ الله كتب الإحسان على كلِّ شيء»، إذ ما مِن أمر في حياة العباد إلَّا ولله فيه حكم وشرع، قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣].
فالإحسان واجب في كلِّ شيء؛ في الأقوال والأفعال والأخلاق، والمعاملات... والفساد منهي عنه في كلِّ شيء، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠].

٣) الإحسان إلى الخَلْق:

الإحسان إلى العباد؛ بحسن الخُلُق، وصِدْق التَّعامُل، وبذل النَّصيحة، وتفريج الكُربة، وإعانة الضَّعيف، وإغاثة الملهوف، وإطعام الجائع، والتَّصدُّق على المحتاج، وإرشاد التَّائه، وتعليم الجاهل، والتَّيسير على المُعسِر، والإصلاح بين النَّاس... إلى غير ذلك من أخلاق الإسلام الرفيعة، وآدابه العظيمة.

٤) أحسِن إلى والديك:

ببرِّهما وطاعتهما في المعروف، بإيصال الخير إليهما، وكفِّ الأذى عنهما، بالدُّعاء والاستغفار لهما في حياتهما وبعد موتهما، أحسن إليهما في نظرة العين، ونبرة الصَّوت وابتسامة الوجه... احفَظ فيهما وصيَّة ربِّك سبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨].
روى مسلم في صحيحه عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رضي الله عنهما- قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، أَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنَ اللهِ، قَالَ: «فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟» قَالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلَاهُمَا. قَالَ: «فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنَ اللهِ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا». أخرجه مسلم (٢٥٤٩).

٥) أحسِن إلى الأقارب والأصحاب وإلى الجار والمحتاج:

قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ٣٦، ٣٧].
روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ -رضي الله عنه-، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ». أخرجه مسلم (٤٨).

٦) أحسِن إلى النَّاس كلِّهم:

بحُسن معاملتهم، بالوفاء والصِّدق والعدل، بأمرهم بالمعروف إن تركوه، ونهيهم عن المنكر إن فعلوه، بإرشاد ضالهم، وتعليم جاهلهم، والاعتراف بحقوقهم، بعدم ارتكاب ما يضرُّهم، أو فعل ما يُؤذِيهم، عامِلهم بما تحبُّ أن يعاملوك به.
عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ». أخرجه الحاكم (١٧٨)، والترمذي (١٩٨٧)، وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

٧) أحسِن ولو أساء النَّاس إليك:

فمَن أساء إليك من النَّاس فقابل إساءته بالإحسان إليه، مَن قطعك فصِلْهُ.. ومَن ظلمك فاعفُ عنه.. ومَن حرَمَك فامنحْهُ.. ومَن هجرك فبادره بالسَّلام...
ولا يستوي عند الله ولا عند الخَلْق فعلُ الحسنات والطَّاعات التي يحبُّها الله، وفعل السَّيئات والمعاصي التي يُبغِضها الله، كما لا يستوي الإحسان إلى الخَلْق ولا الإساءة إليهم.
﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤].

أحاسنكم أخلاقا
خطوة
https://t.me/khotwaah

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..