الأربعاء، 1 أكتوبر 2025

💢 المساهمة الأصلية في الجريمة: الحقيقة الخفية وراء الأدوار!!

      ليست الجريمة في جوهرها ضربةَ يدٍ واحدة، بل كثيرًا ما تكون ثمرةَ عقولٍ اجتمعت، وإراداتٍ تلاقت، فصاغت في الخفاء مشروعًا آثمًا، ودفعت به إلى حيّز الوجود. وحين يقع الفعل، يطفو على السطح سؤال العدالة الأوحد: من هو الفاعل؟ ومن هو الشريك؟ ومن هو المتستر الذي أدار ظهره، فكان صمته جسرًا عبرت عليه الجريمة حتى اكتملت؟

لقد كشف التأصيل القانوني للمساهمة الأصلية أن العدالة لا تقوم على الظاهر وحده، ولا على اليد التي باشرت الفعل فحسب، بل على كل إرادة أسهمت، وعلى كل موقف منح الجريمة حياة. فالفاعل الأصلي هو من باشر التنفيذ وأعطى الجريمة جسدها المادي، والفاعل المعنوي هو من صنع الأداة البشرية ودفعها إلى التنفيذ فكان الفعل منسوبًا إليه في حقيقته وإن بدا لغيره صادرًا من آخر. أما المحرّض فهو الذي ينفث الشر في صدر غيره، فيزرع الفكرة ويُغذي الإرادة حتى تبلغ أشدها وهنا يتولد مفهوم تتبع العناصر وكشف الأطراف.

لكن المساهمة لا تتوقف عند هؤلاء، فهناك من يختار الصمت، صمتًا ليس بريئًا ولا عابرًا، بل صمتًا يصنع الفرق. فالعلم وحده لا يُرتّب المسؤولية بالضرورة، أما العلم المقرون بالقدرة على التبليغ أو التدخل، ثم السكوت عن عمد، فإنه يتحول إلى مشاركة خفية لا تقل أثرًا عن التنفيذ المباشر. إن التستر جريمة في ذاته، لأنه يمدّ المشروع الإجرامي بزاد البقاء، ويترك للفاعل ساحةً آمنة لإتمام فعله، فيصبح الصامت شريكًا بحجمه وإن لم تُلطخ يداه.

وبناءً على ذلك، يرتبط تقدير العقوبة الملائمة مباشرة بدور كل مشارك. فالفاعل الأصلي يتحمل النصيب الأكبر من العقوبة لكونه قام بالفعل المادي الأساسي، بينما يُقدّر نصيب الشريك بحسب حجم المساعدة أو التسهيل الذي قدمه، والمحرّض بحسب قوة تأثيره في إرادة الآخرين. أما المتستر أو الممتنع عن الإبلاغ، فيُقدّر دوره العقابي بناءً على مدى تأثير سكوته في استمرار الجريمة وقدرته على وقفها. بهذه المعادلة، تتحقق العدالة، ويُربط وزن المسؤولية بالمساهمة الحقيقية، فلا يُحاسَب أحد على ما لم يفعله، وفي الوقت نفسه لا يفلت المتستر من العقاب.

وهنا تتجلى عظمة التمييز بين المراكز القانونية، فهو ليس تقسيمًا فقهيًا جافًا، بل عدالة تتنزل في صورة قانون. لا مساواة بين من خطط وأدار، ومن نُفِّذ عليه أو انساق؛ ولا إعفاء لمن علم وسكت، لأن السكوت أحيانًا جريمة أفصح من الكلام. فالعدالة الجنائية لا تُبنى على مجرد الحضور، بل على الدور، ولا على الاسم، بل على الأثر.

وهكذا، فإن المساهمة الأصلية في الجريمة ليست مجرد مصطلح قانوني، وإنما هي مرآة تكشف حقيقة الأفعال الخفية وراء الجريمة، وتزن المسؤوليات بميزان قسط، فكل إنسان يُحاسَب بقدر ما قدّم، لا أكثر ولا أقل. إنها قاعدة تحفظ المجتمع من الفوضى، وتحمي الأفراد من الظلم، وتبقى شاهدًا على أن العدالة الحقة لا تُدرك إلا حين يُفرَّق بين اليد التي قتلت، والعقل الذي خطط، والفم الذي حرّض، واللسان الذي صمت.

المسؤولية على قدر المساهمة، والعدالة على قدر الحقيقة، والجريمة لا يكتمل وجهها إلا بكشف كل شريك في صنعها، ظاهرًا كان أم خفيًا، وتقدير العقوبة يُقاس بدقة كل دور، فلا عقوبة بلا أثر، ولا أثر بلا مسؤولية.

💢 كتبه / مازن المليح.
يوم الثلاثاء بتاريخ 1447/04/08هـ
الموافق2025/09/30م .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..