لم يعد تأخر الزواج وارتفاع تكاليفه قضية تخص الشاب أو الفتاة وحدهما، بل أصبح ظاهرة ذات آثار اقتصادية ممتدة تمس استقرار المجتمع ومستقبله. فعندما يتحول الزواج من مشروع حياة قائم على السكينة والمودة إلى عبء مالي ثقيل، تتعطل واحدة من أهم دوائر الاستدامة الاجتماعية، وهي تكوين الأسر.
اقتصاديًا، تمثل الأسرة المحرّك الأساسي للاستهلاك طويل الأمد. فكل أسرة جديدة تعني طلبًا على السكن، والتعليم، والصحة، والخدمات. وعندما يتأخر تكوين الأسر، ينكمش الطلب تدريجيًا، وتتأثر قطاعات واسعة تعتمد في نموها على الاستقرار الأسري. كما أن انخفاض معدلات الزواج يقود لاحقًا إلى اختلال التوازن بين العاملين والمعالين؛ حيث يقل عدد الداخلين إلى سوق العمل مستقبلًا، مقابل تزايد أعداد كبار السن، وهو خلل لا تظهر تبعاته فورًا، لكنه ينعكس لاحقًا في التوظيف والاستقرار الاقتصادي.
ولتقريب الصورة، يمكن تصور مجتمع متوازن يكون فيه عدد العاملين أكبر من عدد المعالين، فتستقر عجلة العمل والإنفاق. لكن مع استمرار تأخر الزواج وانخفاض الإنجاب، تنقلب المعادلة بعد عقدين تقريبًا، ليصبح عدد المعالين أكبر من عدد العاملين، فتزداد الأعباء الاجتماعية، ويضعف النمو الطبيعي للاقتصاد والمجتمع معًا.
إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال البعد الثقافي والموروث الشعبي. فالمملكة تمتلك موروثًا اجتماعيًا متجذرًا في الزواج والأسرة، يشمل العادات، واللغة، وأنماط التفاعل الأسري، وامتداد العلاقات الاجتماعية. ومع تزايد الزواج من الخارج يومًا بعد يوم، ونتيجة اختلاف الثقافات والبيئات التربوية، يبدأ هذا الموروث بالتأثر تدريجيًا، ثم يتراجع حضوره داخل الأسرة، ومع الزمن قد يحدث نوع من الانسلاخ الثقافي الصامت، لا يُلاحظ في بداياته، لكنه يتراكم عبر الأجيال.
اجتماعيًا، الأسرة ليست مجرد وحدة سكنية، بل حاضنة للقيم، وناقلة للموروث، وصمام أمان نفسي وأخلاقي. ومع تضخم تكاليف الزواج والمبالغة في المظاهر، يُقصى كثير من الشباب القادرين خُلُقًا ومسؤولية، ويُفتح الباب أمام بدائل قد لا تحقق الاستقرار المنشود، ومنها العزوف أو الزواج من الخارج، بما يحمله من تحديات ثقافية وتربوية واقتصادية.
وهنا تأتي مناشدة صادقة للأسر: اتقوا الله في أبنائكم وبناتكم. فقد قال الرسول ﷺ:
«إذا جاءكم من ترضون دينه وخُلُقه فزوّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض». وقال ﷺ: «أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة».
هذه النصوص ليست مواعظ عابرة، بل منهج حياة اقتصادي واجتماعي يضع المسؤولية قبل المظهر، والاستدامة قبل الاستعراض. فالزواج الذي يبدأ بثقل الديون وضغط التكاليف، يهدد استقراره منذ يومه الأول، بينما الزواج القائم على القناعة واليسر، أقدر على البقاء والعطاء.
إعادة الاعتبار للبساطة في الزواج، وتخفيف الأعباء، والنظر إلى المستقبل لا إلى ليلة واحدة، هو حماية للاقتصاد الأسري، وصون للموروث الثقافي، وضمان لاستدامة المجتمع عبر الأجيال.
السبت 27 ديسمبر 2025
- 07 رجب 1447 هـ 
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..