لا يخفى على أحد بأنَّ نِعمَة السّمع مُقَدَّمَة على نِعمَة البصر، وهذه الحقيقة أنزلها رب العالمين على رسولنا
محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم في القرآن الكريم في عِدَّة آيات.ففي الآية 17 من سورة البقرة جاء (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُم لا يَرجِعُون)،
وفي الآية 36 مِن سورة الإسراء جاء (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ)،
وفي الآية 78 من سورة النحل جاء (وجعل لكم السَّمع والأبصار). وقد سألت شقيق والدي العم عبدالله القنيبط (أبو ندى) الذي فَقَدَ بَصَرهُ وهو طفل بسب وباء الجُدَري:
لو خُيِّرت بين السَّمع والبصر، أيُهما تختار !؟
فقال: “بكل تأكيد السَّمع.
لأنَّ فُقدان السَّمع يُفقِدك الإحساس بكُلِّ شيء مِن حَولك، في حين أنَّ البصر يُفقِدك فقط رؤية مَن حَولَك”. رحمهما الله وأسكنهما جَنَّة الفردوس. هذه المُقَدِّمَة ضرورية لموضوع ارتفاع صوت السَّـماعات الداخلية في بعض المساجد. فقد أحسَنَت وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد بقَصر استخدام مُكَبِّرات الصوت خارج المساجد على الآذان والإقامة، وذلك لعَدَم تشويش المساجد على بعضها البعض، وكذلك حماية جيران المساجد مِن الأصوات القوية للسَّماعات الخارجية في الصلوات الجهرية. ومع إلتزام كافة المساجد بهذا التعميم، إلا أنَّ ارتفاع صوت السَّـماعات الداخلية في كثيرٍ مِن المساجد ارتفع بشِدَّة غير معقولة في بعض المساجد. قد يقول قائل إنَّ هذه دعوَة إلى مزيدٍ مِن القيود على أئمة المساجد في أداء مُهِمَّـتهم في إمامة الصلاة. ولكن واقِع الأمر يؤَكِّد أنَّ هذا الموضوع أصبح قضية تَنتَشِر في الكثير الكثير مِن المساجد، وليست حالة فردية في مسجدٍ بعَينهِ. فقد صَلّيت الظُهر بمسجد صغير بحي الوادي بمدينة الرياض، وحين أقام المؤَذِّن الشاب لصلاة الظُهر كادت آذاني أنْ تنفَجِر مِن قوَّة السَّـماعات الداخلية في المسجد، ولم أجرؤ على الحديث مع الإمام بعد الصلاة، خوفاً مِن ردَّة فعله، هداه الله. وتساءلت: كيف سيكون حال المُصلين خلفه في الصلوات الجَهرية، أعانهم الله !! وفي مسجدٍ آخر بحي الملقا في الرياض وَضَع الإمام سماعة داخلية ضخمة جداً أمامَه مُباشرةً لا تبعُد عنه سوى ثلاثة أمتار تقريباً !! وقد يزيد هذا “القائل” بأنَّه لا ضَرَرَ على المُصلين مِن ارتفاع صوت السَّـماعات الداخلية للمساجد. وهذا الكلام مَردُود عليه جُملَةً وتفصيلاً. فأنا، وغيري كثير، أُعاني مِن طَنين في الآذان، الذي في الغالب الأعَمّ لا علاج له إلاّ بالتعايش مَعَه. وقد أجريت فحوصات كثيرة عند طبيب استشاري الأذن وطبيب استشاري الأعصاب، وجميعهم اتفقوا على عدم وجود علاج لطنين الأُذن، وعَلَيَّ التعايش معه وضرورة الابتعاد عن مصادر الأصوات المُزعجة. وهذا ولله الحمد ما أكرمني به، بأنْ تعايشت مع هذا الطنين، الذي أسمَعَهُ، ولكن أُحاوِل جاهِداً أنْ لا أُعير هذا الطنين أي اهتمام أو قَلَق حتى لا تَتَعَقَّد المُشكِلة. ولكن مشكلة طنين الأُذن هذه تتفاقَم حين يكون الجو المحيط بالشخص صاخب جداً. حيث ترتفع حِدَّة طنين الأُذن في حينها، وتستمر هذه الحِدَّة لِعِدَّة ساعات وأحياناً لعِدَّة أيام. ويَشهَد الله أنَّ هذه حقيقة تَحدُث مِعي عند تواجُدي في مكان صاخب جداً، وليست تَظاهُر لتبرير هذا المقال. ولكن الأكثر ألَمَاً، هي حالة الأشخاص الذين يُعانون مِن مشاكل سَمعيّة ويستخدمون سـمَّاعات في آذانهم حينما يُصَلّون في مسجد يكون صوت السَّماعات الداخلية مُرتفع جداً، حيث يكون تأثير الارتفاع الكبير لصوت السَـمَّاعات الداخلية في المسجد عليهم أشدَّ وطأة مما يُعانيه أولائك الذين يُعانون مِن مشكلة طنين الأُذن. المشكلة في حقيقتها تَتَمَثَّل في أنَّ ارتفاع صوت السَّـماعات الداخلية لكثيرٍ مِن المساجد ناتج مِنْ سَـــبَبَين مُتلازمين: الأول تقريب الإمام للاقط (سـمَّاعة الميكرفون) مِن فَمِه حتى يكاد أنْ يَدخُل فَمِه، والثاني رَفع الإمام لوَزن صوت السَّـماعات الداخلية مِن جهاز التحكُّم بالسَّـماعات في المسجد، إضافةً إلى وجود عدد كبير من السماعات داخل المسجد، تجدها غالباً ما تكون موَجَّهَة إلى الأسفل على رؤوس المُصلين، وكأنَّهم يُعانون مِن الصَّمَم!! ولا يخفى على أحد أنَّ توزيع السَّماعات في الأماكن المُغلقة ليس عَمَلاً اعتباطياً. بل هوَ عَمَل عِلمي يخضَع لعِلم الصوتيات. ولكن ما نراه في المساجد هوَ توزيع عشوائي للسماعات الداخلية، حتى أنَّك قد تُشاهِد ثلاث أو أربع سماعات داخلية مُعَلَّقة على كل عمود مِن الأعمدة الخرسانية داخل المسجد وكذلك عدد أكثر من السَّماعات مُعَلَّق على جُدران المسجد من الداخل. ليس هذا فحسب، بل تَجِد جميع السَّماعات الداخلية المُعَلَّقة على أعمدة وجُدران المسجد موَجَّهَة إلى الأسف باتجاه رؤوس المُصلين، وكأنَّ المُصلين يُعانون مِن ضَعفٍ شديد في السَّمع!! المُشكِلة في قِلَّة تجاوب بعض الأئمة مع شكاوى المُصلين بشأن ارتفاع أصوات السَّماعات الداخلية في المسجد، أنَّ الأئمة الأفاضل لا يسمَعون أصواتهم المُرتفعة الخارجة مِن السَّـماعات الداخلية في المسجد أثناء إمامته الصلاة الجهرية !! وقد تتزايد حِدَّة المشكلة حينما يكون صوت الإمام قوياً بدون سـمَّاعات. وهذه الحقيقة تزيد مِن الطين بِلَّه، كما يُقال. والمؤلِم أنَّ بعض الأئمة ــ هداهم الله ــ يُعانِدون أو “يُطَنِّشون” مُلاحظات المأمومين بشأن ارتفاع صوت السَّـماعات بسبب تقريبه اللاقط/الميكروفون مِن فَمِه، فتراه يُصِرّ على تقريب اللاقط مِن فَمِه، وكذلك يقوم برَفع مستوى السَّـماعات مِن جهاز التَّحكُّم إلى أقصى دَرَجة، وفي أحيان كثيرة يصدُر عن السماعات الداخلية صفيراً مُزعجاً جداً بسـبب رفع مستوى السماعات وكذلك تقريب الإمام اللاقط مِن فَمِه. يقول أحد الأصدقاء الذي يُصلّي في مسجدٍ قريب منه أنَّ بعض المأمومين رفعوا شكوى إلى الإدارة المعنية بشؤون المساجد بشأن ارتفاع صوت السَّـماعات الداخلية للمسجد، وعَدَم تجاوب الإمام مع شكواهم. ولكن، كما يقول، للأسف لم يَتِمّ شيء، ولازال الإمام يُقرِّب الميكروفون مِن فَمِه وصوت السَّـماعات الداخلية مرتفع جداً. وهُنا أتساءَل: كيف يرضى أي إمام أنْ يَؤُم مُصَلّين وهو يَعلَم أنَّ بينهم مَن هُم غير راضين عنه في أمرٍ يُسَـبِّب لهم إزعاجاً صحيَّاً!!؟ إنَّ كُلّ إمام في أي مسجد مسؤول عن راحة المُصَلين، ولا يجوز له إهمال أي ملاحظة مِنْ أي مُصلٍّ خَلفهُ، ويجب عليه أنْ يتحاور معهم حِواراً ليِّنَاً هَيِّنَاً بشأن ملاحظاتهم. وإلا فما هي قيمة الإمام !؟ ولماذا في الأصل سُمّيَ إمام !؟ ولَيت هؤلاء الأئمة الذين يُصرِّون على تقريب اللاقط (الميكروفون) مِنْ أفواهَهُم ويرفعون صوت السمَّاعات الداخلية الاقتداء بأئمة المسجد الحرام والمسجِد النبوي. حيث مستوى صوت السمَّاعات الداخلية في الحَرَمين الشريفين مقبول جداً، والأئمة الأفاضل في الحَرَمين الشريفين لا يُقَرِّبون اللاقط مِنْ أفواهِهم بنفس الطريقة التي نراها في المساجد مِن حولِنا. خُلاصَة القَول، أنَّ المُصلين يُعانون مِنْ ارتفاع صوت السَّـماعات الداخلية في غالبية المساجد، مما يؤَثِّر كثيراً على أسـماعِهم، بل ويُقَلِّل مِن خُشوعهم في الصلاة بسَبب شِدَّة ارتفاع صوت السَّماعات. ولكن ــ للأسف ــ في الغالب لا يَجِد المُصلين مَن يَتَدَخَّل في هذا الأمر لإيقافه، والذي قد يُنَفِّر البعض مِن الذهاب للمسجد في الصلوات الجهرية. والمأمول أنْ تَجِد الإدارة المعنية بشؤون المساجد علاجاً لهذه القضية مع فضيلة أئِمَة المساجد، كما تَمَّ علاج قضية نقل الصلوات الجهرية عَبر مُكَبّرات الصوت (السَّـماعات) الخارجية للمساجد بقَصرِها على الآذان والإقامة فقط. “العوادِم (الشُكمانات) المُعَدَّلَة !! المصدَر الآخر للإزعاج خارج منازلنا وأماكن العمل يتمَثَّل في أصوات العوادِم (الشُـكمانات) للسيارات التي يقوم مالكيها بتغيير العادم (الشُـكمان) إلى نوع يُصدِر أصواتاً مُزعِجة جداً جداً، حيث يستمتع مالكيها بالتَعَمُّـد في إصدار أصواتها المزعجة بدون أي سبب، كذلك أصوات عوادِم بعض الدراجات النارية، خاصةً ماركة هارلي ديفيدسون الأمريكية. وقد تَعَرَّضت لصدَمةٍ “صوتية” أثناء ممارسة المشي في الحي، حيث قام مالك سيارة وانيت أحمر (شفر أو جمس) بالضغط على دعَّاسة البنزين لتُصدِر سيارته صوتاً مُزعِجَاً سَمِعَهُ مَن في مكة المكرمة !! وتسَـبَّبَ بارتفاع حِدَّة الطنين في أُذُني بدرجةٍ مؤلمة جداً استمرت معي عِدَّة أيام، لا بارك الله في سيارته “وشُكمانها”. وعلى الرغم من وجود حدود قُصوى لضوضاء المركبات والدراجات النارية صادِر عن المركز الوطني للأرصاد، وكذلك وجود غرامات مالية تُطبِّقها الإدارة العامة للمرور على السيارات التي يتم تغيير العادِم إلى عادِم يُصدِر إزعاج؛ إلا أنَّ المخالفات من السيارات والدراجات النارية كثيرة جداً. وبالتالي، فإنَّ موضوع تَعَمُّد سائقي السيارات والدراجات النارية إصدار الأصوات المزعجة لسياراتهم ودراجاتهم النارية يحتاج وقفة حازمة مِن لَدُن الإدارة العامة للمرور في مُدُن المملكة، حيث أنَّ السُكان في غِنىً عن التعَرُّض لهذا النوع من التلوُّث الصوتي المُتَعَمَّد، ومِن حَقِّهم على الجهات المسؤولة مُعاقبة المُتسَــببين به، لا أنْ يُترَكوا يُزعِجون الناس كما يحلو لهم. جودة الحياة ورؤية 2030 أخيراً، لا يخفى على أي شخص الأنشطة والإنجازات الكبيرة التي نَتَجَت عن “برنامج جودة الحياة” الذي أُطلِقَ عام 2018 كأحد برامج تحقيق رؤية 2030، بهدف تحسين جودة حياة الأفراد والأُسَـر من خلال تهيئة البيئة اللازمة لدعم واستحداث خيارات جديدة تُعزّز مشاركة المواطنين والمقيمين والزوار في الأنشطة الثقافية والترفيهية والرياضية والسياحية. ومما لا شَكَّ فيه أنَّ القضاء على التلوُّث الصوتي Noise Pollution الناتج عن “مُهايطي” بعض مُلاك السيارات والدراجات النارية سَـيزيد مِن “جودَة الحياة” للسُكان، والأمل معقود على تعاون برنامج جودة الحياة والإدارة العامة للمرور في القضاء على هذا النوع من التلوُّث، حتى يَنعَم السُكان بحياةٍ هادئة دون صَخَب “شُكمانات” السيارات والدراجات النارية عندما يخرجون من منازلهم للمشي والاستمتاع بأجواء المدينة التي يسكنونها. ختاماً، على مَن يُعاني مِن إزعاج السَـمَّاعات الداخلية للمسجد المجاور لمنزله أو مِن إزعاج “شُـكمانات” السيارات والدراجات النارية المُعَدَّلَة خارج منزله، وحتى يتم علاج هاتين المُشكلتين، فلَيسَ لديه خيار سِوى البقـاء في منزله وإغلاق النوافذ والاستمتاع بجودة الحياة داخل منزله !


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..