الاثنين، 2 فبراير 2026

وسائل التسوّل الاجتماعي

   في الزمن الجميل كان المتسوّل يقف عند باب المسجد، يمد يده بخجل، ويقول:

لله يا محسنين.
أما اليوم فقد تطوّر التسوّل، دخل الجامعة، تعلّم التصوير، واشترى آيفون، وفتح حسابًا على إنستغرام وتيك توك، وأصبح يُعرّف عن نفسه بكل وقار: مؤثّر.

ومن هنا بدأت واحدة من أكثر الظواهر انحطاطًا ووقاحة في عصر التواصل الاجتماعي:
التسوّل الممزوج بالابتزاز، والمغلف بورق السيلوفان الرقمي.

يصل “المؤثّر” إلى المطعم، لا جائعًا بل متغطرسًا، لا ليأكل بل ليفاوض.
يجلس، يطلب أفضل ما في المنيو، ثم يستدعي صاحب المطعم بنبرة من يملك رقاب العباد:

– نحن مؤثّرون… نقدر نذكر مطعمك في حساباتنا.

والترجمة الفعلية للجملة هي:
إما تطعمنا مجانًا، أو نأكلك لاحقًا على الإنترنت.

صاحب المطعم يفهم الرسالة فورًا، لأنه يعيش في هذا العصر القذر.
يعرف أن كلمة “لا” قد تتحول خلال ساعات إلى:
 • تقييم بنجمة واحدة
 • فيديو بعنوان: تجربة سيئة جدًا 🤮
 • قصة مؤثرة عن “قلة احترام الزبائن”
 • تعليق يقول: ما أنصح أحد يروح لهالمكان

ولا أحد يسأل:
هل القصة حقيقية؟
هل الأكل فعلاً سيئ؟
هل حدث شيء أصلًا؟

ففي عصر المؤثرين، الحقيقة أقل أهمية من عدد المتابعين.

وهكذا، يدفع صاحب المطعم الإتاوة:
وجبات مجانية، قهوة، حلويات، ابتسامات مصطنعة، وربما صورة جماعية مع الوسم الإجباري.
تمامًا كما كان يفعل الناس قديمًا مع قطاع الطرق… لكن مع إضاءة أفضل وفلاتر.

والسؤال هنا:
هل هذا إعلان؟
لا.
هل هذا تعاون تجاري؟
مستحيل.
هل هذا تسويق؟
إطلاقًا.

هذا اسمه الحقيقي:
تسوّل رقمي مسلّح بالكاميرا.
ابتزاز ناعم بلهجة ودودة.

المضحك المبكي أن هذا “المؤثّر” لو اضطر أن يدفع ثمن وجبته مثل باقي البشر،
 لاكتشف فجأة أن المطعم “لا يستحق الدعم”، وأن التجربة “عادية”، وأن المتابعين “يستاهلون الأفضل”.

لقد انقلبت المعادلة:
المطعم يعمل، يتعب، يدفع إيجارًا وضرائب ورواتب…
والمؤثر يمد يده ويقول: أنا فرصة، مش زبون.

في السابق كان المتسوّل يخجل إن رآه أحد معارفه.
أما اليوم فيصوّر نفسه، ويفتخر، ويكتب 
صانع محتوى 
خبير تسويق رقمي 

نحن لا نعيش عصر التأثير…
نحن نعيش عصر الشحاذة الرقمية المتغطرسة،
حيث الكرامة تُستبدل بعدد المتابعين،
والعمل يُبتز باسم “الوصول للجمهور”.

رحم الله زمن التسوّل الصريح…
كان أقل نفاقًا، وأصدق من هذا السيرك الإلكتروني
الصورة
٧:٤٤ ص · ٢ فبراير ٢٠٢٦
بقلم:    ·محسن العبيدي الصفار
@mohsensaffar-


.... مواضيع مشابهة أو ذات علاقة بالموضوع :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..