💢 أُمُّ الجرائم… من رحمها يخرج الفساد، وتتفجّر سائر الجرائم
ليست كلُّ جريمةٍ تقف عند حدِّها، ولا كلُّ مخالفةٍ ينتهي شرُّها عند صاحبها؛ فمن الجرائم ما يكون أثره محدودًا، ومنها ما يكون مِعولَ هدمٍ، إذا ضُرب به في السوق تصدّعت العدالة، وإذا زُرع في الاقتصاد نبتت حوله جرائم أخرى، وإذا تُرك في المجتمع تمدّد شرُّه حتى يجاوز المال إلى القيم، ويجاوز النشاط إلى الأمن، ويجاوز المعاملة إلى بنية الدولة نفسها.
ومن هذا الصنف الثقيل تأتي جريمة التستر.
فالتستر ليس مجرد مخالفةٍ في ورقة، ولا مجرد اسمٍ على سجل، ولا مجرد واجهةٍ يُخفى وراءها فاعلٌ آخر؛ بل هو اتفاقٌ على الخفاء، وتحالفٌ على التمويه، وتمكينٌ باطلٌ ليدٍ لا تظهر، ومالٍ لا يسير في مجراه الطبيعي، ونشاطٍ لا يقوم على الصراحة ولا على النزاهة. وإذا كان الأصل فيه البطلان، فكيف يُرجى من طريقٍ بدأ بالخداع أن ينتهي إلى الصدق؟ وكيف يُنتظر من الباطل أن يلد نفعًا عامًا، أو يُنشئ خيرًا اجتماعيًا، أو يبني اقتصادًا سليمًا، أو ينهض بوطن؟ إنه ليس عملًا خيريًا، ولا مسلكًا إصلاحيًا، ولا بابًا من أبواب النفع؛ بل هو في أصل تكوينه باطل، والباطل لا يلد إلا باطلًا، ولا يثمر إلا شرًّا، ولا يخرج من رحمه إلا جريمةٌ بعد جريمة.
ولهذا لم تكن جريمة التستر جريمةً منفردةً في آثارها، بل هي أمُّ الجرائم؛ لأنها لا تأتي وحدها، بل تأتي ومعها نسلُها، وتفتح وراءها أبوابًا، وتشق في الجدار منافذَ تتسلل منها صورٌ شتّى من الفساد والانحراف. فمن رحمها يخرج الفساد الاقتصادي؛ فتختل المنافسة، وتضطرب السوق، وتُحارب الفرص الشريفة، وتُخنق بدايات الداخلين الجدد، وتُهيمن شبكات خفية على مجالات لا تقوم على العدل، بل على التمكين المستتر والاحتكار المقنّع.
ثم لا يقف شرها عند هذا الحد؛ بل تتفجّر من بطنها جرائم أخرى:
غسل الأموال حين يُراد تبييض المال المشبوه، والتهرب حين يُراد الإفلات من الالتزامات، والغش التجاري حين تُباع الأسماء بدل الحقائق، والتلاعب حين تُزوّر الحركة الحقيقية للنشاط،
وقد تمتد في بعض صورها إلى المخدرات، والدعارة، والخمور، والأنشطة المحظورة، والشبكات التي لا تنمو إلا في الظل، ولا تتقوّى إلا إذا غاب عنها نور الرقابة وهيبة النظام.
فالتستر لا يسرق من السوق رخصته فحسب، بل يسرق من الوطن صفاء اقتصاده، ومن الشباب فرصهم، ومن المنافسة عدالتها، ومن المجتمع أمنه المعنوي والمعيشي. إنه يفتح الباب لمن لا يريد أن يعمل في النور، ويطرد من الميدان من يريد أن ينافس بشرف، ويجعل بعض الأنشطة أوكارًا مغلقة، لها ظاهرٌ مشروع، وباطنٌ يضطرب بالتحايل والتمويه والعبث.
وليس عبثًا أن تتوالى حملات الضبط والتفتيش التي تباشرها وزارة التجارة؛ إذ أظهرت أعمال البرنامج الوطني لمكافحة التستر استمرار الرصد الميداني، وما تكشفه الزيارات التفتيشية من حالات اشتباه أولية يؤكد أن الجريمة ليست نظريةً في الأوراق، بل خطرٌ حاضرٌ في السوق، متحركٌ في النشاط، يحتاج إلى يقظةٍ لا تفتر، وحزمٍ لا يلين.
ولهذا فإن خطر التستر ليس وقتيًّا، بل ممتدٌّ ومتوالد؛ لأنه متى تمكّن، لم يفسد معاملةً واحدة، بل أفسد البيئة التي تتولد فيها المعاملات. ومتى استقر، لم يربح شخصًا واحدًا فحسب، بل غذّى شبكات، وحرّك دوائر، وأقام حوله مصالح مظلمة تدافع عنه، وتقاتل لأجل بقائه، وتحارب من يقترب من كشفه. ومن هنا كان من الخطأ الفادح أن يُنظر إليه على أنه مجرد مخالفة بين متستر ومتستر عليه؛ لأنه في الحقيقة اعتداءٌ على الدولة، وإرهاقٌ للاقتصاد، وخنقٌ للمجتمع، وإفسادٌ لمنظومة الفرص والعدالة والنزاهة.
إن بعض الجرائم تُرتكب ثم تنتهي،
أما التستر فيُرتكب ثم يبدأ.
يبدأ فتبدأ معه سلسلةٌ من الانحراف، ويظهر فتظهر معه وجوهٌ أخرى من العبث، ويُترك فينمو، ويَنمو فيُفسد، ويُفسد فتتفجّر من حوله جرائم لا تُحصى إلا بعد أن تكون قد أنهكت السوق، واستنزفت الاقتصاد، وأضرّت بالمجتمع.
ولذلك فليس في وصفه مبالغة إذا قيل:
إنه أُمُّ الجرائم… من رحمها يخرج الفساد، وتتفجّر سائر الجرائم.
✍️/مازن المليح.
📍قناة أثر وتأثير.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..