الأحد، 19 أبريل 2026

ابو حليقه

‏      لستُ من خريجي جامعة الملك سعود المرموقة، لكن حصلت لي الفرصة أن أدرس طلبة الماجستير لفصلين دراسيين، وكانت تجربة

ثرية بالنسبة لي.
جامعة الملك سعود ‎@_KSU -كأكاديمي سابق- غير؛ هي الجامعة الوطنية الجامعة والرائدة والقائدة، وينبغي لها أن تحافظ وتتمسك وتعزز هذا الدور، فتخليها عنه يترك فراغاً ليس بوسع أي جامعة أخرى ملؤه.

الآن، لا تنحصر أولويات الجامعات الرائدة والقائدة في بنود أجندة ضيقة؛ فمهمٌ أن تكون من اهتماماتها سوق العمل، لكن سوق العمل ليست كل اهتماماتها، ولا المحرك لتوجهاتها؛  فأجندة الجامعات الكبرى والقائدة والرائدة اجتماعية-اقتصادية ترتكز إلى أهداف استراتيجية طويلة المدى، تؤكد هذا المقارنات المعيارية مع الجامعات القائدة والرائدة الكبرى في الشرق والغرب، ولنأخذ مثلاً أفضل 100 جامعة في الولايات المتحدة وننظر هل تخلت عن تدريس اللغة الانجليزية او الفلسفة أو الجغرافيا؟! ثم أن تمييز جامعة الملك سعود بين التخصصات في سبيل الربط بسوق العمل -مع تقديري- أتى متأخر جداً بعد أن قلبت ثورة الذكاء الاصطناعي الطاولة على الجميع، وأصبحت وظائف المستقبل تقوم على الابداع والريادة والتفكير الناقد.
في تقديري -وقد قضيتُ عمراً في دراسات وسياسات سوق العمل السعودية وفي الخليج- أن مناقشة مواءمة المخرجات مع احتياجات سوق العمل أمر يتعلق بجودة تلك المخرجات وقدرتها على التفكير والابداع أكثر من أي شيء آخر.
وعطفاً على الدور الريادي والقيادي، فمن مستهدفات الرؤية وصول الجامعات السعودية إلى قائمة أفضل 100-200 جامعة عالمياً، فمن سيكون من الجامعات السعودية في تلك القائمة إن لم تتقدم جامعة الملك سعود الصفوف- مع إعتدادي الجم بجامعتي جامعة الملك فهد للبترول والمعادن؟!
وأختم بنقاط لم أجد لها جواباً:
1. ما المنهجية التي أتبعتها الجامعة للوصول لهذا التوجه، وسبب السؤال هو أن توجهات اضافة/تعديل/حذف برامج أكاديمية تبدأ عادة من أسفل (من الأقسام الأكاديمية) وليس العكس.
2. وعلى صلة بالمقارنات المعيارية مع أفضل الجامعات العالمية وبالأخص الأمريكية، إذ تتسابق أفضل الجامعات الأمريكية حالياً لدمج أخلاقيات الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد بعمق في مناهج العلوم الإنسانية، إقراراً من تلك الجامعات بأن مجالات مثل الفلسفة واللغة الإنجليزية والتاريخ والأدب والدراسات العامة توفر وجهات نظر نقدية وأخلاقية ومجتمعية أساسية لا يمكن للتدريب المهني المجرد والتقني بما في ذلك الذكاء الاصطناعي بمفرده معالجتها.
3. كيف تتماهى هذه التغييرات مع الأجندة الجديدة لوظائف المستقبل والتي تتطلب تخصصات جديدة بل ومهارات جديدة؟ وعودة على الجامعات الرائدة والقائدة، فنجد أن جامعات مثل معهد ماساتشوستس للتقنية وستانفورد وهارفارد ووسكنسن وبوردو وسواها تطلق مبادرات استباقية -ليس من بينها اغلاق اقسام- متعددة الأوجه لإعداد الخريجين للوظائف المستقبلية في الاقتصاد القائم على الذكاء الاصطناعي، تركز  على "محو الأمية" في الذكاء الاصطناعي، ودمج المهارات البشرية التقنية و "الضرورية" مثل التفكير النقدي، والتواصل، والأخلاقيات، والقدرة على التكيف بما في ذلك التعلم التجريبي والتعلم مدى الحياة، بهدف إنتاج خريجين يمكنهم التكامل مع الذكاء الاصطناعي، والتكيف مع التغيير السريع، والنجاح في الوظائف التي ترتكز على تكامل الذكائين الاصطناعي-البشري بدلا من الأتمتة المحضة.
أختم بالقول بأنه يصعب علي تصور جامعتنا الأم بدون أن تكون هي مركز تميز للغة العربية وعلومها ومنارة بحث وتطوير وابتكار، وعلينا تذكر أن أحد المرتكزات الأساس لثورة الذكاء الاصطناعي كما نراه الآن مساهمات ارتكازية مبكرة من أساتذة الفلسفة واللسانيات؛ فمن عَلَمَ الذكاء الاصطناعي المنطق إلا أساتذة الفلسفة؟! ومن عَلمهُ النطق وفهم اللغة إلا أساتذة اللسانيات؟! ومن ساهم في وضع أسس خوارزميات نظرية اتخاذ القرار قبل جهابذة الاقتصاد؟! ومساهمات هؤلاء لم تكن عابرة أو هامشية بل فازوا بجائزة نوبل تقديراً مساهماتهم المؤثرة.
"لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا"

 


المصدر


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..