وأنا أراقب أطفالي اليوم… أراقب حياتهم المعلّبة بعناية، كما تُعلّب قناني المياه التي لا يشربون سواها، أتذكر طفولتنا… تلك التي كانت – بكل المقاييس الحديثة – مشروع كارثة صحية مفتوحة، ومع ذلك خرجنا منها أحياء… بل وأسوأ من ذلك: خرجنا منها سعداء!
كنا نشرب الماء مباشرة من خرطوم الحديقة، لا فلترة، لا تعقيم، لا اسم شركة عالمي مطبوع على الزجاجة… فقط ماء وطين وبعض الجراثيم التي كانت تعتبرنا سكنًا دائمًا لها.
واليوم؟ الطفل لو شرب ماءً بدون “PH متوازن” قد يشعر أن حياته مهددة وأنه بحاجة إلى جلسة دعم نفسي.
كنا نلعب تحت الشمس، شمس حقيقية، ليست تلك التي تُشاهد عبر نافذة السيارة المكيّفة.
لا واقي شمس، لا كريمات، لا تحذيرات من الأشعة فوق البنفسجية… فقط جلد يتلون تدريجيًا حتى يصل إلى درجة “محروق قليلاً ولكن مبسوط جدًا”.
أما اليوم، فالطفل إذا خرج خمس دقائق بدون واقٍ شمس، يُعامل وكأنه ارتكب جريمة ضد الإنسانية.
التلفزيون؟
كان جهازًا مقدسًا له قناتان… نعم، قناتان فقط!
كنا نتابع مسلسلات كرتونية طويلة وبطيئة، ليس لأنها ممتعة… بل لأنه لا يوجد شيء آخر أصلاً!
ولم يكن التلفزيون مجرد جهاز… بل كان مشروعًا هندسيًا متكاملًا!
كان التلفزيون أسود وأبيض، ليس لأنه خيار فني أو “ستايل كلاسيكي”… بل لأنه لم يكن هناك شيء اسمه ألوان أصلاً.
تشغّله… ثم تنتظر… ليس ثوانٍ… بل عشرين دقيقة كاملة حتى “يسخن” ويقرر أن يتكرم عليك بصورة شبه مفهومة.
أما الأريال (الهوائي)… فهذه قصة أخرى.
كان منصوبًا على السطح، يتأرجح مع الريح كأنه يختبر صبرنا لا قوة الإشارة.
وكلما تحرك قليلًا… تختفي الصورة وتظهر خطوط كأنك تشاهد تقريرًا عن نهاية العالم.
فتبدأ العملية العسكرية:
واحد فوق السطح…
وواحد تحت أمام التلفزيون…
الذي فوق يصرخ:
“هيك تمام؟!”
والذي تحت يرد:
“لااا… رجّع شوي… شوي بس… وقف! وقف! رجعت خربت!”
وتستمر هذه المسرحية العبثية دقائق طويلة…
حتى تصلوا أخيرًا إلى “أفضل صورة ممكنة”… والتي هي في الحقيقة أسوأ من أسوأ جودة HD اليوم… لكنها بالنسبة لنا كانت إنجازًا تقنيًا يستحق الاحتفال!
ولم يكن هناك “ريموت كنترول”…
نحن كنا الريموت كنترول.
الأب يقول: “غيّر القناة”… فتنهض أنت كأنك موظف حكومي تم استدعاؤه لأداء مهمة وطنية عاجلة.
اليوم، الطفل يملك ريموت، موبايل، آيباد… ومع ذلك يطلب منك أن تجلس بجانبه لتختار له ماذا يشاهد!
لم نكن نرتدي ماركات عالمية…
الحذاء كان حذاء، يؤدي الغرض، وربما يؤدي مهمات إضافية كوسيلة دفاع في معارك الحي.
اليوم الحذاء يجب أن يكون له “هوية” و”قصة” و”تكنولوجيا تهوية” وكأن القدم ستشارك في رحلة إلى المريخ.
لم يكن لدينا ألعاب فيديو…
كنا نخترع ألعابنا بأنفسنا.
حجر يتحول إلى سيارة، عصا تتحول إلى بندقية، قطعة خشب تتحول إلى سفينة فضاء…
اليوم الطفل لديه ألعاب إلكترونية بملايين الدولارات… لكنه يحتاج إلى “شحن” حتى يلعب… وإذا انقطع الإنترنت، انقطعت طفولته.
حتى الرحلات…
سيارات بلا تكييف، شبابيك مفتوحة، هواء حار، غبار، وأغانٍ من الراديو تُعاد للمرة الألف…
ومع ذلك، كنا نشعر أن كل رحلة هي مغامرة تستحق أن تُروى.
اليوم السيارة مريحة، مكيفة، هادئة… والطفل في المقعد الخلفي يقول: “متى نوصل؟”
باختصار…
طفولتنا كانت فقيرة في كل شيء… إلا في الحياة.
وطفولة اليوم غنية في كل شيء… إلا في البساطة.
وربما المشكلة ليست في الزمن…
بل في أننا كنا نعيش الحياة كما هي،
أما اليوم… فنحن نعيشها كما تُسوَّق لنا

بقلم محسن الصفار
المصدر
كنا نشرب الماء مباشرة من خرطوم الحديقة، لا فلترة، لا تعقيم، لا اسم شركة عالمي مطبوع على الزجاجة… فقط ماء وطين وبعض الجراثيم التي كانت تعتبرنا سكنًا دائمًا لها.
واليوم؟ الطفل لو شرب ماءً بدون “PH متوازن” قد يشعر أن حياته مهددة وأنه بحاجة إلى جلسة دعم نفسي.
كنا نلعب تحت الشمس، شمس حقيقية، ليست تلك التي تُشاهد عبر نافذة السيارة المكيّفة.
لا واقي شمس، لا كريمات، لا تحذيرات من الأشعة فوق البنفسجية… فقط جلد يتلون تدريجيًا حتى يصل إلى درجة “محروق قليلاً ولكن مبسوط جدًا”.
أما اليوم، فالطفل إذا خرج خمس دقائق بدون واقٍ شمس، يُعامل وكأنه ارتكب جريمة ضد الإنسانية.
التلفزيون؟
كان جهازًا مقدسًا له قناتان… نعم، قناتان فقط!
كنا نتابع مسلسلات كرتونية طويلة وبطيئة، ليس لأنها ممتعة… بل لأنه لا يوجد شيء آخر أصلاً!
ولم يكن التلفزيون مجرد جهاز… بل كان مشروعًا هندسيًا متكاملًا!
كان التلفزيون أسود وأبيض، ليس لأنه خيار فني أو “ستايل كلاسيكي”… بل لأنه لم يكن هناك شيء اسمه ألوان أصلاً.
تشغّله… ثم تنتظر… ليس ثوانٍ… بل عشرين دقيقة كاملة حتى “يسخن” ويقرر أن يتكرم عليك بصورة شبه مفهومة.
أما الأريال (الهوائي)… فهذه قصة أخرى.
كان منصوبًا على السطح، يتأرجح مع الريح كأنه يختبر صبرنا لا قوة الإشارة.
وكلما تحرك قليلًا… تختفي الصورة وتظهر خطوط كأنك تشاهد تقريرًا عن نهاية العالم.
فتبدأ العملية العسكرية:
واحد فوق السطح…
وواحد تحت أمام التلفزيون…
الذي فوق يصرخ:
“هيك تمام؟!”
والذي تحت يرد:
“لااا… رجّع شوي… شوي بس… وقف! وقف! رجعت خربت!”
وتستمر هذه المسرحية العبثية دقائق طويلة…
حتى تصلوا أخيرًا إلى “أفضل صورة ممكنة”… والتي هي في الحقيقة أسوأ من أسوأ جودة HD اليوم… لكنها بالنسبة لنا كانت إنجازًا تقنيًا يستحق الاحتفال!
ولم يكن هناك “ريموت كنترول”…
نحن كنا الريموت كنترول.
الأب يقول: “غيّر القناة”… فتنهض أنت كأنك موظف حكومي تم استدعاؤه لأداء مهمة وطنية عاجلة.
اليوم، الطفل يملك ريموت، موبايل، آيباد… ومع ذلك يطلب منك أن تجلس بجانبه لتختار له ماذا يشاهد!
لم نكن نرتدي ماركات عالمية…
الحذاء كان حذاء، يؤدي الغرض، وربما يؤدي مهمات إضافية كوسيلة دفاع في معارك الحي.
اليوم الحذاء يجب أن يكون له “هوية” و”قصة” و”تكنولوجيا تهوية” وكأن القدم ستشارك في رحلة إلى المريخ.
لم يكن لدينا ألعاب فيديو…
كنا نخترع ألعابنا بأنفسنا.
حجر يتحول إلى سيارة، عصا تتحول إلى بندقية، قطعة خشب تتحول إلى سفينة فضاء…
اليوم الطفل لديه ألعاب إلكترونية بملايين الدولارات… لكنه يحتاج إلى “شحن” حتى يلعب… وإذا انقطع الإنترنت، انقطعت طفولته.
حتى الرحلات…
سيارات بلا تكييف، شبابيك مفتوحة، هواء حار، غبار، وأغانٍ من الراديو تُعاد للمرة الألف…
ومع ذلك، كنا نشعر أن كل رحلة هي مغامرة تستحق أن تُروى.
اليوم السيارة مريحة، مكيفة، هادئة… والطفل في المقعد الخلفي يقول: “متى نوصل؟”
باختصار…
طفولتنا كانت فقيرة في كل شيء… إلا في الحياة.
وطفولة اليوم غنية في كل شيء… إلا في البساطة.
وربما المشكلة ليست في الزمن…
بل في أننا كنا نعيش الحياة كما هي،
أما اليوم… فنحن نعيشها كما تُسوَّق لنا
بقلم محسن الصفار
صُنع باستخدام الذكاء الاصطناعي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..