في الزمن القديم كان الإنسان إذا أراد أن يتجسس على جاره يثقب الجدار أو يختبئ خلف الستارة أو يصعد فوق السطح متظاهراً بأنه يصلح “الدش”.
أما اليوم فقد تطورت الحضارة، وأصبح الإنسان يدفع من جيبه مئات الدولارات ليشتري كاميرات مراقبة حديثة ثم يقوم بنفسه بتركيبها في كل زاوية من البيت… وبعدها ينام سعيداً لأنه “أصبح آمناً”.
أي أمن يا رجل؟
أنت لم تحمِ البيت… أنت فقط حولته إلى برنامج تلفزيون مباشر بجودة 4K!
كاميرات في الصالة، وكاميرات في الحديقة، وكاميرات على الباب، وكاميرات في الممر، حتى القط في البيت لم يعد يستطيع أن يسرق قطعة لحم دون أن يظهر من ثلاث زوايا تصوير مع موسيقى تشويق.
والأطرف من ذلك أن الناس باتوا يتحدثون عن كاميرات المراقبة كما لو أنها ملاك حارس نازل من السماء:
– “الحمد لله، الآن أستطيع مراقبة البيت من هاتفي أينما كنت!”
نعم… وأيضاً يستطيع شاب عمره سبعة عشر عاماً في قبو منزل بأوكرانيا أو الهند أو أي مكان آخر أن يراقب بيتك معك وربما قبلك!
بعض الناس يضعون الكاميرات في أماكن لا يضع فيها العاقل حتى صورة فوتوغرافية. يدخل أحدهم إلى غرفة النوم ويقول بفخر:
– “هذه الكاميرا للرؤية الليلية.”
رؤية ليلية؟!
يا أخي هل تخشى أن يقوم اللص بتغطية زوجتك بالبطانية أثناء نومها؟
ثم تأتي الكارثة الكبرى عندما تبدأ العائلة بالتعايش مع الكاميرات وكأنها فرد جديد من الأسرة.
الأب يتحدث أمامها، الأم تطبخ أمامها، الأطفال يتشاجرون أمامها، والخادمة تتحول إلى نجمة مسلسل تركي مراقب على مدار الساعة.
بل إن بعض الناس ينسون أنفسهم تماماً.
يفتح الخزنة أمام الكاميرا.
يدخل الرقم السري أمام الكاميرا.
يكتب كلمات المرور أمام الكاميرا.
ثم إذا تمت سرقته يبدأ بالصراخ:
– “لا أدري كيف عرفوا كلمة السر!”
ربما لأنك عرضتها مجاناً بعد الفاصل الإعلاني!
أما كاميرات اللابتوب والهاتف فهذه قصة أخرى.
الإنسان المسكين يظن أن إغلاق التطبيق يعني أن الكاميرا أغلقت.
يا سلام… وكأن شركات التكنولوجيا وجيوش الهاكرز تجلس تبكي لأنها لا تستطيع رؤيتك!
أصبح من الطبيعي أن ترى شخصاً يضع شريطاً لاصقاً على كاميرا اللابتوب، فيضحك عليه الآخرون باعتباره مصاباً بجنون الارتياب، بينما نفس الذين يضحكون ينشرون صور بطاقات سفرهم وبطاقاتهم البنكية وأطفالهم وموقع بيتهم على الإنترنت ثم يقولون:
– “الخصوصية مهمة جداً بالنسبة لي.”
أي خصوصية يا حبيبي؟
أنت لو استطعت لربطت كاميرا داخل الثلاجة كي تعرف من أكل قطعة الكيك الأخيرة!
والحكومات طبعاً لها فصل مستقل في هذه الرواية الكوميدية السوداء.
فأنت تظن أن الخطر الوحيد هو “هاكر” يشرب مشروب الطاقة ويكتب بسرعة على لوحة المفاتيح.
لا يا عزيزي… هناك جهات تستطيع أن تعرف عنك أكثر مما تعرفه أمك.
تعرف أين ذهبت، وماذا اشتريت، ومع من تكلمت، ومتى نمت، وربما لماذا تشاجرت مع زوجتك أيضاً!
لقد وصل الإنسان إلى مرحلة غريبة جداً؛
هو خائف من اللصوص لدرجة أنه ملأ بيته بالكاميرات،
ثم أصبح خائفاً من الكاميرات نفسها!
وفي المستقبل ربما سنصل إلى مرحلة يضع فيها الإنسان كاميرا لمراقبة الكاميرا، ثم يضع كاميرا ثالثة لمراقبة الكاميرتين، ثم يكتشف في النهاية أن الشخص الوحيد الذي لا يراقب شيئاً هو صاحب البيت نفسه!
الخلاصة يا سادة:
كاميرات المراقبة مثل السكين… قد تحميك، وقد تجرحك، وقد تتحول إلى أداة لفضحك وأنت تشرب الشاي بملابس النوم.
لذلك كن حذراً…
ففي هذا العصر لم يعد السؤال:
“هل لديك كاميرا مراقبة؟”
بل أصبح السؤال الحقيقي:
--المصدر
-

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..