.:
(وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)
.
إنها الألفة والصداقة والعلاقات الاجتماعية التي تنبني على تلك الأفكار والمعتقدات، والتي يصعب على الشخص العادي وربما حتى غير العادي أن يضحي بها.
.
سألت مرة رجلا مثقفا من أهالي بغداد: كيف تستسيغ مثل هذه الخرافات، التي تسمونها (شعائر) وأنت رجل مثقف وعاقل، وأنت تعلم أنها ليست من الإسلام في شيء؟ قال: لكنها (عادات حلوة) فيها حركة واجتماع وتعارف وتواصل وطعام وشراب، حتى على مستوى العوائل، ونحن ننتظرها بشغف من موسم إلى موسم، الرجال والنساء والأطفال، والذي يسأل مجرد سؤال أو (يتفلسف) سيكون منبوذا في مجتمعنا بلا شك.
.
قال لي شخص آخر من توجّه آخر، وهو قيادي من الصف الأول في جماعته: صراحة لم أعد مقتنعا بما نحن عليه، أشعر أننا نسير على غير هدى ومن دون نتيجة، لقد خسرنا كل شيء، ولكن (وين أروح؟) فهؤلاء هم أعزّائي وأحبابي الذين عشت معهم وألفتهم، ولا أريد أن أخسرهم.
.
وهذا يعني أن ما نسميه (الثبات) كصفة إيجابية، أو (التعصب) كصفة سلبية، هو ليس (ثبات الاعتقاد) و لا (التعصب للفكرة) بقدر ما هو الثبات في حضن البيئة المجتمعية والتعصب لها.
.
قال لي أحد الذين يظهرون الولاء لجماعته إلى حد التعصب وأنا أعرفه على خلاف ذلك، قال: أنا استخدم 35٪ من عقلي حينما أكون معهم، ولو زدت المعيار لفصلت.
.
وهذا يعني أننا نعيش معضلة حقيقية، فالأدلة هنا لا تعني شيئا، والنقاشات ليست ذات جدوى، لأن السؤال الجوهري والمحوري الأهم من كل ذلك والمستقر في النفوس: (وين أروح؟).
.
من هنا تجد هؤلاء على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وتوجهاتهم كأنهم يلبسون دروعا مضادة للتفكير، مهما كانت الفكرة المعروضة عليهم، وهذا ما عبّر عنه القرآن بقوله: (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا).
.
وهناك التواصي على طريقة (الفزعة) لرد كل فكرة جديدة (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ)، إنها الفزعة للحفاظ على الموروث، والحفاظ على (المودّة) يشترك فيها حتى الجاهل الذي لا يفقه ما يقول، والذي لا يحسن ربما غير السب والشتم (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)
.
.
إن المجتمعات التي تعاني من هذه الظاهرة لا يمكن أبدا أن تجد طريقا لحل مشكلاتها، ولا للاستفادة من تجاربها، فضلا عن تجارب الآخرين، وستبقى في فلك تقديس الأشخاص، والبحث عن المبررات لكل ما يقولونه ويفعلونه.
.
قلت في نفسي وأنا أتدبر تلك الآية: سبحان الله كيف تحولت هذه الكلمة الجميلة (المودّة) إلى داء عضال، يدمّر العقول والأفكار والمعتقدات والمجتمعات، وينذر بهلاكها وزوالها، مع ملاحظة أن الآية نزلت في المشركين، لكن العبرة دائما بعموم المعنى لا بخصوص السبب.
.
إن القوة الوحيدة التي تستطيع أن تخترق هذه الدروع من التعصّب والانغلاق هي السؤال الأخروي. فإذا كان سؤال؛ (وين أروح؟) هو الذي يجعلك تتمسك في البيئة التي نشأت فيها، فإن سؤال: (أين مصيري في الآخرة؟) هو الذي يجعل السؤال الأول سؤالا تافها. ولذلك عقب القرآن على آية المودة بقوله (مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ).
.
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه
وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه
رضي من رضي، أو سخط من سخط
.
وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
.
د. محمد عياش الكبيسي
٧:٤٣ م · ٢٠ يونيو ٢٠٢٦
@maiash10
.
-
المصدر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..