الاثنين، 27 يوليو 2026

خزعبلات السوشيال ميديا

قديمًا كان الدجل مهنة محترمة تحتاج إلى إمكانيات.
كان الدجال يحتاج إلى معبد، وبخور، وملابس غريبة، وكرة بلورية، وبعض الجماجم، وربما ضفدع بريء يتم الزج به في الموضوع دون أن يفهم علاقته بعالم الأرواح.

وكان عليه أن يتعلم بعض الخدع البصرية والحيل حتى يقنع الناس بأنه يمتلك قدرات خارقة، ثم تأتي أهم مرحلة في المعجزة: جمع الأموال والنذور.

أما اليوم فقد تطورت البشرية.

لم يعد الدجال بحاجة إلى كل هذه المصاريف.

يكفي هاتف محمول، وحساب على السوشيال ميديا، وإضاءة جيدة، وثقة بالنفس أكبر بكثير من حجم معلوماته.

وهكذا أصبح لدينا ملايين الخبراء.

واحد لم يدخل مطبخًا في حياته يعلمك الطبخ.

وآخر لم يمارس الرياضة منذ حصة التربية البدنية في المدرسة يقدم لك تمارين لبناء العضلات خلال أسبوع.

وثالث لا يملك في حسابه ما يكفي لدفع فاتورة الهاتف يعلمك كيف تصبح مليونيرًا.

ورابع اكتشف علاجًا عجز عنه الطب منذ مئة عام، والمفاجأة أن العلاج موجود في مطبخك ويتكون من الليمون والزنجبيل والقرفة!

أما فيديوهات الطبخ فهي عالم من المعجزات.

يضع أمامك بيضتين وقطعة جبن وكوب ماء، وبعد أربعين ثانية من التقطيع والمونتاج يخرج من الفرن طبق يكفي لإطعام حفل زفاف.

وتجد عشرة آلاف تعليق:

«جربتها… رائعة!»

فتبدأ تشك في نفسك، وفي قوانين الكيمياء، وربما في البيض الذي تشتريه أنت شخصيًا.

أما التمارين الرياضية، فتظهر فتاة تلف ساقها حول رقبتها، وتقف على يد واحدة، ثم تقول مبتسمة:

«تمرين بسيط جدًا للمبتدئين.»

طبعًا بسيط.

تجربه مرة واحدة، وبعدها يصبح لديك موعد أسبوعي مع طبيب العظام لمدة ستة أشهر.

لكن قمة الإبداع هي النصائح الطبية.

وصفة لتنظيف الكبد.

مشروب لتنظيف الكلى.

خلطة لتنظيف الشرايين.

عشبة لتنظيف القولون.

وماء دافئ لتنظيف الجسم من السموم.

حتى تشعر أن جسم الإنسان ليس جسدًا، وإنما شقة مفروشة تحتاج إلى شركة تنظيف.

والأجمل عبارة:

«الأطباء لن يخبروك بهذا السر!»

طبعًا لن يخبروك.

لأنهم قضوا عشر سنوات يدرسون الطب ولم يخطر ببالهم أن علاج الأمراض المستعصية كان طوال الوقت مختبئًا في كوب ماء مع نصف ليمونة.

ثم يأتي خبراء الاستثمار.

شاب عمره اثنان وعشرون عامًا يقف أمام سيارة فاخرة، لا تعرف هل هي سيارته أم سيارة صديقه أم استأجرها لمدة عشر دقائق من أجل التصوير، ويقول لك:

«هل تريد أن تصبح مليونيرًا؟»

ثم يشرح لك خلال دقيقة أسرار الاقتصاد العالمي التي فاتت على الاقتصاديين والبنوك المركزية وجامعات العالم.

والحل دائمًا بسيط جدًا:

استثمر.

ضاعف أموالك.

أعد استثمار الأرباح.

كرر العملية.

تصبح مليونيرًا.

عبقري!

بقيت فقط بعض التفاصيل الصغيرة التي نسيها الأستاذ:

أين تستثمر؟

وكيف تضمن الأرباح؟

ومن أين تأتي برأس المال؟

وماذا تفعل إذا خسرت؟

لكن لا تفسد علينا الفيديو بأسئلة سلبية.

والأغرب أن كل هؤلاء لديهم عشرات الآلاف، وأحيانًا الملايين من المتابعين.

وهنا تدرك أن المشكلة ليست في وجود الدجال.

فالدجال موجود منذ آلاف السنين.

المشكلة أن التكنولوجيا وفرت له جمهورًا عالميًا.

قديمًا كان على الدجال أن ينتظر حتى يأتي الناس إليه.

أما اليوم فهو يأتي إليك بنفسه.

يفتح لك باب الهاتف، ويدخل غرفة نومك، ويخبرك ماذا تأكل، وماذا تشرب، وكيف تنام، وكيف تعالج نفسك، وكيف تربي أولادك، وكيف تصلح زواجك، وكيف تستثمر أموالك، وكيف تصبح غنيًا وسعيدًا وناجحًا…

وكل ذلك في فيديو مدته سبع وثلاثون ثانية.

لقد حققت السوشيال ميديا للدجل ما لم تحققه له آلاف السنين من الحضارة البشرية.

قديمًا كان الدجال يحتاج إلى سنوات حتى يصنع لنفسه سمعة.

اليوم يحتاج إلى ثلاثة أشياء فقط:

هاتف جيد.

إنترنت سريع.

وعنوان يقول:

«الحقيقة التي لا يريدونك أن تعرفها!»

فإذا قال:

«الأطباء يخفون عنك هذا السر»
فهو طبيب.

وإذا قال:

«البنوك لا تريدك أن تعرف هذه الطريقة»
فهو خبير اقتصادي.

وإذا قال:

«اخسر عشرة كيلوغرامات خلال أسبوع»
فهو أخصائي تغذية.

وإذا وضع بجانب اسمه كلمة Coach…

فلا تسأل عن تخصصه أصلًا.

السوشيال ميديا لم تخترع الدجل.

لقد فعلت شيئًا أخطر بكثير:

أعطت كل دجال منبرًا، وكل جاهل جمهورًا، وكل خرافة زرَّ مشاركة.

والفرق الوحيد بين دجال الأمس ودجال اليوم…

أن دجال الأمس كان يحتاج إلى كرة بلورية ليرى المستقبل، أما دجال اليوم فيحتاج فقط إلى Ring Light وWi-Fi.
الصورة

بقلم محسن الصفار
صُنع باستخدام الذكاء الاصطناعي



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..