الجمعة، 10 يوليو 2026

خطورة المماراة في العلم والقضاء

‏      ليس كلُّ اعتراضٍ ورفعُ صوتٍ دليلَ فهمٍ وبرهانًا على حُجَّةٍ، وكثيرًا ما تكشفُ غِلظةُ المعترضِ وقلَّةُ أدبِه قصورًا في فهمِ موضعِ الاعتراضِ؛ والعاقلُ لا يستبعِدُ أنَّ الخطأَ قد يكونُ في فهمِه قبلَ كلامِ غيرِه، وأنَّ سوءَ الأدبِ لا يسترُ العجزَ، بل يفضحُه.

‏وقديمًا: خاصمَ رجلٌ منَ الأنصارِ الزُّبيرَ بنَ العوّامِ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ في ماءِ شِراجِ الحرّةِ، فقالَ ﷺ: 
«اسقِ يا زُبيرُ، ثمَّ أرسلِ الماءَ إلى جارِكَ». 
فلمّا لم يوافقِ الحكمُ هوى الرّجلِ، لم يسألْ عن وجهِه، بل قالَ متَّهِمًا نبيَّنا ﷺ: «أَنْ كانَ ابنَ عمّتِكَ؟». 
فتلوَّنَ وجهُه ﷺ، ثمَّ أمرَ الزُّبيرَ أن يستوفيَ حقَّه كاملًا بقوله ﷺ لهُ (اسقِ، ثُمَّ احبِسْ حتَّى يَبلُغَ الجَدرَ).!
‏فأعدلُ النّاسِ وأعلمُهم بمواقعِ الحكمةِ ﷺ يُواجَهُ باتّهامِ القصدِ وسوءِ الظّنِّ، لا لأنَّ حجّةَ المعترضِ قويّةٌ، بل لأنَّ نفسَه ضاقتْ عن استيعابِ حكمةٍ خفيتْ عليه، فاستعاضَ عن سؤالِ المتعلّمِ بجرأةِ المتّهمِ.
‏وهذا النّمطُ لم ينقطعْ بانقضاءِ عصرِ النّبوّةِ، بل تكرَّرَ في مجالسِ العلمِ. قالَ الزُّهريُّ: «كان أبو سَلَمةَ يماري ابنَ عبّاسٍ، فحُرِمَ بذلك علمًا كثيرًا». واعترفَ أبو سَلَمةَ نفسُه فقالَ: «لو رفقتُ بابنِ عبّاسٍ لأصبتُ منه علمًا كثيرًا». وأبو سَلَمةَ فقيهٌ من كبارِ التّابعينَ، لكنَّ المماراةَ حجبتْ عنه من علمِ ابنِ عبّاسٍ ما كانَ يمكنُ أن يبلغَه بالرّفقِ وحُسنِ السّؤالِ.
‏وليس معنى ذلكَ أنَّ الأدبَ يقتضي التَّسليمَ بكلِّ ما يُقالُ؛ فقد يخطئُ الكبيرُ ويصيبُ الصّغيرُ، وقد يكشفُ السّؤالُ المتينُ خللًا خفيَ على المتكلّمِ. لكنَّ الاعتراضَ العلميَّ يبدأُ بفهمِ الكلامِ، أمّا السُّخريةُ واتّهامُ النّيّاتِ والتّطاولُ على الأشخاصِ، فهي إخفاءٌ للإصابةِ بعُسرِ الفهمِ.
‏فالأدبُ ليس زينةً خارجيّةً للعلمِ، بل ركنٌ ركينٌ فيه؛ والمماري يدخلُ مجلسَ العلمِ طالبًا الغلبةَ، ويخرجُ منه وقد انتصرَ لجهلِه، وخسرَ الحكمةَ. وربَّ سؤالٍ مؤدّبٍ فتحَ بابًا منَ العلمِ، وربَّ اعتراضٍ متطاولٍ لم يضرَّ العالمَ، لكنَّه كشفَ عقلَ المعترضِ، وأغلقَ في وجهِه بابًا كانَ مفتوحًا.
منقول

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..