الاثنين، 3 أغسطس 2026

الزواج آية من آيات الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
 ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
‏هنا يبرز سؤال يستحق التأمل:

‏إذا كان الزواج من آيات الله، فهل يمكن للإنسان أن يتزوج… ثم يُصرف عن آية الزواج؟

‏فقد لا يكون الصرف بأن يُمنع الإنسان من الزواج، بل الأخطر أن يُعطى الزواج ثم يُحرم من إدراك معناه.

‏يتزوج… ولا يجد السكن؛ لأنه لم يتعلم كيف يصنعه.

‏وتتزوج… ولا ترى المودة؛ لأن عينها أصبحت لا ترى إلا التقصير.

‏ويعيشان معًا سنوات، لكن الكبر والعناد والانتصار للنفس يحجب أحدهما عن رؤية الخير في الآخر.

‏فتكون الآية موجودة، ولكن البصيرة غائبة.

‏الكِبر قد يحجب الإنسان عن آية الزواج

‏تأمل الرابط الذي تضعه آية الأعراف:

‏﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾.

‏والكبر داخل الحياة الزوجية ليس بالضرورة أن يقول أحد الزوجين:
‏"أنا أفضل منك".

‏قد يكون أكثر خفاءً:
‏أن أعتقد أنني دائمًا على حق، وأن المشكلة دائمًا فيك.

‏أن أطالبك بمراجعة نفسك ولا أراجع نفسي.

‏أن أعرف أنني أخطأت، لكن يصعب عليّ الاعتذار.

‏أن أرى التنازل ضعفًا.

‏أن أرفض كلامًا صحيحًا لمجرد أنه صدر منك.

‏أنا أريد أن تنتصر نفسي ولو خسرت علاقتنا.

‏وهنا تبدأ الحُجب.

‏فالإنسان كلما تضخمت نفسه، ضاقت قدرته على رؤية الآخر.

‏وكلما ازداد تمركزه حول حقوقه، قلّ إدراكه لمسؤوليته.

‏حتى يصل إلى مرحلة يكون فيها الخير أمامه… ولا يراه.

‏﴿وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾

‏وهذه من أكثر العبارات إثارة للتأمل عند إسقاطها تربويًا على الصراع الزوجي.

‏فقد يعرف الزوج أن الحوار هو سبيل الرشد… لكنه يختار الهجر.

‏وتعرف الزوجة أن التفسير الذي بنته قد يكون خاطئًا… لكنها تتمسك به.

‏ويعرف أن الاعتذار سيطفئ المشكلة… لكنه يكابر.

‏وتعرف أن العفو يمكن أن يفتح بابًا جديدًا… لكنها تريد أن ينتصر ألمها.

‏ويعرفان أن الرحمة أصلح للبيت… لكن كليهما ينتظر أن يبدأ الآخر.

‏هما لا يجهلان سبيل الرشد دائمًا؛ بل قد يريانه، ثم لا يتخذانه سبيلًا.

‏وهنا نفهم أن أزمة بعض الزيجات ليست نقص المعلومات.

‏فقد يعرف الإنسان الكثير عن الحقوق الزوجية، ويقرأ عن التواصل، ويسمع عن المودة والرحمة، وربما ينصح الآخرين بها…
‏لكن حين تمس كرامته أو جرحه أو كبرياءه، يختار طريقًا آخر.

‏قد تكون النعمة أمامك… وأنت لا تراها

‏وهذه صورة مؤلمة من صور الحرمان.

‏قد يكون معك زوج فيه خير كثير، لكن عينك اعتادت البحث عن نقصه.

‏وقد تكون معك زوجة أحسنت إليك سنوات، ثم يطغى موقف واحد على تاريخ كامل من المعروف.

‏وقد يكون بينكما من المودة ما يستحق الإنقاذ، لكن تراكم الغضب جعل كل طرف يقرأ الآخر من خلال أخطائه فقط.

‏ليس معنى ذلك أن نتجاهل الظلم أو الاعتداء أو الضرر، ولا أن كل زواج يجب أن يستمر مهما حدث.

‏لكن الكلام عن حالة أخرى:

‏حين تكون النعمة موجودة، ولكن النفس لم تعد قادرة على رؤيتها.

‏فالحرمان ليس دائمًا أن يأخذ الله الشيء منك.

‏أحيانًا يكون أشد الحرمان أن يبقى الشيء بين يديك وتفقد القدرة على معرفة قيمته.

‏ولذلك ختم الله آية الزواج بالتفكر

‏تأمل:

‏﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

‏لم يقل فقط: لقوم يتزوجون.

‏بل: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾.

‏وكأن الزواج آية تحتاج إلى إنسان لا يكتفي بأن يعيش أحداثها، بل يتفكر فيها:

‏ماذا يكشف لي هذا الزواج عن نفسي؟

‏ماذا يريد مني أن أتعلم؟

‏أي جزء من أنانيتي يحتاج أن يهذب؟

‏أين مسؤوليتي فيما يحدث بيننا؟

‏هل أريد إصلاح العلاقة أم إثبات أنني على حق؟

‏هل أبحث عن سبيل الرشد، أم عن السبيل الذي تنتصر فيه نفسي؟

‏وهنا يتغير السؤال من:

‏لماذا أعطاني الله هذا الزوج أو هذه الزوجة؟

‏إلى:

‏ماذا يريد الله أن أتعلم وأنا أعيش هذه الآية؟

‏ولهذا ربما يكون من أخطر ما يحدث للإنسان:
‏أن يعيش سنوات داخل آية من آيات الله…
‏ثم يخرج منها دون أن يقرأها.     

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..