قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه في الحقيقة يكشف جانبًا مهمًا من علاقتنا بقيم الإسلام ..
فبينما يتجه الناس إلى المساجد لسماع آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي ﷺ، يبقى عند الباب امتحانٌ صامت لا ينتبه إليه كثيرون ..!!
امتحان احترام الآخرين، والالتزام بالنظام، وإدراك أن العبادة لا تبدأ عند تكبيرة الإحرام، بل هي أسم جامع لكل ما يحبه الله من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة ..
أيها الأفاضل،
ما إن تقترب من بعض المساجد يوم الجمعة حتى تستقبلك أكوام من الأحذية متناثرة أمام أبواب الدخول والخروج !!
ما إن تقترب من بعض المساجد يوم الجمعة حتى تستقبلك أكوام من الأحذية متناثرة أمام أبواب الدخول والخروج !!
مع أن أماكنها المخصصة لا تبعد سوى خطوات قليلة ..
منظر يتكرر كل أسبوع، حتى أصبح مألوفًا عند البعض، مع أنه لا يليق بمكانٍ يجتمع فيه المسلمون على أعظم شعائرهم ..
ومما لا شك فيه أن هذه الممارسة لا تتعلق بالحذاء بقدر ما تتعلق بطريقة التفكير ..
فهي تعكس في كثير من الأحيان استعجالًا، أو لامبالاة، أو أنانية تجعل الإنسان يبحث عن أقرب مكان يخلع فيه حذاءه، ولو كان ذلك على حساب راحة الآخرين. فلا يفكر في كبار السن الذين يجدون صعوبة في تجاوز هذه الأكوام، ولا في أصحاب الكراسي المتحركة الذين قد تتحول هذه الأحذية بالنسبة لهم إلى عائق حقيقي، ولا في الأطفال الذين يتعثرون بها، ولا في المصلين الذين يضطرون إلى البحث عن ممر آمن للدخول والخروج ..
ناهيك عن الزحام الشديد الذي يحصل عند خروج الناس بعد الجمعة وتعثرهم وسد الأبواب بسبب أن كل واحد يبحث عن حذائه ولا يكاد يجده ..!!
أيها الكرام، لقد جاءت الشريعة الغراء لتعظم حقوق الناس في الطرقات والممرات، حتى جعل النبي ﷺ إماطة الأذى عن الطريق صدقة، في إشارة إلى أن إزالة ما يؤذي الناس عبادة يؤجر عليها المسلم ..
وإذا كانت إماطة الأذى عن الطريق صدقة، فكيف بمن يضع الأذى بيده في طريق المصلين؟!!
إن وضع الحذاء في مكانه المخصص هو الأمر الطبيعي ، وما كان ينبغي أن يضطر أحدٌ أن ينبه عليه ولكن الحال المزعج عند أبواب المساجد وممراتها، أو جبت التنبية مرة بعد مرة ..!!
ولعل القضية الأعمق التي ينبغي أن نتوقف عندها هي ذلك الانفصال الذهني الذي يقع فيه بعض الناس بين ما يسمعونه في خطبة الجمعة، وما يمارسونه بعد انتهائها !!نستمع إلى آياتٍ تدعو إلى الإحسان، وأحاديث تحث على الرحمة، ومواعظ تؤكد احترام حقوق المسلمين، ثم لا تمضي دقائق حتى تُنسى تلك المعاني عند أول اختبار عملي خارج المسجد !!
وكأن القِيم بقيت حبيسة المنبر .. ولم تنزل إلى أرض الواقع !!
وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا: هل الغاية من خطبة الجمعة أن نسمعها فقط، أم أن نترجمها إلى أخلاق وسلوك؟!
إن نجاح الخطبة لا يقاس بتأثرنا أثناء سماعها، وإنما يقاس بما يتغير في تصرفاتنا بعدها.
ومن المؤكد أن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بالتنبيه وحده، وإنما بمزيج من التوعية والحزم ..
فالتوعية تبدأ بتذكير الناس بأن احترام النظام جزء من تعظيم شعائر الله، وأن مراعاة كبار السن وذوي الإعاقة خلق إسلامي قبل أن يكون سلوكًا حضاريًا، وأن المسجد هو أول مكان ينبغي أن تظهر فيه أخلاق المسلم ..
كما أن وضع لوحات إرشادية واضحة، وتهيئة أماكن مناسبة للأحذية، وتكرار التنبيه بين حين وآخر، كلها وسائل مؤثرة ...
ومع ذلك، فإذا بقيت الفوضى رغم التوعية، فلا حرج في اتخاذ إجراءات تنظيمية أكثر حزمًا؛ لأن حماية ممرات المسجد وحقوق المصلين مسؤولية لا تقل أهمية عن المحافظة على نظافة المسجد نفسه.
وأخيرًا، فإن الحضارة لا تُقاس بضخامة المباني ولا بجمال المساجد فحسب، وإنما تُقاس بمدى احترام الإنسان لحقوق غيره في أدق التفاصيل. وربما كان أقصر طريق لاختبار أثر صلاة الجمعة في نفوسنا سؤالًا واحدًا فقط:
أين تضع حذاءك - أجلك الله - يوم الجمعة؟!
دمتم بخير وعافية
مجرد رأي 💫
د. محمد بن علي الرشيد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..