احذر من ذلك الخطاب الخفيّ الذي يتسرّب إلى قلبك في ثوب “العناية بالنفس”، وهو في حقيقته يُربّي فيك أنانيةً ناعمة…
يقول لك:
ابتعد عن كل ما يزعجك،
واهجر كل موضع لا يسعدك،
واصنع لنفسك عالماً مُعقَّماً من كل ما يكدّر صفوك..!
وكأن الحياة بهذا التفكير خُلِقت لتكون رحلة متعةٍ صافية، لا يُخالطها تعب، ولا يمرّ بها كدر..!
كلا،،
بل الحياة في حقيقتها: ابتلاءٌ وامتحان،
فيها الكَبَد، وفيها النَّصَب، وفيها ما يُخالف الهوى ويثقل النفس،
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾.
والمؤمن لا يُربَّى على الهروب من المنغصات، بل على احتمالها،
ولا يُنشأ على تصفية الطريق، بل على الثبات فيه.
إن من أعظم معاني الإيمان:
أن تصبر،
وأن تُحسن،
وأن تتجاوز،
وأن تُبقي قلبك واسعًا رغم ضيق ما حولك.
فالحياة لا تستقيم بلا:
صبرٍ على القريب قبل البعيد،
وتراحمٍ يُداوي ما تجرحه الأيام،
وتضحيةٍ تُبقي العلاقات حيّة،
وإحسانٍ يتجاوز حدود العدل.
وقد قيل: خير الأمور مغبّة الصبر…
فكم من أمرٍ كرهَتُه النفس، وكان في باطنه خيرٌ كثير!
﴿ و عَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾.
ستجد في طريقك:
قريبًا لا يوافق طبعك.. فاصبر.
وجارًا يؤذيك.. فاصبر.
وصديقًا يختلف معك.. فاصبر.
وزوجةً أو زوجًا لا تكتمل فيهما الصورة التي تتخيلها.. فاصبر.
فلن تصفو الحياة لأحد،
ولن يسلم لك بشرٌ من النقص.
وإن أنت لم تشرب مرارًا على القذى
ظمئت.. وأيُّ الناس تصفو مشاربه؟!
إن اجتناب ما يؤذيك قد يكون مطلوبًا أحيانًا، لكن جعله أصلاً للحياة.. هو الخلل بعينه.
ذلك أن هذا الخطاب المعاصر لا يقف عند حدود “الراحة”،
بل يؤسس لفكرة خطيرة:
أن “الأنا” هي الميزان،
وأن جودة الحياة تُقاس بقدر خلوها من الإزعاج!
فتتحول العلاقات إلى “سِلع”:
إن أسعدتك احتفظت بها،
وإن أتعبتك استبدلتها!
وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية،
لا خسارة العلاقات فحسب،
بل خسارة الأجر والثواب الذي وعدنا الله به عندما نصبر ..
إن الإفراط في “الاعتزال”
يُضعف النفس،
ويُربّيها على الهشاشة،
ويجعلها عاجزة عن الاحتمال، سريعة الانكسار، قليلة الصبر.
فتجد:
أخًا لا يحتمل أخاه،
وزوجًا يضيق بزوجته،
وزوجةً تنفر من زوجها،
بل وربما من يضيق بأمّه وأبيه..!!
وهذه ليست قوةً ولا وعيًا…
بل صورةٌ من تدليل النفس
الذي يقتل صلابتها.
إن النفس –كما الجسد– تحتاج إلى ما يُقوّي مناعتها،
وإن مناعتها الحقيقية تُبنى بـ:
الصبر، والحِلم، وسعة الصدر، وتحمل الأذى، والتدرّب على التعايش مع ما لا يُحب.
﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ﴾.
فليست العافية أن تُصفّر مشاكلك،
ولا النضج أن تهرب من كل ما يزعجك،
بل العافية الحقيقية:
أن يُعينك الله على إدارة ما يزعجك،
وأن تبقى ثابتًا، نقيًّا،
محسنًا… رغم كل شيء.
د: محمد آل رميح..
🍃🌧️
((اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل، ومن الهشاشة وضعف الاحتمال. اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكّها أنت خير من زكاها، واجعلنا ممن يصبرون ويحتسبون. اللهم اجعلنا مباركين أينما كنا، صابرين على الأذى، باذلين للمجتمع، واجعل ميزاننا رضاك، ولا تجعل ميزاننا أهواء نفوسنا.
واجعل صبرنا على من حولنا رفعةً لنا في درجاتك، وثباتاً على الصراط المستقيم.))
📚🌧️

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..