الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026

الموقف من دعوة إمام الأزهر والإخوان المسلمين من الصلح مع الحوثيين

       إن الدعوة إلى وقف القتال مع الحوثيين، التي  أطلقها شيخ الأزهر أحمد الطيب وأيدتها جماعة الإخوان المسلمين، لا ينبغي أن تُناقش بمعزل عن حقيقة المشروع الحوثي، وجذوره العقدية ،وصلاته الإيرانية، وما ترتب على تمدده من أخطار على اليمن والمملكة العربية السعودية والمنطقة. 

فليس النزاع مع هذه الجماعة مجرد خلاف سياسي على اقتسام السلطة، حتى يكون الحل في مطالبة الأطراف بالكف عن القتال، وإنما هو نزاع تتداخل فيه العقيدة بالسياسة، والمشروع الطائفي بالنفوذ الإقليمي، والسيطرة العسكرية بمحاولة إعادة تشكيل وعي المجتمع اليمني.

إن أول ما ينبغي استحضاره عند الحديث عن الحوثيين ،هو طبيعة المشروع الذي يحملونه، وما يستند إليه من تصورات عقدية وسياسية تتصل بالإمامة والولاية وحق الحكم. 

فالجماعة لا تطرح نفسها على أنها طرفاً سياسياً يطلب المشاركة في إدارة الدولة وحسب ، بل تقدم مشروعًا يمنح قيادتها الدينية والسياسية امتيازًا يتجاوز مبدأ المواطنة المتساوية، ويجعل الولاء لمشروعها معيارًا في النظر إلى المجتمع وإلى مخالفيها. 

ولذلك لا يصح أن يُختزل الخلاف معها في نزاع على السلطة، أو أن تُغفل أدبياتها وخطاباتها المنشورة قبل عام 2014، وما صرحت به من مواقف تجاه خصومها، وما تضمنه خطابها التعبوي من تصورات تتجاوز حدود المشاركة السياسية إلى فرض مشروعها على المجتمع.

ومن ذلك خطابها الديني والسياسي الذي ينبغي أن يُقرأ في سياقه، لا أن يُعزل عن ممارسات الجماعة ومسارها. كما أن ما ورد في خطابها المنشور من تصورات تتصل بالتوسع خارج اليمن، وما يمس أمن المملكة العربية السعودية والحرمين الشريفين، لا يجوز تجاوزه عند بحث الصلح؛ إذ إن هذه المسائل تتعلق بأمن الدول وحرمة المقدسات، وليست مجرد عبارات عابرة في خصومة سياسية. ومن أراد تسويةً جادةً فعليه أن يواجه هذه المضامين، ويطلب موقفًا صريحًا منها، ويضمن ألا تتحول إلى سياسات أو اعتداءات مستقبلية.

ويزداد الأمر وضوحًا عند النظر إلى الصلة الإيرانية القديمة بالحركة الحوثية. فهذه الصلة لم تنشأ بعد سيطرة الجماعة على صنعاء، بل تعود إلى مراحل سابقة على توسعها العسكري؛ فقد ارتبط بدر الدين الحوثي بإيران، وتأثر حسين الحوثي بالثورة الإيرانية، واتصل بعض أتباع الحركة بالمؤسسات الدينية الإيرانية. ثم تطورت العلاقة حتى أصبح الدعم الإيراني العسكري والتقني والتدريبي عاملًا مهمًّا في تعزيز قدرات الحوثيين، ولا سيما في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة. 

وقد وثقت دراسات متخصصة هذا التطور، مع التمييز بين الدعم السياسي والفكري المبكر ،وبين الأدلة التي اتضحت لاحقًا عند البعض بشأن الدعم العسكري واتضحت سابقاً عند البعض الآخر . 

ومن ثم فإن التعامل مع الجماعة بوصفها شأنًا يمنيًّا داخليًّا محضًا يتجاهل جانبًا أساسيًّا من حقيقة النزاع.

ولا يجوز كذلك إغفال تاريخ التمرد الحوثي، الذي بدأت جولاته المسلحة عام 2004، ثم انتهى مساره إلى السيطرة على صنعاء ومؤسسات الدولة ؛ إذ ليس من المقبول أن يُطلب من الناس نسيان هذا التاريخ، ثم يُعرض وقف القتال باعتباره حلًّا كافيًا، دون معالجة أسباب التمرد ومصادر القوة التي مكّنت الجماعة من التوسع. كما أن أي صلح لا يتناول الدعم العسكري الخارجي، ولا يمنع استخدام الأراضي اليمنية منصةً لتهديد الجيران، قد يتحول إلى هدنة تستفيد منها الجماعة لإعادة بناء قدراتها والاستعداد لجولة جديدة من الصراع.

ومن هنا تبرز مسألة السلاح، وهي ليست تفصيلًا فنيًّا يمكن تأجيله إلى ما بعد الاتفاق السياسي، بل تتصل بأصل قيام الدولة ووظيفتها. فالدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم، ولا تخضع فيها القوة العسكرية والأمنية لسلطة مؤسساتها، لا تتمتع بسيادة مكتملة. ولا يستقيم أن تحتفظ جماعة بجيش مستقل وصواريخ وطائرات مسيّرة، وتقرر منفردة متى تحارب ومتى تعقد الهدنة، بينما يكون الحوثيون، كسائر أبناء اليمن، مواطنين في دولة واحدة، لهم ما لغيرهم من الحقوق وعليهم ما عليهم من الواجبات. فالمواطنة لا تمنح جماعة حق امتلاك قوة مسلحة موازية للدولة، ولا حق فرض مشروعها العقدي والسياسي على المجتمع بقوة السلاح.

ولا يقل عن ذلك خطورة ملف التعليم والمناهج. فقد وثق تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن تعديلات أدخلها الحوثيون على الكتب المدرسية في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، ورأى أن المضامين الجديدة تعكس توجهاتهم الأيديولوجية والسياسية، وحذر من آثار الدعاية والتضليل في الأجيال المقبلة. وهذه قضية لا يجوز إغفالها عند التفاوض؛ لأن السيطرة على الأرض قد تتغير، أما الأفكار التي تُغرس في نفوس الأطفال فقد تبقى عقودًا. ومن ثم لا بد من مراجعة المناهج مراجعة علمية مستقلة، ومنع توظيف المدارس في التعبئة المذهبية والحزبية والعسكرية، وضمان أن يتلقى أبناء اليمن تعليمًا لا يجعل الولاء لجماعة مسلحة أساسًا للانتماء إلى المجتمع.

أما الاستدلال بوجوب الإصلاح بين المسلمين وحرمة الدماء، فهو استدلال صحيح في أصله، لكنه لا يكتمل باقتطاع جانب من النصوص الشرعية وإغفال بقيتها. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، ثم قال سبحانه: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. فالآية لم تجعل الإصلاح مرادفًا لوقف القتال كيفما اتفق، بل قرنت الإصلاح برد البغي، ثم أمرت بالعدل والقسط. وليس معنى ذلك إباحة الحرب بلا ضوابط، وإنما أن حقن الدماء لا ينفصل عن حماية الحقوق ومنع العدوان.

إن الاعتراض على الدعوة العامة إلى وقف القتال ليس اعتراضًا على السلام، ولا دعوة إلى استمرار الحرب لذاتها، وإنما هو اعتراض على اختزال السلام في مجرد إسكات السلاح دون معالجة الأسباب التي جعلت الحرب ممكنة، ودون ضمانات تمنع تجددها. 

ومن حق اليمنيين، كما من حق المملكة وسائر دول المنطقة، أن يعرفوا ما الذي ستتضمنه التسوية بشأن السلاح المستقل، والدعم الإيراني، واحترام سيادة الدول، وأمن الحرمين الشريفين، ومستقبل الدولة اليمنية، والمناهج التعليمية، وحقوق المخالفين.

إن الصلح الذي يترك هذه الملفات معلقة قد يؤجل الحرب ولا ينهيها، وقد يمنح الجماعة فرصة لتثبيت نفوذها بدلًا من إنهاء أسباب النزاع. أما الصلح العادل فهو الذي يحفظ الدماء والحقوق معًا، ويمنع فرض المشاريع الدينية والسياسية بالقوة، ويضمن أن يكون السلاح تحت سلطة الدولة، ويصون اليمن وجيرانه من تجدد العدوان.

ولهذا فإن الواجب على دعاة الوساطة، ومنهم المؤسسات الدينية والجماعات السياسية، ألا يكتفوا بنداء عام لوقف القتال، بل أن يقدموا تصورًا واضحًا للسلام الذي يدعون إليه، وشروطه وضماناته، وموقفه من المشروع الحوثي وصلاته الخارجية وممارساته.

فليس كل توقف للحرب سلامًا، وليس كل اتفاق بين المتحاربين صلحًا عادلًا؛ وإنما يُعرف الصلح بما يحققه من عدل، وما يمنعه من عدوان، وما يصونه من حقوق. وبذلك وحده تصبح الدعوة إلى السلام موقفًا مسؤولًا، لا مجرد شعار حسن اللفظ مجهول العواقب.


مقال : محمد بن إبراهيم السعيدي
    19 أكتوبر, 2026

.......

هنا تغريدة  شيخ الأزهر
من مصر العروبة، ومن قلب الأزهر الشريف، نوجه نداءً أخويًّا عاجلًا إلى كل الأشقاء في دولنا العربيَّة والإسلاميَّة كافة، بضرورة تغليب روح الأخوة وروابط الدين والدم واللغة، وإعلاء صوت الحكمة، والاحتكام إلى لغة العقل والحوار، والوقف الفوري والشامل لكل أعمال الحرب والقتال والتَّدمير والتَّخريب التي تستنزف مقدَّرات الشُّعوب وتُزهق أرواح الأبرياء.

كما ندعو إلى تشكيل لجنة وساطة وتهدئة عاجلة، تضم ممثلين من مختلف الدول العربية والإسلامية؛ من العقلاء والحكماء المخلصين، ومن محبِّي الخير والسَّلام والاستقرار؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ سورة الحجرات (الآية 9)، لتتولى بشكل عاجل نزع فتيل الأزمات والصراعات المشتعلة، وتقريب وجهات النَّظر، وإنهاء الخلافات القائمة بين أبناء الدين الواحد والأمة الواحدة، وبما يحفظ للعرب قوتهم وسيادتهم، وصون دماء أبنائهم ومقدَّرات شعوبهم وأجيالهم القادمة.

هذا؛ وإن الأزهر الشريف لعلى أتم الاستعداد بأن يبذل أقصى ما يستطيع لدعم جهود هذه اللجنة المباركة، وكلنا ثقة بحكمة كل الأطراف وقدرتهم على تجاوُز الخلافات وطي صفحة الماضي؛ حقنًا للدماء المعصومة، وحفظًا لأرواح الأبرياء، وتغليبًا للمصلحة العامة.
نسأل المولى -عز وجل- أن يحفظ أمتنا العربية والإسلامية من كل مكروهٍ وسوءٍ، وأن يُجنِّب منطقتنا ويلات الحروب والصراعات، إنه ولي ذلك والقادر عليه. 
@alimamaltayeb
احمد الطيب
شيخ الازهر
18 أكتوبر 2026
المصدر 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..