الأحد، 4 أكتوبر 2026

حين تكبر بنا الحياة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
أعتذر عن الإطالة، فما أطال الحديث إلا اتساع المعنى، وما أكثر الكلمات إلا رغبةٌ في أن تصل الفكرة كما شعرت بها، فبعض المعاني لا تنصفها العبارات المقتضبة.
شكرًا لمن منح هذه السطور شيئًا من وقته، وقرأها بقلبه قبل عينيه.
 

"حين تكبر بنا الحياة" 

كلما تقدّم بنا العمر، أدركنا أن السنوات لا تغيّر ملامحنا فحسب، بل تغيّر الكثير في داخلنا أيضًا؛ نظرتنا إلى الحياة، وحدود احتمالاتنا، وأولوياتنا، وحتى طريقتنا في فهم الناس والتعامل معهم.

حين يكبر الإنسان، لا يكبر وحده؛ يكبر معه أصدقاؤه وأقاربه وأحباؤه، وتكبر معهم هموم الحياة ومسؤولياتها، بحلوها ومرّها، بأفراحها وأثقالها. 
تتسع العائلات، ويكبر الأبناء، يموت من انتهى أجله منهم، ويبقى من يبقى، ويأتي الأحفاد، وتتغير الصحة، وتتبدل الظروف، ويحمل كل إنسان في داخله من الأعباء ما قد لا يراه أقرب الناس إليه.

ولهذا، ليس من الحكمة أن ننتظر من صديق اليوم أن يبقى كما كان قبل عشرين أو ثلاثين عامًا؛ مع مرور الأعوام، ليس بالضرورة أن يبقى الإنسان كما عرفناه. فذلك الصديق الذي كان يتقبّل مزاحك وعتابك، ويتجاوز عن هفواتك، ويأخذ ويعطي معك بعفوية، قد يكون اليوم أكثر حساسية وأقل احتمالًا؛ لا لأنه أصبح شخصًا آخر بالضرورة، ولكن لأن العمر مضى به، والأحمال ازدادت، والمسؤوليات تكاثرت، فما كان يضحكه بالأمس قد لا يضحكه اليوم، وما كان يتجاوزه بسهولة قد يثقل عليه الآن، وما كان لديه متسع من الوقت والصبر له، ربما لم يعد يملك له اليوم إلا القليل، وربما أثقلت الصحةُ الجسد، وأرهقت التجاربُ النفس.

تكبر الأسرة، ويكبر الأبناء، ويأتي الأحفاد، وتتبدل الأولويات والطموحات، ويجد الإنسان نفسه منشغلًا بأمور لم يكن يفكر فيها يومًا. 
ومع كل مرحلة من العمر تتغير نظرته للحياة، ويصبح أكثر حرصًا على راحته، وأشد تمسكًا بهدوئه، وأقل استعدادًا للدخول في خلافات كان يتجاوزها في شبابه ببساطة.
ليس لأنه أصبح أسوأ، ولا لأن مودته بالضرورة تغيّرت، وإنما لأن الحياة مرّت من هنا… وتركت أثرها.

ومع العمر نتعلم ألا نفسّر كل ابتعاد بأنه جفاء، ولا كل صمت بأنه كِبر، ولا كل تغير بأنه مصلحة انتهت. فقد يكون وراء الصمت تعب، ووراء الابتعاد ظرف، ووراء تغير الطباع قصة لا نعرفها.

فالإنسان كلما طال به الطريق، حمل من الحكايات ما لا يقوله، ومن الهموم ما لا يظهره، ومن الخيبات ما يجعله أكثر حرصًا على سلامه الداخلي.

وقد يأتي يوم تجد فيه صديقًا عزيزًا أو قريبًا حبيبًا قد تغيّر عليك بسبب موقف عابر، أو مزحة لم يتقبلها كما كان، أو نصيحة قدمتها بحسن نية، وربما تشعر بابتعاده دون أن تعرف لذلك سببًا.

فتسأل نفسك: ما الذي تغيّر؟

أهو المال؟ أم المصلحة؟ أم الكِبر؟ أم أن الود لم يكن كما ظننت؟

وقد يكون شيء من ذلك، وقد لا يكون شيء منه. فربما كانت خلف ذلك التغير معركة صامتة لا تعرف عنها شيئًا، أو همٌّ يخفيه صاحبه، أو تعبٌ جعله أقل احتمالًا وأكثر رغبة في الصمت والابتعاد.

فالناس أسرار، ولكل إنسان قصة لا نعرف منها إلا ما أظهره لنا. 
فأسرار صديق الأمس لا تصبح مباحة لأنه ابتعد، وخصوصيات القريب لا تتحول إلى حديث للمجالس لأن الود انقطع، وما اؤتمنت عليه في زمن الصفاء لا يجوز أن يصبح سلاحًا في زمن الخصومة.
لكن، مهما كانت أسباب القرب أو دوافع الابتعاد، تبقى هناك قاعدة لا ينبغي أن تتغير:
إذا انتهت العلاقات، فلا ينبغي أن تنتهي الأخلاق.

لذلك، علينا أن نكون أكثر رفقًا ببعضنا كلما تقدمت بنا الأعمار؛ فلا نحاسب الناس دائمًا على صورتهم القديمة في ذاكرتنا، ولا نفترض أن ما كان مقبولًا بالأمس سيظل مقبولًا اليوم. 
فالنفوس تتغير، والظروف تتبدل، ودوام الحال من المحال.

ومن أجمل ما يمكن أن نقدمه لبعضنا في هذه المرحلة من العمر أن نخفف العتاب، ونحسن الظن، ونترك للآخرين مساحتهم، وألا نحمّل العلاقات فوق ما تحتمل.

فليس كل صديق ابتعد قد تغيّر قلبه، وليس كل قريب قلّ حضوره قد نقصت محبته، وليس كل من اختار الصمت يحمل في نفسه شيئًا عليك.

أحيانًا… يكون الإنسان قد تعب فقط.

ومع ذلك، قد تنتهي بعض العلاقات، وقد تتباعد الطرق، وربما يغادر أشخاصٌ كانوا يومًا من أقرب الناس إلينا. 
فالمواقف تكشف معادن الناس، وهنا يظهر معدن الإنسان الحقيقي.

فالود قد ينتهي، ولكن الأخلاق والأمانة لا تنتهي.

وما عرفته عن صديقك في زمن الصفاء، لا يصبح مباحًا في زمن الخصومة. وما أودعه عندك من سر، وما دار بينكما من حديث، وما رأيته من ضعفٍ أو حاجة أو انكسار، يظل أمانة في عنقك ولو لم تجمعكما الأيام بعد ذلك أبدًا.

فمن المروءة أن تحفظ للغائب غيبته، ولصديق الأمس سره، وللعِشرة القديمة حرمتها. 

لقد علّمتني الأعوام أن الناس لا يُعرفون فقط بحسن صحبتهم عند اللقاء، بل يُعرفون أيضًا بنبل أخلاقهم عند الفراق.

وأن أجمل النهايات ليست تلك التي لا ألم فيها، بل تلك التي نخرج منها بلا إساءة، ولا تشهير، ولا كشفٍ لستر، ولا إنكارٍ لجميل، فلنترك للراحلين سترهم، وللذكريات حرمتها، وللأسرار أبوابها المغلقة.

فالعمر أقصر من أن نقضيه في تصفية الحسابات، والقلوب أتعب من أن نحملها فوق ما حملت، وما بقي من الطريق يستحق منا شيئًا من الصفح، وكثيرًا من الهدوء، وحسن الظن، فليس كل من غادر حياتنا يستحق الخصومة، وليس كل خلاف يستحق أن نهدم من أجله تاريخًا كاملًا من المودة.

وفي آخر المطاف، قد تتغير الوجوه، والقلوب تتغير، وقد تطول وتتباعد الدروب، وتنتهي المصالح والعلاقات… 
لكن يبقى الإنسان بما حفظ، لا بما كشف؛ 
وبما ستر، لا بما فضح؛ وبما ترك في قلوب الناس من أثرٍ جميل.

فإذا انتهى الود، فلتبقَ المروءة… وإذا افترقت الطرق، فلتبقَ الأخلاق.

تحياتي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..