كثيراً ما نسمع في حياتنا اليومية عبارة: “هذا محدَث نعمة”، وكأنها ختم اجتماعي جاهز يوضع على جبين كل من انتقل فجأة من ضيق الحال إلى سعة المال.
لكن الحقيقة أن الأمر ليس بهذه البساطة، لأن ليس كل من صار غنياً بعد فقر يُعدّ محدَث نعمة، وإلا لظلمنا كثيرين تعبوا وشقوا وسهروا الليالي حتى وصلوا.
فالإنسان الذي بنى ثروته لبنة فوق لبنة، وعرقاً فوق عرق، وخسارةً بعد خسارة، ثم نجح بعد صبر طويل، هذا ليس محدَث نعمة، بل هو رجل صنع نعمته بيديه، حتى لو كان في الأصل فقيراً معدماً. هذا النوع من الناس غالباً ما يعرف قيمة المال، لأنه يعرف جيداً كم وجع ظهره حتى حصل عليه، وكم مرة نام مهموماً وهو يحاول أن يمنع مشروعه من الانهيار.
أما محدَث النعمة بالمعنى الحقيقي، فهو ذلك الذي هبطت عليه الثروة فجأة كما تهبط الأمطار الصيفية: بلا مقدمات، وبلا استحقاق واضح، وبلا تدريب نفسي أو اجتماعي على حملها. كأن يربح اليانصيب، أو يرث مالاً لم يكن يحلم به، أو تأتيه فرصة اغتناء خاطفة لم يبذل فيها جهداً يتناسب مع حجم ما حصل عليه. هنا تبدأ الحكاية الحقيقية، لا حكاية المال، بل حكاية العقل عندما يفاجئه الرصيد البنكي.
الفرق الأساسي بين الثري ومحدَث النعمة لا يظهر في حجم المال، بل في طريقة حمل المال.
الثري الحقيقي يحمل المال كما يحمل الإنسان ساعة في يده: شيء نافع، جميل، لكنه ليس موضوع الحديث في كل مجلس.
أما محدَث النعمة فيحمل المال كما يحمل طفل لعبة جديدة: يلوّح بها في وجه الناس، ويطرق بها الطاولة، وينام وهو محتضنها، ويستيقظ خائفاً أن أحداً لم ينتبه إليها بما يكفي.
الثري الحقيقي لا يحتاج إلى إعلان يومي يثبت فيه أنه ثري. لا يدخل المجلس وكأنه معرض سيارات متنقل، ولا يلبس الماركات من رأسه إلى أخمص قدميه كأن الثياب كلها تصرخ: “انتبهوا… لقد أصبح معي مال!”، ولا يظن أن رفع صوته على الناس جزء من أرباحه السنوية. هو غالباً أكثر هدوءاً، لأنه يعرف أن المال وسيلة، لا مسرحية.
أما محدَث النعمة، فترى عليه أعراض الثراء المفاجئ كما ترى أعراض الحمى على المريض. يبدأ أولاً بتبديل قاموسه. فجأة تصبح كلماته نصفها إنجليزية ونصفها استعلاء. ثم يبدأ بتصغير الناس والنظر إليهم من أعلى، كأنه لم يكن واحداً منهم بالأمس القريب. ثم يصاب تدريجياً بداء خطير اسمه تضخم الذات النقدي؛ فيتصور أن الله اختاره شخصياً من بين البشر لأنه عبقري نادر، لا لأن عجلة الحظ دارت مرة ووقفت عند اسمه مصادفة.
ومحدَث النعمة لا يكتفي بأن يكون غنياً، بل يريد من العالم كله أن يعمل شهود إثبات على غناه. سيارتُه لا تُشترى للراحة بل للعرض. بيته لا يُؤثث للسكن بل للتصوير. سفره لا يكون للمتعة بل ليستطيع أن يقول للناس إنه فطر في باريس وتعشى في دبي وشرب القهوة في مكان لا يعرف هو نفسه كيف يلفظه. وحتى هداياه لا يعطيها بدافع الكرم، بل بدافع أن تُذكر قيمة الهدية في الجلسة ثلاث مرات على الأقل.
المشكلة أن هذا النوع من الناس لا يكتفي بالتفاخر، بل يخلط بين المال والقيمة الإنسانية. فيتصور أن زيادة رصيده تعني زيادة عقله، وأن امتلاكه ساعة أغلى يعني أن رأيه صار أعمق، وأن من حوله أصبحوا أقل شأناً فقط لأن محافظهم أنحف من محفظته. وهنا تقع الكارثة: حين يتحول المال من نعمة إلى وسيلة لقياس البشر.
أما الثري الحقيقي، فهو غالباً أكثر اتزاناً، لأنه يدرك أن المال يأتي ويذهب، وأن الدنيا لا تعطي أحداً صك ضمان أبدي. لذلك لا يبالغ في الغرور، ولا يستعرض ثروته كأنها فتح مبين، ولا ينسى أن كثيراً من الناس قد يكونون أفقر منه مالاً لكنهم أغنى منه خُلقاً وعلماً وقيمة.
الثري يعرف أن المال يمكن أن يبني بيتاً، لكنه لا يشتري عائلة.
يمكن أن يشتري دواءً، لكنه لا يشتري صحة.
يمكن أن يشتري سريراً فاخراً، لكنه لا يشتري نوماً هادئاً.
ولهذا تراه أكثر هدوءاً وأقل ضجيجاً، لأنه فهم حقيقة المال، بينما محدَث النعمة ما يزال يتعامل معه كأنه معجزة شخصية نزلت من السماء لتثبت أنه أعظم من البشر.
الخلاصة أن الفرق بين الثري ومحدَث النعمة ليس في عدد الأصفار في الحساب، بل في عدد الأوهام في الرأس.
فالثري الحقيقي يملك المال،
أما محدَث النعمة فغالباً المال هو الذي يملكه.
وأسوأ ما في محدَث النعمة أنه لا يكتفي بأن تتبدل حياته، بل يريد أن تتبدل قوانين الكون كلها احتراماً لبطاقته البنكية. فإذا جلس مع الناس ظن نفسه من سلالة الملوك، وإذا تكلم حسب أن الحكماء جميعاً يجب أن يصمتوا ليستمعوا إلى فلسفته النقدية العميقة التي بدأت يوم وصلته الحوالة.
لذلك ليس كل غني محترماً، وليس كل فقير بسيطاً، لكن يبقى المقياس الأصدق دائماً:
إذا زاد مال الإنسان وبقي متواضعاً، فهذه نعمة.
وإذا زاد ماله وانتفخ رأسه، فهذه ليست نعمة… بل اختبار رسب فيه من أول دفعة.
بقلم
د. محسن العبيدي الصفار
١:٢٥ ص · ٨ أبريل ٢٠٢٦
·

لكن الحقيقة أن الأمر ليس بهذه البساطة، لأن ليس كل من صار غنياً بعد فقر يُعدّ محدَث نعمة، وإلا لظلمنا كثيرين تعبوا وشقوا وسهروا الليالي حتى وصلوا.
فالإنسان الذي بنى ثروته لبنة فوق لبنة، وعرقاً فوق عرق، وخسارةً بعد خسارة، ثم نجح بعد صبر طويل، هذا ليس محدَث نعمة، بل هو رجل صنع نعمته بيديه، حتى لو كان في الأصل فقيراً معدماً. هذا النوع من الناس غالباً ما يعرف قيمة المال، لأنه يعرف جيداً كم وجع ظهره حتى حصل عليه، وكم مرة نام مهموماً وهو يحاول أن يمنع مشروعه من الانهيار.
أما محدَث النعمة بالمعنى الحقيقي، فهو ذلك الذي هبطت عليه الثروة فجأة كما تهبط الأمطار الصيفية: بلا مقدمات، وبلا استحقاق واضح، وبلا تدريب نفسي أو اجتماعي على حملها. كأن يربح اليانصيب، أو يرث مالاً لم يكن يحلم به، أو تأتيه فرصة اغتناء خاطفة لم يبذل فيها جهداً يتناسب مع حجم ما حصل عليه. هنا تبدأ الحكاية الحقيقية، لا حكاية المال، بل حكاية العقل عندما يفاجئه الرصيد البنكي.
الفرق الأساسي بين الثري ومحدَث النعمة لا يظهر في حجم المال، بل في طريقة حمل المال.
الثري الحقيقي يحمل المال كما يحمل الإنسان ساعة في يده: شيء نافع، جميل، لكنه ليس موضوع الحديث في كل مجلس.
أما محدَث النعمة فيحمل المال كما يحمل طفل لعبة جديدة: يلوّح بها في وجه الناس، ويطرق بها الطاولة، وينام وهو محتضنها، ويستيقظ خائفاً أن أحداً لم ينتبه إليها بما يكفي.
الثري الحقيقي لا يحتاج إلى إعلان يومي يثبت فيه أنه ثري. لا يدخل المجلس وكأنه معرض سيارات متنقل، ولا يلبس الماركات من رأسه إلى أخمص قدميه كأن الثياب كلها تصرخ: “انتبهوا… لقد أصبح معي مال!”، ولا يظن أن رفع صوته على الناس جزء من أرباحه السنوية. هو غالباً أكثر هدوءاً، لأنه يعرف أن المال وسيلة، لا مسرحية.
أما محدَث النعمة، فترى عليه أعراض الثراء المفاجئ كما ترى أعراض الحمى على المريض. يبدأ أولاً بتبديل قاموسه. فجأة تصبح كلماته نصفها إنجليزية ونصفها استعلاء. ثم يبدأ بتصغير الناس والنظر إليهم من أعلى، كأنه لم يكن واحداً منهم بالأمس القريب. ثم يصاب تدريجياً بداء خطير اسمه تضخم الذات النقدي؛ فيتصور أن الله اختاره شخصياً من بين البشر لأنه عبقري نادر، لا لأن عجلة الحظ دارت مرة ووقفت عند اسمه مصادفة.
ومحدَث النعمة لا يكتفي بأن يكون غنياً، بل يريد من العالم كله أن يعمل شهود إثبات على غناه. سيارتُه لا تُشترى للراحة بل للعرض. بيته لا يُؤثث للسكن بل للتصوير. سفره لا يكون للمتعة بل ليستطيع أن يقول للناس إنه فطر في باريس وتعشى في دبي وشرب القهوة في مكان لا يعرف هو نفسه كيف يلفظه. وحتى هداياه لا يعطيها بدافع الكرم، بل بدافع أن تُذكر قيمة الهدية في الجلسة ثلاث مرات على الأقل.
المشكلة أن هذا النوع من الناس لا يكتفي بالتفاخر، بل يخلط بين المال والقيمة الإنسانية. فيتصور أن زيادة رصيده تعني زيادة عقله، وأن امتلاكه ساعة أغلى يعني أن رأيه صار أعمق، وأن من حوله أصبحوا أقل شأناً فقط لأن محافظهم أنحف من محفظته. وهنا تقع الكارثة: حين يتحول المال من نعمة إلى وسيلة لقياس البشر.
أما الثري الحقيقي، فهو غالباً أكثر اتزاناً، لأنه يدرك أن المال يأتي ويذهب، وأن الدنيا لا تعطي أحداً صك ضمان أبدي. لذلك لا يبالغ في الغرور، ولا يستعرض ثروته كأنها فتح مبين، ولا ينسى أن كثيراً من الناس قد يكونون أفقر منه مالاً لكنهم أغنى منه خُلقاً وعلماً وقيمة.
الثري يعرف أن المال يمكن أن يبني بيتاً، لكنه لا يشتري عائلة.
يمكن أن يشتري دواءً، لكنه لا يشتري صحة.
يمكن أن يشتري سريراً فاخراً، لكنه لا يشتري نوماً هادئاً.
ولهذا تراه أكثر هدوءاً وأقل ضجيجاً، لأنه فهم حقيقة المال، بينما محدَث النعمة ما يزال يتعامل معه كأنه معجزة شخصية نزلت من السماء لتثبت أنه أعظم من البشر.
الخلاصة أن الفرق بين الثري ومحدَث النعمة ليس في عدد الأصفار في الحساب، بل في عدد الأوهام في الرأس.
فالثري الحقيقي يملك المال،
أما محدَث النعمة فغالباً المال هو الذي يملكه.
وأسوأ ما في محدَث النعمة أنه لا يكتفي بأن تتبدل حياته، بل يريد أن تتبدل قوانين الكون كلها احتراماً لبطاقته البنكية. فإذا جلس مع الناس ظن نفسه من سلالة الملوك، وإذا تكلم حسب أن الحكماء جميعاً يجب أن يصمتوا ليستمعوا إلى فلسفته النقدية العميقة التي بدأت يوم وصلته الحوالة.
لذلك ليس كل غني محترماً، وليس كل فقير بسيطاً، لكن يبقى المقياس الأصدق دائماً:
إذا زاد مال الإنسان وبقي متواضعاً، فهذه نعمة.
وإذا زاد ماله وانتفخ رأسه، فهذه ليست نعمة… بل اختبار رسب فيه من أول دفعة.
بقلم
د. محسن العبيدي الصفار
١:٢٥ ص · ٨ أبريل ٢٠٢٦
·
صُنع باستخدام الذكاء الاصطناعي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..