(ابن المقفع أصيل في الفرس عريق شريف فيهم)
فظننا أنه يريد الفرس، فقلنا: فارس أعقل الأمم، نقصد مقاربته، ونتوخّى مصانعته.
فقال: كلّا، ليس ذلك لها ولا فيها، هم قوم علّموا فتعلّموا، ومثّل لهم فامتثلوا واقتدوا وبدئوا بأمر فصاروا إلى اتّباعه، ليس لهم استنباط ولا استخراج.
فقلنا له: الرّوم. فقال: ليس ذلك عندها، بل لهم أبدان وثيقة وهم أصحاب بناء وهندسة، لا يعرفون سواهما، ولا يحسنون غيرهما.
قلنا: فالصّين. قال: أصحاب أثاث وصنعة، لا فكر لها ولا رويّة.
قلنا: فالتّرك. قال: سباع للهراش.
قلنا: فالهند. قال: أصحاب وهم ومخرقة وشعبذة وحيلة.
قلنا: فالزّنج. قال: أصحاب صبر والكدّ.
فرددنا الأمر إليه.
قال: العرب.
فتلاحظنا وهمس بعضنا إلى بعض، فغاظه ذلك منّا، وامتقع لونه،
ثم قال:
كأنّكم تظنّون فيّ مقاربتكم،
فو الله لوددت أنّ الأمر ليس لكم ولا فيكم
ولكن كرهت إن فاتني الأمر أن يفوتني الصواب،
ولكن لا أدعكم حتى أبيّن لكم لم قلت ذلك، لأخرج من ظنّة المداراة، وتوهّم المصانعة،
إن العرب ليس لها أول تؤمّه ولا كتاب يدلّها، أهل بلد قفر، ووحشة من الإنس، احتاج كلّ واحد منهم في وحدته إلى فكره ونظره وعقله، وعلموا أنّ معاشهم من نبات الأرض
فوسموا كلّ شيء بسمته، ونسبوه إلى جنسه وعرفوا مصلحة ذلك في رطبه ويابسه، وأوقاته وأزمنته، وما يصلح منه في الشاة والبعير،
ثم نظروا إلى الزمان واختلافه فجعلوه ربيعيا وصيفيا، وقيظيا وشتويا،
ثم علموا أنّ شربهم من السماء، فوضعوا لذلك الأنواء، وعرفوا تغيّر الزمان فجعلوا له منازله من السنة،
واحتاجوا إلى الانتشار في الأرض، فجعلوا نجوم السماء أدلّة على أطراف الأرض وأقطارها، فسلكوا بها البلاد،
وجعلوا بينهم شيئا ينتهون به عن المنكر، ويرغّبهم في الجميل، ويتجنّبون به الدناءة ويحضّهم على المكارم، حتى إنّ الرجل منهم وهو في فجّ من الأرض
يصف المكارم فما يبقي من نعتها شيئا،
ويسرف في ذمّ المساوئ فلا يقصّر،
ليس لهم كلام إلّا وهم يتحاضّون به على اصطناع المعروف ثم حفظ الجار وبذل المال وابتناء المحامد،
كلّ واحد منهم يصيب ذلك بعقله، ويستخرجه بفطنته وفكرته فلا يتعلّمون ولا يتأدّبون،
بل نحائز مؤدّبة، وعقول عارفة، فلذلك قلت لكم:
إنهم أعقل الأمم، لصحّة الفطرة واعتدال البنية وصواب الفكر وذكاء الفهم.
كأنّكم تظنّون فيّ مقاربتكم،
فو الله لوددت أنّ الأمر ليس لكم ولا فيكم
ولكن كرهت إن فاتني الأمر أن يفوتني الصواب،
ولكن لا أدعكم حتى أبيّن لكم لم قلت ذلك، لأخرج من ظنّة المداراة، وتوهّم المصانعة،
إن العرب ليس لها أول تؤمّه ولا كتاب يدلّها، أهل بلد قفر، ووحشة من الإنس، احتاج كلّ واحد منهم في وحدته إلى فكره ونظره وعقله، وعلموا أنّ معاشهم من نبات الأرض
فوسموا كلّ شيء بسمته، ونسبوه إلى جنسه وعرفوا مصلحة ذلك في رطبه ويابسه، وأوقاته وأزمنته، وما يصلح منه في الشاة والبعير،
ثم نظروا إلى الزمان واختلافه فجعلوه ربيعيا وصيفيا، وقيظيا وشتويا،
ثم علموا أنّ شربهم من السماء، فوضعوا لذلك الأنواء، وعرفوا تغيّر الزمان فجعلوا له منازله من السنة،
واحتاجوا إلى الانتشار في الأرض، فجعلوا نجوم السماء أدلّة على أطراف الأرض وأقطارها، فسلكوا بها البلاد،
وجعلوا بينهم شيئا ينتهون به عن المنكر، ويرغّبهم في الجميل، ويتجنّبون به الدناءة ويحضّهم على المكارم، حتى إنّ الرجل منهم وهو في فجّ من الأرض
يصف المكارم فما يبقي من نعتها شيئا،
ويسرف في ذمّ المساوئ فلا يقصّر،
ليس لهم كلام إلّا وهم يتحاضّون به على اصطناع المعروف ثم حفظ الجار وبذل المال وابتناء المحامد،
كلّ واحد منهم يصيب ذلك بعقله، ويستخرجه بفطنته وفكرته فلا يتعلّمون ولا يتأدّبون،
بل نحائز مؤدّبة، وعقول عارفة، فلذلك قلت لكم:
إنهم أعقل الأمم، لصحّة الفطرة واعتدال البنية وصواب الفكر وذكاء الفهم.
وقال ابن حيان التوحيدي المعتزلي معلقا على كلام ابن المقفع (وقد أصاب):
"ثم إنّ هذه الفضائل المذكورة، في هذه الأمم المشهورة، ليست لكلّ واحد من أفرادها، بل هي الشائعة بينها،
ثم في جملتها من هو عار من جميعها، وموسوم بأضدادها،
يعني أنه لا تخلو الفرس من جاهل بالسياسة، خال من الأدب، داخل في الرّعاع والهمج،
وكذلك العرب لا تخلو من جبان جاهل طيّاش بخيل عييّ
وكذلك الهند والرّوم وغيرهم".
ثم في جملتها من هو عار من جميعها، وموسوم بأضدادها،
يعني أنه لا تخلو الفرس من جاهل بالسياسة، خال من الأدب، داخل في الرّعاع والهمج،
وكذلك العرب لا تخلو من جبان جاهل طيّاش بخيل عييّ
وكذلك الهند والرّوم وغيرهم".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..