الأحد، 26 أبريل 2026

حين يتكلم الكأس مرتين.. تصمت حكاية «يلو»* .

          لا أكتمكم أنّ صافرة النهاية لم تعبرني كخبرٍ رياضيّ عابر، ولا كفوز نادٍ بعينه؛ بل أيقظت في الذاكرة بابًا كان مواربًا منذ العام الفارط، يوم كتبتُ عن رياض محرز، ذلك الجزائري المدهش الذي خلع عن يسراه ما علق بها من وهم «لعنة مارادونا»، وأعاد إلى قلعة الكؤوس شيئًا من بهائها القديم.
.
أنا هلاليّ الميول، وتلك حكاية لا أتنصّل منها، ولا أزعم معها حيادًا مصطنعًا؛ بيد أنّني، وقتما يخرج فريقٌ سعودي إلى آسيا، لا أرى أمامي لونًا محليًا فحسب، بل راية وطنية تتقدّم المشهد. في تلك اللحظة لا يكون الأهلي للأهلاويين وحدهم، ولا الهلال للهلاليين وحدهم، ولا النصر للنصراويين وحدهم؛ إذ ثمّة اسمٌ أعلى من المدارج كلّها: السعودية.
.
هاته الكأس الثانية لم تأتِ لتزيّن خزينة الأهلي فحسب؛ بل جاءت لتقطع لسان المصادفة. البطولة الواحدة قد يُحاول بعضهم ردّها إلى مزاج كرة، أو لحظة توفيق، أو غفلة خصم؛ أمّا كأسٌ تتلو أختها، وعامٌ يعقبه عام، فذلكم لا تفسّره الصدفة، ولا تنهض به المجاملة. هنا نحن أمام فريقٍ تذوّق مرارة الغياب، ثم عاد لا ليعتذر عن عثرته، بل ليحوّلها إلى سلّم.
.
وهنا تحديدًا تعود حكاية «يلو»، تلك الحكاية التي ظلّت فئامٌ من متعصّبي المدرجات يلوكونها كأنها شهادة وفاة. كانوا يردّدونها كلما ذُكر الأهلي، كما لو أنّ الهبوط موسمًا واحدًا يمحو تاريخًا عمره عقود، أو كأنّ قلعة الكؤوس صارت أطلالًا تُزار ولا تعود.
.
والحجة هنا يسيرة: لو كان الهبوط يُبطل التاريخ، لما بقي في ذاكرة كرة القدم نادٍ عريق؛ ولو كانت العثرة تمحو الاسم، لامتلأت مزبلة الرياضة بأنديةٍ كبرى تعثّرت ثم عادت أشدّ حضورًا. الأندية الأصيلة لا تُقاس بلحظة سقوطها، بل بقدرتها على تحويل السقوط إلى مادّة نهوض. والأهلي لم يشرح ذلك في بيانٍ طويل؛ شرحه بكأسين.
.
يا سادة: «يلو» لم تكن قبرًا لقلعة الكؤوس، بل نفقًا قصيرًا إلى ضوءٍ أكبر.
.
وأنا أرى مدرب الأهلي يحمل الكأس الثانية، تذكرت تلك الأصوات الأهلاوية من الادارة التي أرادت التضحية به، وهذا الرجل أمسك بفريقٍ كان يفتّش عن نفسه، أعاد إليه شيئًا من اتزانه، ثم قاده إلى بطولةٍ كانت في ظنّ كثيرين بعيدةً كالسراب.
لا غرو أن أقول اليوم ما قلته من قبل: أيّ عقليةٍ تلك التي تستعجل ذبح مدربٍ أعاد للفريق عافية المنافسة؟ نعم، يُناقَش المدرب، ويُحاسَب، وتُراجَع اختياراته؛ غير أنّ بين النقد الرشيد وثقافة الإقالة فرقًا شاسعًا. والحمد لله أنّ صوت العقل غلب في اللحظة المناسبة؛ فها هو الكأس الثاني يجيء شهادةً لا تحتاج إلى محامٍ.
.
بيد أنّ ملحمة الأهلي لم يكتبها رجلٌ واحد. كل الفريق أبطال ما عدا واحدا، كاد الفريق أن يدفع ثمن رعونةٍ لا تليق بقميصه، يا أحبة، اللاعب الذي يرتدي شعار نادٍ بهذا التاريخ لا يحمل قماشًا فحسب؛ يحمل ذاكرة جمهور، واسم مدينة، ورمز وطن، ومن الضروري توعية ومحاسبة أي لاعب تنتابه نزوة قد تهدم عمل موسمٍ كامل، ويتعس قلوب ملايين من مشجعي النادي.
.
العام الماضي أعطيت لرياض محرز؛ ذلك اللاعب الذي لا يمرّر الكرة فحسب، بل يمنحها شيئًا من مكره الجميل وهدوئه الفاتن. أمّا هذه المرّة، فأعطي صوتي بلا تردّد لإدوارد ميندي.
.
ميندي لم يكن حارس مرمى وحسب؛ كان جدارًا يتنفّس. في اللحظات التي كان فيها الأهلي يتأرجح على خيطٍ رفيع، وقف الرجل كأنّ المرمى بيتٌ صغير، وكأنّ عليه أن يحرس لا ثلاث خشبات، بل قلوب مدرجٍ كامل. الحراس عادةً لا يكتبون كثيرًا؛ يتركون القفازات تتكلم عنهم. وميندي، في هذه الليلة، كتب بالقفاز ما تعجز عنه الخطب.
.
لأصدقائي الأهلاويين، وما أكثرهم في رحلة العمر، أقولها بصدقٍ لا يعرف المجاملة الباردة: مبارك لكم هذا الفرح. أعرف كم أوغلت فيكم سهام الشماتة، وكم آلمتكم تلك الليالي التي بدا فيها الراقي غريبًا عن نفسه. بيد أنّ الفرق الأصيلة لا تسترد تاريخها بالصراخ؛ تسترده بالكؤوس.
.
وها أنتم ترون قلعتكم تفتح أبوابها للعالم مرةً أخرى، وتقول لمن ظنّ أنّ السقوط خاتمة: بعض السقوط تدريبٌ خفيّ على نهوضٍ أكبر.
.
مبارك للأهلي، للراقي، لقلعة الكؤوس، لسفير الوطن. مبارك لجماهيره التي صبرت حتى صار الصبر كأسًا. ومبارك لميندي، قفّاز الخلاص، وحارس اللحظة التي كادت أن تنكسر ثم تماسكت على يديه.
.
أيها الأهلاويون: لا تطيلوا مجادلة من بقي أسير كلمة «يلو»؛ فالأهلي لم يُجبهم ببيان، بل بكأسين. ومن لا يسمع رنين كأسين، فلن يوقظه ألف مقال وحجة.
 #الاهلي_بطل_اسيا.
*بقلم: عبدالعزيز قاسم**
**إعلاميّ وكاتب صحفيّ**


روابط مقالتي، بمناسبة فوز النادي الأهلي السعودي بكأس آسيا:
........ 
*
__________
تويتر أو منصة إكس:
----------------
الفيسبوك:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..