*ما سقط من حديث الرّاشد*
.والحقَّ أقول: لقد أثارتْ إجاباتُه الصّريحةُ في نفسي لواعجَ المقالات السّياسيّة والفكريّة بعد أن همدتْ كثيرًا؛ فالرّاشدُ، من يومه، إعلاميٌّ محنَّكٌ، وشخصيّةٌ مثيرةٌ مُغريةٌ لأيّ كاتبٍ بأن يستدرجَها إلى ميدان السّجال، لا كخصمٍ صغير، بل كندٍّ كبيرٍ يُحسن إشعال الفكرة وتحفيز الفكر وإغواء القلم.
.
*حقًّا: من بقيتْ في روحه مشاكسةٌ، لم تُهزمه مرايا العمر.*
.
سأبدأ معه — في هاته المداخلة — عند قوله في صدر حديثه إنّ إيران ليست سوى «مشروعٍ سياسيّ». هنا تحديدًا، أرى أنّ العبارةَ أخفُّ من الحقيقة، وأنّها أقربُ إلى توصيف العباءة من توصيف الجسد الّذي تحتها. فما رأيناه في إيران — وما زلنا نراه — ليس سياسةً مجرَّدة، ولا دولةً تبحث عن نفوذٍ باردٍ على طريقة الإمبراطوريّات التّقليديّة، بل هو مشروعٌ أيديولوجيٌّ متطرِّفٌ في صميمه، اتّخذ من السّياسة قناعًا، ومن المذهب وقودًا، ومن الدّولة مخلبًا طويلًا في خاصرة الإقليم والأمّة.
.
وأزيد هنا من الشّعر بيتًا: إنّ مشروع الملالي ليس امتدادًا طبيعيًّا للمذهب الجعفريّ الاثني عشريّ، بل هو في جوهره انقلابٌ عليه، واختطافٌ له من فضاء الفقه والتديُّن إلى ثكنة المخابرات والميليشيا. لقد صُودر المذهبُ لصالح السّلطة، وصُودر الفقيهُ لصالح الجنرال، وصُودرت الحوزةُ لصالح الحرس الثّوريّ.
.
وبذلك لم تعد إيران دولةً ذات سياسة، بل غدتْ سياسةً ذاتَ عمامة، وعمامةً ذاتَ صاروخ، وصاروخًا يبحث في خرائط العرب والمسلمين عن خاصرةٍ رخوةٍ يغرس فيها نابَه.
.
*يا سادة: من يختطف المذهب لصالح السّلطة، يُحيل محاريبَ الفقه إلى ثكناتٍ وميليشياتٍ وتبشيرٍ ممنهج.*
.
ولكيلا تختلط الأمور على بعض المتعجِّلين: لستُ هنا في مقام خصومةٍ مع الشّيعة العروبيّين الشّرفاء، ولا مع التديُّن المذهبيّ بوصفه مكوِّنًا من مكوِّنات الاجتماع الإسلاميّ. فالشّيعيُّ العربيُّ الحرُّ ليس فرعًا من شجرة قُم، ولا المواطن في العراق ولبنان والخليج مجرّدَ هامشٍ في دفتر الوليّ الفقيه.
.
المعركةُ ليست مع مذهب، بل مع مشروعٍ صادَر المذهبَ، ولَبس عمامتَه، ثمّ خرج بها إلى العواصم العربيّة كما يخرج السّارقُ بثوب صاحب البيت.
.
لقد جيَّر الملالي مقدَّراتِ إيران كلَّها لخدمة هذا المشروع الطّائفيّ التوسُّعيّ، وأفلحوا طويلًا في تحويل الدّولة إلى مصنعٍ للنّفوذ، والحدودِ إلى ممرّاتٍ للبارود، والهويّةِ المذهبيّة إلى بطاقة عبورٍ للهيمنة.
.
وكاد الهلالُ الشّيعيُّ أن يكتمل، وكادت العواصمُ أن تتحوّل إلى خرزٍ في سبحة المرشد، لولا يقظةٌ سعوديّةٌ مبكِّرة، ووعيٌ حادٌّ بأنّ ما يُدار في الظّاهر باسم السّياسة، يُطبخ في الباطن على نار الطّائفيّة.
(..............)
.
في الجهة الأخرى، أُوافق أستاذَنا الرّاشد — في حواره الماتع الذي يشدُّك بعفويته وصراحته — على أنّ المشروعَ الإيرانيَّ هو الأخطر في مشهدنا العربيّ القريب؛ فهو مشروعٌ تمدُّديٌّ صبورٌ عقائديٌّ، طويلُ النَّفَس، يعرف كيف يدخل من شقوق الطّوائف والدّول الهشّة.
.
بيد أنّني أقف متعجِّبًا أمام ما ساقه في اللّقاء، حين فنَّد فكرة «إسرائيل الكبرى» وسلخ عنها أنيابَها التّوسُّعيّة. فقد بنى الرّاشد حجّتَه على عجزٍ ديموغرافيّ، زاعمًا أنّ تعداد اليهود في العالم بأسره لا يتجاوز اثني عشر مليونًا، وفي إسرائيل خمسةُ ملايين، أي أقلّ من سكّان القاهرة. واستشهد بمقولةٍ لنتنياهو بأنّ التّمدُّدَ الإسرائيليَّ هو *«تمدُّدُ هيمنةٍ لا تمدُّدُ حضور»*، معتبرًا خرائطَ اليمين المتطرِّف مجرّدَ أحلامٍ طائشةٍ شبيهةٍ بأحلام بعض المسلمين باستعادة الأندلس، ومؤكِّدًا أنّ إسرائيل تحترم الاتّفاقيّات والحدود كما حدث في كامب ديفيد.
.
وأحبُّ أن أُذكِّر أستاذَنا الرّاشد — وهو العارف بالأرقام — أنّ أحدث إحصاءات الوكالة اليهوديّة ودائرة الإحصاء المركزيّة الإسرائيليّة تضع يهودَ العالم عند حدود الخمسةَ عشرَ مليونًا ونصف، ويهودَ إسرائيل عند قرابة سبعة ملايين وثلاثمئة ألف.
وليس في الفارق بين الرّقمين وما ساقه الأستاذ كيدٌ ولا مكابرة، وإنّما هو وقوفٌ عند الأصحّ، لأنّ الحجّةَ لا تَستقيم إلّا على ميزانها.
.
*هنا لا أملك إلّا القول: إنّ العقلانيّةَ المفرطةَ في قراءة العدوّ، فخٌّ سيكولوجيٌّ يُمهِّد الطّريقَ للغفلة الكبرى.*
.
لا أستطيع أن أبتلع — دون تحفُّظ — فكرةَ التّقليل من خطر المشروع الإسرائيليّ إلى هذا الحدّ البارد. نعم، قد تبدو إسرائيل عاجزةً ديموغرافيًّا عن ملء جغرافيا «إسرائيل الكبرى»، بيد أنّ التّاريخ يُخبرنا أنّ العجزَ الدّيموغرافيَّ يُعوَّض دائمًا بالتّهجير القسريّ وصناعة النّكبات، وهو الحلُّ التّوراتيُّ الجاهز.
.
وبين أيدينا — لا في كتب الماضي — مشاهدُ غزّة وخطّةُ التّهجير، حيث تُعاد الفكرةُ ذاتها أمام العالم بلا حياءٍ من شاهد.
.
وأعجبُ من اطمئنان أستاذنا الرّاشد إلى تصريح نتنياهو الّذي استشهد به، وينسى أنّ نتنياهو نفسَه وقف — في أغسطس الماضي — أمام كاميرات قناة «i24» العبريّة، حين قدّم له المذيع تميمةً على شكل خريطة «أرض الميعاد»، فصرّح بأنّه «في مهمّةٍ تاريخيّةٍ وروحيّة»، وأنّه «مرتبطٌ بشدّة برؤية إسرائيل الكبرى».
.
*وليست هذه زلّةَ لسانٍ في جلسةٍ حميمة، بل إعلانٌ رسميٌّ من رئيس الوزراء أمام شعبه وعلى الملأ؛ فأين هي إذن «الهيمنة بلا حضور»؟ وأيّ عباءةٍ دبلوماسيّةٍ تَستر عمامةً تعلن عن نفسها بهذه الصّراحة؟*
.
ثمّ إنّ تشبيه الرّاشد لأحلام بن غفير ورفاقه بأحلام استعادة الأندلس، قياسٌ مع الفارق الأكبر؛ فالحالمُ بالأندلس لا يملك دبّابةً ولا ترسانةً نوويّةً ولا غطاءً دوليًّا يُبرِّر إبادتَه للآخرين، بينما بن غفير وحلفاؤه يقفون في قلب مطبخ القرار، ويملكون جيشًا يُترجم الخرافة إلى مجازرَ يوميّةٍ ومستوطناتٍ تبتلع الأرض. ولهم — ليجعلَ القلبُ يرتعد — غطاءٌ إنجيليٌّ في اليمين الأمريكيّ؛ حتّى إنّ سفير واشنطن في تل أبيب نفسَه، مايك هاكابي، لم يتورَّع قبل أسابيع عن أن يُوافق علنًا على أنّ «إسرائيل الكبرى» من النيل إلى الفرات أمرٌ «سيكون من الجيّد لو أخذوه كلَّه»، وأن يتحدَّث عن «حقٍّ إلهيّ» في الضفّة الغربيّة التي يسمّيها «يهودا والسامرة».
.
*متى كان السفراء يعلنون «الحقَّ الإلهيَّ» في أراضي الآخرين من غير أن يكون وراء كلامهم مطبخٌ سياسيٌّ يُطبخ فيه المشروع؟*
.
لا تُقارن حلمًا أعزلَ بيمينٍ متطرِّفٍ يطبخ الموتَ في مطابخ القرار السّياسيّ، ويصفِّق له سفراءُ القوى العظمى.
.
من جهة أخرى؛ ماذا لو انقلبَ الميزان؟ ماذا لو صار الحلمُ التّوراتيُّ برنامجَ حكومةٍ لا شعارَ شارع؟
.
في السّياسة — وأستاذنا الرّاشد أدرى النّاس بهذا — لا يجوز أن نطمئنّ كثيرًا إلى نوم الأفاعي. فالأفعى لا تفقد سُمَّها حين تسكن، ولا تصير حمامةً لأنّها لم تلدغك هذا الصّباح. المشروعُ الإيرانيُّ أفعى خرجتْ من الجراب ومدّت رأسَها في عواصمنا، وهذا واضحٌ لا يحتاج إلى مناظير.
.
أمّا المشروعُ الإسرائيليُّ، فأفعى أخرى، لا تكتفي بالهيمنة، بل تنتظر لحظةَ ضعفٍ أو غفلةٍ أو تحوُّلٍ في موازين القوى، لتُوسِّع الجغرافيا بالدّم. والخطأ ليس في ترتيب الأخطار، بل في تحويل التّرتيب إلى براءةٍ مجّانيّةٍ لأحدها.
خذوها منّي: ترتيبُ الأخطار حكمةٌ سياسيّةٌ، بيد أنّ تبرئةَ أحدِها خطيئةٌ استراتيجيّةٌ لا تُغتفر.
(................).
ولعلّي أُخفِّف ثقلَ المقالة ببعض ذكرياتي الإعلاميّة مع أستاذنا الرّاشد — لا أدري كيف انثالتْ من الذّاكرة هنا، وأنا أسوق رؤيتي عنه — ذلك التّعليقُ الطّريفُ لأحد المتداخلين على حوار «المكاشفات» معه قبل نحو عشرين عامًا، حين شبَّه مسيرةَ الرّاشد ورفيقِ دربه عثمان العُمير بتوأمة محمّد عبده وطلال مدّاح. وأظنّ أنّ في التّشبيه ما يكفي من الطّرافة والدّلالة معًا؛ فبين الصّوتين مسافةٌ، وبين المدرستين ذائقةٌ، وبين الجمهورَين انقسامٌ لا يُفسد للغناء قضيّة.
.
*هل أحسنتُ الخاتمة؟*
لا أدري، بيد أنّني أجزم بأنّ *"أبا حمد"* هو *«الخِرِّيت»*، وفهمكم كفايةٌ.
--------------------------
بقلم: عبدالعزيز قاسم
اعلامي وكاتب صحفي
.
(.....................)
لقراءة كامل المقالة :
------------------
رابط تويتر:
----------------
رابط الفيسبوك:
--------------

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..