الجمعة، 24 أبريل 2026

إعادة هيكلة أم تفكيك جامعة وطنية !؟

        عندما تسعى مؤسَّـسَـة أكاديمية وطنية عريقة إلى تطوير أدائها وتعزيز مكانتها، فمن البديهي أنْ

تستعين بخبرات مؤسَّـسات أكاديمية عالمية مُمَاثِلة لها في الرسالة والوظيفة، للاستفادة مِن تجاربهم التي حققت لهم التميُّز عبر التوازن بين مختلف الحقول المعرفية. غَيرَ أنَّ ما قامت به جامعة الملك سعود مؤخراً مِن حَجب كليات وتَخَصُّصات أكاديمية علمية وأدبية يُثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا “التطوير”، إنْ جازَ لنا تسميَته كذلك، الذي لا يُوجَد له شبيه في الجامعات المرموقة عالمياً. فقد أفضَت هذه الهيكلة، التي اعتَمَدها المجلس الأكاديمي لجامعة الملك سعود، إلى حَجب جميع برامج البكالوريوس في كلية علوم الأغذية والزراعة، وكلية اللغات وعلومها، وكلية التربية، إضافة إلى حَجب أقسام اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية. وهذا تَوَجُّه غير مسبوق في الجامعات المرموقة عالمياً (أُنظُر الجدول)، ويَطرَح تساؤلاً مشروعاً: هل نحن أمام مشروع تطوير، أم إعادة هيكلة سَـتقود إلى تفكيك تدريجي للبنية الأكاديمية في أقدَم وأكبر وأهمّ جامعة سعودية !؟ شكراً للأُستاذ عبدالرحمن الراشد إنَّ قرار المجلس الأكاديمي لجامعة الملك سعود المُشار إليه أعلاه ظَهَرَ في تطبيق تويتر (X) في 13 رمضان الماضي، وحتى الآن لم يَصِل عمادات تلك الكليات خطاب رسمي بذلك مِن إدارة الجامعة !! والغريب أنَّه لم يَحدُث أي تفاعُل في الفضاء الإعلامي مع هذا القرار الخطير إلاّ بعد أنْ غَرَّدَ الأستاذ عبدالرحمن الراشد في 25 شوال 13/4/2026م مؤيداً قرار الجامعة وشارحاً لمزاياه !! حيث إكتَظَّ الفضاء الإعلامي بعد التغريدة بمقالات وتعليقات على قرار الجامعة الغريب والخطير. ولكن الجميل والرائع أنَّ هذا التفاعل الإعلامي مع قرار الجامعة جاء مِن عددٍ كبير مِن رموز الوَطَن مِن وزراء وأصحاب معالي وأكاديميين ومُثقفين وإعلاميين ومُهتَمين بالقطاع الجامعي، مما يُؤكِّد القيمة الكبيرة التي يضعها المُجتَمَع للتعليم الجامعي، وبالتالي فإنَّ أي قرار تتخذه جامعة بضخامة جامعة الملك سعود سيكون له تداعيات تَهُمّ جميع أفراد المجتمع. ومِن واقع مُعايشَة لهذا الحَدَث الأكاديمي الغريب، ومِن عَمَل بالجامعة لأكثر مِن أربعين سنة، أطرَح النقاط والتساؤلات التالية عن الموضوع وتداعياته؛ لعلَّ يكون لها فائدة لصانِع القرار: (1) تَحتَلّ جامعة الملك سعود المركز 116 على تصنيف شانغهاي لجامعات العالم 2025م، في حين تحتَلّ كلية علوم الأغذية والزراعة المركز 37 على تصنيف شانغهاي لكليات الزراعة في جامعات العالم، وبالتالي لماذا قرَّرت الجامعة حَجب جميع برامج البكالوريوس في كليات علوم الأغذية والزراعة واللغات وعلومها والتربية وأربعة أقسام بكلية العلوم الإنسانية والآداب !؟ ألَم يَمُرَّ على مجلس إدارة الجامعة المَثَل الشهير: إذا كانت تَعمَل، لا تُصلِحها If it’s working, Don’t fix it” !؟ (2) هل اختيار مجلس إدارة جامعة الملك سعود لمجموعة بوسطن الاستشارية للقيام بمشروع إعادة هيكلة الجامعة كان بسَـبب قيامها بإعادة هيكلة جامعات رائدة مثل جامعات هارفاد أو ستانفورد أو MIT أو كاليفورنيا بيركلي !؟ (3) ما هو “المعيارBenchmark “ أو الجامعة المرموقة والرائدة التي اعتمدتها مجموعة بوسطن الاستشارية ووافق عليها مجلس إدارة جامعة الملك سعود، لتكون هَدَف مُحاكَاتها في مشروع إعادة هيكلة جامعة الملك سعود ؟ بكُلّ تأكيد هذه الجامعة ليست ضِمن أشهَر خمس جامعات في العالم الموجودة في الجدول، هذا إذا كان هناك بالفعل “معيار أكاديمي” استخدمته مجموعة بوسطن الاستشارية، بادئ ذي بَدء؛ ذلك أنَّ هذه الجامعات الرائدة لم تَحجُب أية تخصصات أدبية أو إنسانية أو زراعية (جامعة كاليفورنيا) !! (4) كيف يغيب عن أصحاب المعالي والسعادة أعضاء مجلس إدارة جامعة الملك سعود مفهوم “الجامعة الوطنية” في الأنظمة الجامعية العالمية، وهي الجامعة التي تُنشِئها الدولة وتَصرِف عليها بسخاء، حيث تَطرَح جميع التخصصات والبرامج الأكاديمية بغَضّ النظر عن سوق العمل، لِتكون مَرجعاً علمياً وبحثياً ومركز خبرات للدولة بقطاعيها العام والخاص. مِثال ذلك جامعة كاليفورنيا بيركلي الحكومية، حيث يوجد بها كلية زراعة وتَطرَح غالبية التخصصات الأدبية والإنسانية والعلمية والتقنية، وقد فازت بـ 23 جائزة نوبل، وترتيبها الخامس على جامعات العالم. (5) كيف يُغفِل مجلس إدارة جامعة الملك سعود خطورة حَجب برامج البكالوريوس في كلية علوم الأغذية والزراعة، في وقتٍ تتصاعد فيه التداعيات الجيوسياسية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما تَفرضه مِن تهديدات مُباشِرة لسلاسل الإمداد والأمن الغذائي في المملكة ودول الخليج العربية !؟ (6) كيف يوافق مجلس إدارة جامعة الملك سعود على حجب برامج البكالوريوس في أقسام اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا وعِلم الاجتماع في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، مُتجاهلين التاريخ العظيم لهذه الكلية والعمالقة من الدكاترة الذين جعلوها أشهَر كلية آداب في العالم العربي أمثال الدكاترة عبدالوهاب المسيري، حسن ظاظا، مصطفى السقا، طلال محمد أسد، شكري عياد، عبدالرحمن الأنصاري، عبدالله العثيمين، أحمد البدلي، محمد الهدلق، عبدالله العسكر، ناصر الرشيد، منصور الحازمي، عبدالله الغذامي، علي جاد، سعد الصويان، أحمد الضبيب، خالد الدخيّل، عبدالعزيز المانع، أسعد عبده، مرزوق بن تنباك، عبدالعزيز الهلابي، حمزه المزيني، يحي أبو الخير، إبراهيم الشمسان، سعد البازعي، أحمد الزيلعي، وغيرهم كثير !؟ رَحِمَ الله مَن غادرنا إلى جوار ربّه وحَفِظَ الآخرين. (7) إنَّ هَدَف الاستقلال المالي للجامعات الحكومية الذي تَغَلغَلَ في فِكر المسؤولين عن القطاع التعليمي، هوَ “خُرافة” لا يُمكِن أنْ تُحَقِّقها أي جامعة حكومية وطنية بحَجم جامعة الملك سعود، إلاّ إذا أردنا أنْ تكون هذه الجامعة نُسخة مِن الجامعات التجارية في المملكة، فقط تقوم بالتدريس بأعضاء هيئة تدريسية غالبيتها غير سعودية وخريجي جامعات عاديَّة !! (8) إنَّ جامعة هارفارد بوقفٍ مالي يبلُغ 57 مليار دولار يُحقِّق لها عائداً سنوياً 2.6 مليار دولار، رَفَعَت قضية في المحاكم ضد الرئيس ترامب حينما أوقَف عنها الدعم المالي الفيدرالي، حيث تَبلُغ ميزانيتها الحالية 6.5 مليار دولار. أي أنَّ جامعة هارفارد الخاصة والغنية جداً لم تَصِل إلى المركز الأول على جامعات العالم إلا بدعم حكومي كبير. فما بالنا بجامعاتنا السعودية الحكومية ؟ هل يُعقَل أنْ تستطيع تحقيق الاستقلال المالي !؟ (9) جاء في “المُذكَّرَة المعرفية KSU 101” الصادرة عن جامعة الملك سعود، بوجود شراكات استراتيجية بينها وبين الجامعات الأمريكية الخَمس الموجودة في الجدول؛ والسؤال هُنا: لمــــــــاذا لم تَستَعِن جامعة الملك سعود في مشروع إعادة هيكلتها، بجامعة كاليفورنيا ـــ بيركلي، وَلَيـسَ بمجموعة بوسطن الاستشارية البعيده كُلّ البُعـد عن القطاع الأكاديمي !؟ (10) هل يُعقَل أنَّ مجلس إدارة جامعة الملك سعود لم يجد دكتور سعودي واحد من بين آلاف الدكاترة السعوديين في جامعات الملك سعود والملك عبدالعزيز والملك فهد لرئاسة “مكتب إدارة التحوُّل” بجامعة الملك سعود، الذي يرأسه الآن “موظف غير سعودي” يَعَمل معه موظفين غير سعوديين !؟ (11) لِنضحَك أو نبكي عند قراءة كلمة الرئيس التنفيذي لمكتب إدارة التحول الأستاذ أندريا لونغي، على موقع الجامعة: “في جامعة الملك سعود، لا يُعَدّ التحوّل مجرّد توجيهٍ أو التزامٍ رسمي، بل هو ثقافة تبنّيناها معاً. إنَّ النجاح لا يتشكّل برؤية فرد واحد، بل من خلال الأصوات الجماعية لطلابنا، وأعضاء هيئتنا التدريسية، وموظفينا، وشركائنا. إنَّ التحوّل لا يُفرَض، بل يُبنى مِن الداخل”. كلام رائع مِن سعادته، نُضيف له بأنَّ عمادات الكليات لم تَعلَم بحَجب برامج البكالوريوس فيها إلا من تطبيق تويتر (X)، وحتى الآن لم يصل عمادات الكليات أي شيء عن هذا القرار!! (12) لماذا تَبَنَّت إدارة جامعة الملك سعود المنهج الإداري التجاري لإدارتها من خلال تغيير مُسمى عميد عمادة الموارد البشرية إلى “كبير” مسؤولي الموارد البشرية و “كبير” مسؤولي الموارد المالية و “كبير” مسؤولي الاستثمار، وتعيين أشخاص من خارج الجامعة بمزايا مالية تفوق مزايا الدكاترة بعِدَّة مرات، وكأنَّ الجامعة تُريد زيادة مُعاناة الدكاترة من رواتبهم الهزيلة (راتب الأُستاذ المُساعد 12.675، الأُستاذ المُشارِك 16.080، الأُستاذ 18.420 ريال شهرياً) !؟ (13) إنّ عَدَم تنسيق إدارة جامعة الملك سعود مع الأجهزة الحكومية والقطاع الخاص بشأن قرارها حَجب برامج البكالوريوس يُعيدنا إلى ما قبل رؤية ٢٠٣٠، حينما كان كل جهاز يُخَطِّط ويُقَرِّر حَسَب “مزاج” رئيس الجهاز وبعيداً عن أي تنسيق مع الأجهزة الأُخرى. (14) هناك قلق وإحباط شديد لدى الدكاترة الشباب في الكليات والأقسام التي تَمَّ حجب برامج البكالوريوس فيها، ويتساءلون ماذا سيحدُث لهم !؟ هل سيتم الاستغناء عنهم (المادة 74 مِن نظام العمل)، أم سيُنقلون إلى جامعات أُخرى في الرياض أو خارج الرياض !؟ (15) إنَّ أجمَل وَصف “لخُرافة” مواءمة مخرجات الجامعة الوطنية مع سوق العمل، جاء في نهاية تغريدة للدكتور مأمون فندي بتاريخ 14/4/2026م تعليقاً على مشاريع إصلاح التعليم في العالم العربي، حيث قال: “... طبعاً، عندنا الموضوع سَمن لَبَن تَمر هندي، وكُلّ مَن قضى كم سنة في التعليم الغربي ماجستير أو حتى دكتوراه، قَرَّرَ إصلاح التعليم بناءً على مُتطلبات سوق العمل. وهكذا تُهدَم المُجتمعات بالعِلم المُزيَّف”. إنَّه مِن المُحزن أنْ نُشاهِد جامعة عملاقة مِثل جامعة الملك سعود، بكُلِّ التُراث الذي تُمَثِّله في المجتمع السعودي، والتاريخ الذى رافقته مُنذُ بدء التنمية الشاملة في مملكتنا الغالية والإمكانات الهائلة التي تَتَمَتَّع بها مِن مدينة جامعية ومُختَبرات وتجهيزات وأعضاء هيئة تدريس تَخَرَّجوا مِن أرقى الجامعات العالمية، يتم تحويلها من جامعة شاملة رائدة سَـبَقَت قريناتها في العالم العربي، لِتكون جامعة محدودة التخصُصات تُرَكِّز فقط على ما يعتَقِد “الاستشاري” بأنَّه يُحقق عائد مالي أو يُوَفِّـر وظائف للخريجين في سوق العمل المُتَغيِّر باستمرار. إنَّ المفروض والمفتَرَض أنْ تكون جامعة الملك سعود جامعة وطنية شاملة في تخصُصاتها على مستوى الوطن، تَستقطِب أفضَل الطلاب وأفضَل العُلماء وتُنتِج أفضَل الأبحاث وتُقَدِّم أفضَل الاستشارات للوطن بجميع قطاعاته. خُلاصَة القَول، إنَّ المجلس الأكاديمي بجامعة الملك سعود أصدَرَ قراره بحَجب جميع برامج البكالوريوس في كليات علوم الأغذية والزراعة، اللغات وعلومها، والتربية، وتخصُّصات اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا وعِلم الاجتماع في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية؛ والأمل الآن معقود على أصحاب المعالي والسعادة في مجلس إدارة جامعة الملك سعود بتَبنّي النُقـاط التالية قَبلَ فوات الأوان: (1) إلغاء قرار المجلس الأكاديمي للجامعة بشأن حَجب تلك التخصصات. (2) الاستعانة بجامعة كاليفورنيا ــ بيركلي (لوجود كلية زراعة فيها) لدراسة هيكلة جامعة الملك سعود، ويُمكِن إضافة جامعة ستانفورد أو معهد ماساشوسيتس التقني MIT معها. مُقـارنَة جامعـة الملك سعود مع أشهَر خَمـس جامعات أمريكية الجامعة البيـان جامعة هـارفارد جامعة ســتانفورد Stanford U. جامعة إم آي تي MIT جامعة كاليفورنيا "بيركلي" معهد كاليفورنيا التقني CalTech جامعة الملك سعود جوائز نوبل 29 27 26 23 20 صِفـر الترتيب على تصنيف شنغهاي 1 2 3 5 9 116 عدد الطلبة 25.000 17.700 11.900 45.800 2400 +60.000 أقسام وبرامج البكالوريوس في كليـة الـزراعــة لا يوجد فيها كلية زراعة لا يوجَـد فيها كلية زراعة لا يوجَـد فيها كلية زراعة 10 أقسام لا يوجَـد فيها كلية زراعة 8 أقسام ((جميعُهـا مُغلَقَـة)) الأقسام وبرامج البكالوريوس في التخصصات الأدبية والإنسـانية 35 برنامج منها التاريخ علم النفس علم الاجتماع الفلسفة اللغويات انثروبولوجي 54 برنامج منها التاريخ الآداب علم النفس علم الاجتماع الفلسفة انثروبولوجي 23 برنامج منها التاريخ الفلسفة الكتابة علم النفس علم الاجتماع الآداب، اللغات انثروبولوجي 19 قسم (تَضُمّ كذلك تخصصات كلية اللُّغات وعُلومها في جامعة الملك سعود) التاريخ الفلسفة، لغة إنجليزية، الأعمال والاقتصاد والإدارة تَمَّ حَجب اللغة العربية التاريخ الجغرافيا وعلم الاجتماع وإبقـاء قِسمَي الإعلام، عِلم المعلومات الـمَصـدَر: مواقع هذه الجامعات على الإنترنت. • الجامعات الأمريكية في الجدول، باستثناء Caltech، تُقَدِّم جميع التخصصات العلمية والتقنية في مرحلة البكالوريوس. • تفتَخِـر هذه الجامعات الشهيرة بانخفاض عدد الطلبة في غالبية المواد الدراسية لأقَلّ مِن 20، وبعضها ستةُ طلبة.


((صفحة 21-23))

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..