طربت حقا لمداخلة صديق لنا في مجموعة واتساب تضمنا؛ طبيب خبير في القلب، جاء كلامه هذه المرة محكما، منضبطا، يشير إلى عقل يعرف أين يضع الفاصلة كما يعرف أين يضع التشخيص.
فأرسلت له ثنائي وشكري، لا على الفكرة وحدها، بل على سلامة الإملاء وجمال السبك… وهو الذي قبل شهور قليلة كانت الجملة تتعثر بين يديه، ويكتب بالعامية، وتلاحقه الأخطاء حتى صار — ظلما — مادة للتندر.
وما إن فعلت، حتى سارعت بعض الأصدقاء بتلك "الغمزة" المعلبة: الله يرضى على الذكاء الاصطناعي!
قالوها تهكما، لا امتنانا؛ كأنهم يريدون أن يسحبوا من الرجل فرحته، وأن يعيدوه إلى خانة "المتهم" لأنه استعان بأداة تعينه على أن يقول ما يريد بوضوح.
بكل صدق: التقنية لم تمنحه قلبا، لكنها قوّمت لسانه؛ والسخرية من الأداة ضريبة العاجز للمبادر.
وهنا ينهض السؤال الحقيقي — لا سؤال المزادات —: هل الاستعانة بالذكاء الاصطناعي عيب؟
هل هي انتقاص من الموهبة وتشكيك في القدرة والفكر؟ أم أنها مجرد أداة جديدة في يد الإنسان، يحسن بها إن أحسن استخدامها، ويُسيء إن أساء؟
أنا أجيبكم من رصيف التجربة لا من برج التنظير: أخوكم أمضى أكثر من أربعين عاما في بلاط صاحبة الجلالة، وكتب الرأي على مهل السنين، ودرب شبابا على كتابة المقال الصحفي الاحترافي.
ومع ذلك — وأقولها بلا تحرج — كنت أعاني ثغرة مزعجة: أن تنفلّت مني هفوة نحوية أو إملائية، لا جهلا بالفكرة، بل لأنني ابن الرياضيات أكثر من الصرف والنحو؛ ولأن الكاتب، حين يشتعل معنى، يركض خلف الفكرة، لا خلف "حركة" ربما سقطت أو حرف هرب.
وكانت الصحف التي أعمل فيها تملك نعمة اسمها "المصحح"، يلتقط الهفوة قبل أن تصبح وصمة.
واليوم؟ الذكاء الاصطناعي يقوم بهذا الدور باقتدار بالغ: ينقح، يرتب، يحسن الإخراج… ويترك لي ما هو أثمن: أن أحسن الفكرة، وأن أشد خيوط المعنى.
المبدع الحقيقي هو من يركض خلف المعنى، ويترك للآلة كنس العثرات. فكيف يقال بعد ذلك إن استعانة بهذه الأداة "نقص"؟
هذا الكلام في تقديري لا يختلف كثيرا عن موقف بعض العوام يوم خافوا من اللاسلكي والبرقيات في زمن التأسيس، وظنوا أن الجديد يهدم القديم.. لا يختلفون عنهم أبدا.
كل ثورة معرفية بدأت بمقاومة صاخبة، ثم انتهت إلى بداهة عامة: قاوموا الورق لأنه يزاحم الرق، وخافوا من الطباعة لأنها تكسر احتكار النساخ، وتوجسوا من الآلة الكاتبة لأنها "تقتل روح الخط"، ثم جاء الحاسوب فقيل إنه "يجفف اللغة"…
ومع ذلك لم تمت اللغة، ولم تمت الموهبة، ولم تسقط الفكرة؛ الذي سقط فقط هو وهم أن الأداة هي مصدر الإبداع.
صدقوني: الموهبة روح ترتدي العصر، الفكرة هي السيد، وما تبقى مجرد رداء.
ولهذا أقول: السؤال ليس "بأي أداة كتبت؟" بل: هل أضفت فكرة؟ هل نقلت وعيا؟ هل شقت طريقا للمعنى؟
فالعبارة في النهاية بالخرج: بالدقة، والاتساق، وقوة الحجة، ونزاهة الإسناد، وسلامة البناء.
نحن لا نحاكم الطبيب لأنه استعمل جهاز التصوير بدل أن "يتحسس بيده"، ولا نجريم المهندس لأنه استعان ببرنامج يقيه خطأ قد ينهار به جسر.
فلماذا نحوّل الكاتب إلى متهم لأنه استعان بأداة تنقح وتوثق وترتب وتحسن الإخراج؟
إن تحويل الأداة إلى محكمة أخلاقية هو قلب للمنطق؛ الأخلاق تقاس بالمقاصد والنتائج والمسؤولية… لا بنوع القلم.
حين تصبح الفكرة صحيحة ومحكمة، يغدو السؤال عن الوسيلة ترفا يائسا.
ولو غصنا في تاريخنا العلمي لوجدنا أن "روح المنهج" كانت دائما سيدة الموقف: علماء الحديث وضعوا قواعد صارمة للتوثيق والتمحيص، وابتكروا لغة دقيقة لتصنيف الرجال وضبط السماع ومقارنة الطرق وفض التعارض.
وعظمتهم لم تكن في أنهم كتبوا بأيديهم فحسب؛ عظمتهم أنهم بنوا نظاما يحاصر الوهم ويقدس الدقة.
ولو أتيح لهم اليوم هذا التحرير التقني: الفهرسة، وتتبع الاختلافات، وتقاطع الروايات، والتدقيق… لاستثمروه فورًا؛ لأن الحكيم لا يعادي الوسيلة، بل يروضها لتخدم الحقيقة.
المعيار ليس "كيف كتب" بل "هل صحّ"؛ فالحقيقة لا تسأل عن طريق وصولها.
بل دعوني أقربها بمثال معاصر: حين استعان عبد الله الغضامي أو سعد البازي أو الجابري أو طه عبد الرحمن بمحرك البحث جوجل، وقد فعلوا، ولم يذهبوا كل مرة إلى أمهات الكتب في مكتباتهم… هل طعن ذلك في موهبتهم وتميزهم وريادتهم؟
بالطبع لا. إنهم وفروا وقتا وجهدا للوصول إلى المعلومة، ثم صرفوا طاقتهم فيما هو أثمن: التحليل، والتركيب، وبناء الرؤية.
وهنا تماما يعمل الذكاء الاصطناعي: ليس روحا بديلة، ولا موهبة مستوردة، بل مضاعف للقدرة.
يخفف الأعمال الآلية التي تستنفد وقت المبدع دون أن يزيد فكرته عمقا: تنقيح لغوي، ترتيب، تلخيص، مقارنة، اقتراح عناوين، بناء هيكل بحثي… هذه خدمات حول الموهبة، لا الموهبة نفسها.
الموهبة هنا أن تعرف ماذا تقول، ولماذا تقول، وكيف تقيم الدليل، وكيف تمسك خيط المعنى دون أن ينفلّت.
يا أحبة: حين يبحث المفكر في جوجل، لا يستيعر عقله… بل يختصر المسافة إلى عقله.
وأزعم بلا مبالغة أن ما ظهر لنا حتى الآن ليس إلا بعض "رأس جبل الجليد"، بعض الرأس تخيلوا!
خلال العقد المقبل ستدور معظم مناحي حياتنا حول هذا الفتح: في التعليم والطب، والإعلام، والإدارة، والبحث، والاقتصاد… سنرى أدوات تتبدل، ومعايير تقييم تتغير، ومهن تتخفف من أثقالها، وأخرى تولد من العدم.
وهذا الفتح يمنح "عدالة معرفية" لمن يملكون العلم والخبرة ولا يملكون رفاهية الوقت أو طواعية الصياغة: كم من عالم بارز في تخصصه صمت لأن العبارة لم تسعفه، وكم من خبير ابتلعه الانشغال لأن التحرير يسرق ساعات عمره.
حين تعطيه أداة ترفع عنه أثقال الصياغة الأولية، أنت لا تنقصه؛ أنت تنقذه وتعيده إلى وظيفته الأصلية: إنتاج المعرفة لا معاناة الورق.
نحن لا نشتري موهبة، بل نسترد عمرًا ضاع في سخرة التصحيح.
ولمن يظن أن الذكاء الاصطناعي "يصنع الجميع مبدعين"، لدي تجربة ذهنية بسيطة: هاتوا عشرة أشخاص متفاوتي الموهبة والتخصص، واقصدوا منهم الكتابة في موضوع واحد والذكاء الاصطناعي بين أيديهم.
هل سيخرجون جميعا بنص مبدع؟ قطعًا لا.
الموهوب سيتفوق لأنه لديه رؤية وحس وتركيب. ونصف الموهوب سيرفع أداءه لمستوى أعلى، أما عديم الموهبة فقد يقدم نصا سليما نحويا وفكرته واضحة… لكنه جامد بلا روح.
ومع ذلك — وهذا بيت القصيد — حتى هذا سيكون أفضل من الركاكة الفاضحة والأخطاء الإملائية الفظيعة التي تقتل المعنى قبل أن يولد.
هي حقيقة: الأداة تحسن الحد الأدنى، لكنها لا تصنع العبقرية من فراغ.
شيئا من الإنصاف يا سادة، فاخطر ما في الركاكة أنها تقتل الفكرة قبل أن تحاكم… فكيف نكره ما ينقذها؟
نعم، ثمّة محاذير لا أنكرها: الانتحال، السطحية، تزييف الخبرة، تضخيم النصوص بلا روح.
لكن علاجها ليس بتحريم استعمال الأداة، بل بوضع معيار واضح: شفافية حيث يلزم، وإسناد حيث يلزم، وتحميل الكاتب مسؤولية المخرج.
فالأداة لا تسرق وحدها؛ الذي يسرق هو من قرر أن يسرق. والأداة لا تكذب وحدها؛ الذي يكذب هو من قرر أن يقدم مظهرا بديلا عن جوهره.
لذلك يبقى المبدأ الحاكم: الإنسان مسؤول عن منتجه، والذكاء الاصطناعي — كأي أداة — لا يبرئه ولا يدينه… إنما يكشفه.
الآلة تصفي المداد، لكنها لا تضخ الدم؛ فالنسخ بلا روح جثة بأثواب أنيقة.
وأنا أجزم لكم: أشياء كثيرة ستتغير قريبا، حتى أدوات القياس والتقييم التي نعرفها اليوم ستتبدل.
الخط اليدوي مثلا سيؤول إلى أن يكون فنا من الفنون، لا حاجة يومية؛ والقلم سيصير مثل الآلة الكاتبة القديمة: قطعة ذاكرة، لا ضرورة عمل.
وستحدث تحولات أخرى لا نراها الآن إلا كأطراف بعيدة في الأفق.
فهل أجبت عن السؤال؟ نعم. الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، وتعلم طريقته، سيصبح فرضا لازمًا؛ يدرس في المدارس، ويعد أمية أن تجهل.
والإبداع — كما قلت وأعيد — فكرة تشعل المعنى، لا عضلة ترهق الجسد. التقنية ليست خصمًا للموهبة، بل اختبار لها: إما أن تجعلها ظلا لعقلك فتزداد إشراقا، أو تجعلها بديلا عن روحك فتتبدد. أما التاريخ، فلها جواب واحد دائمًا: من فهم أدوات عصره بقي… ومن حاربها بدافع الفوبيا خرج من السرد الكبير وهو يظن أنه يحرسه.
سيأتي زمن تقاس فيه الكفاءة بسؤال واحد: هل تتقن الذكاء الاصطناعي؟ ومن قال "لا"، عُلّقت على صدره شهادة العصر: أمية رقمية بامتياز .
عبدالعزيز قاسم *
*إعلامي وكاتب صحفي سعودي
-
.
- ما الذي سيكون عليه المشهد الأدبي والحياتي عبر هاته السطوة -التي تتعاظم- للذكاءات الاصطناعية؟
- .
هنا بعض الاجابة واستشراف الكاتب لما سيكون عليه المشهد القادم خلال المرحلة المقبلة.
مقالتي على رابط مجلة فرقد الأدبية المتميزة:

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..