الثلاثاء، 2 يونيو 2026

يا لطيف .. يا معالي الشيخ عبداللطيف

             ليس من حق أحد أن يمنح الجمعيات الخيرية صكوك براءة مطلقة، كما أنه ليس من حق أحد أن يصدر بحقها أحكام إدانة جماعية.

فالعمل الخيري -كغيره من الأعمال البشرية- فيه المخلص، وفيه المقصر، وفيه النماذج المضيئة التي تستحق الإشادة، وقد يوجد فيه من يستوجب المساءلة والمحاسبة، لكن ما لا يمكن القبول به هو أن يتحول الحديث عن بعض الحالات إلى تعميم يطال الجميع، خصوصا عندما يصدر ذلك من مسؤول بحجم وزير.

الحديث المنسوب إلى معالي وزير الشؤون الإسلامية، والذي قال فيه إنه لا يثق في الجمعيات الخيرية إلا نادرا، وإن بعضها يأكل أموال الناس بالباطل ويستغل العاطفة الدينية، وإن منها من يطلب بناء مساجد وهو كاذب؛ حديث يثير كثيرا من التساؤلات قبل أن يثير الجدل.

فإذا كانت هناك جمعيات مخالفة أو متجاوزة، فالدولة لديها أنظمة رقابية صارمة، وجهات إشراف ومحاسبة، ومسارات واضحة للمساءلة والعقوبة. أما إطلاق أوصاف من قبيل «أكل أموال الناس بالباطل» و«الكذب» على قطاع كامل ثم استثناء القليل منه، فهو أمر لا ينسجم مع العدالة التي تقتضي أن يتحمل المخطئ خطأه وحده، لا أن تُحمل التهمة لقطاع واسع يضم آلاف العاملين والمتطوعين والمحسنين.

ولعل ما يزيد الاستغراب أن هذه الأحكام لم تصدر من شخص عابر أو كاتب رأي أو مستخدم في منصة اجتماعية، بل من وزير يتوقع منه المجتمع أعلى درجات التحري والدقة والإنصاف.
 فالكلمة حين تصدر من مسؤول عام لا تُستقبل بوصفها رأيا شخصيا، بل بوصفها موقفا له أثره في تشكيل الرأي العام وبناء الثقة أو هدمها.

كما أن المنصب الرفيع -مهما كانت مكانته- لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة تسمح بالتعميم على الناس والمؤسسات دون تفريق أو تحديد.
 فالحصانة الوظيفية -إن وجدت- إنما وجدت لحماية المسؤول أثناء أداء واجباته النظامية، لا لتجعل كلماته بمنأى عن النقد أو تعفيها من مقتضيات العدالة والإنصاف. 
ومن حق المجتمع أن يتساءل: لو أن فردا عاديا اتهم جهات كاملة بالكذب وأكل أموال الناس بالباطل، فكيف سيكون الموقف منه؟ ولماذا يصبح التعميم مقبولا عندما يصدر من صاحب منصب؟

إن المسؤولية الأدبية للمسؤول أكبر من غيره لا أقل، والمنصب يمنح صاحبه واجب التثبت قبل الحديث، لا حق التوسع في إطلاق الأحكام، ولذلك فإن الحكمة تقتضي تسمية المخالف إن ثبتت مخالفته، ومحاسبته وفق النظام، لا إلقاء الظلال على مؤسسات كاملة تضم رجالا ونساء أفنوا أعمارهم في خدمة الأيتام والأرامل والمرضى والمحتاجين.

والأهم من ذلك أن الجمعيات الخيرية في المملكة لم تعد كيانات تعمل في فراغ أو خارج الرقابة، بل أصبحت تخضع لأنظمة حوكمة ومراجعة وإفصاح ورقابة مالية وإدارية متقدمة، وأسهم كثير منها في بناء مبادرات تنموية واجتماعية وإنسانية يشهد المجتمع بآثارها ونتائجها.

ولا أحد يطالب بحماية المقصر أو التستر على الفساد إن وجد، بل إن كشف الفساد واجب، ومحاسبة المتجاوز ضرورة، لكن بين النقد المشروع وبين الاتهام الجماعي مسافة كبيرة، وبين التحذير من بعض التجاوزات وبين نزع الثقة من قطاع كامل فرق شاسع.

ختاما، فإن أكثر ما يحتاجه المجتمع اليوم هو ترسيخ ثقافة الإنصاف، لا ثقافة التعميم، وأن يُحاسب المخطئ باسمه، ويُشكر المحسن بإحسانه، وألا تؤخذ المؤسسات والأشخاص بجريرة غيرهم. والإنصاف لا يكتمل إلا حين تكون الأحكام على الوقائع لا على الانطباعات، وحين يُوزن الناس بالقسط، لا بالتعميم، وحين ندرك أن المنصب يمنح صاحبه مسؤولية أكبر في الكلمة، لا مساحة أوسع لإطلاقه.

status/2060736257823518813?s=46


عبدالمحسن البدراني
رئيس التحرير

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..