ليس العجيب أن تكثر الجمعيات الخيرية في وطنٍ يتسع قلبه قبل طرقه، وتنهض فيه الدولة بالمؤسسات، ويقوم فيه المجتمع بالمساندة، وتتحول فيه الرحمة من شعورٍ عابر إلى عملٍ منظم.
العجيب أن يُتخذ المنبر الكريم موضعًا لرمي هذه الجمعيات بتهمة إفساد الأبناء وإغواء الشباب، كأن سلة الغذاء فتنة، وكسوة اليتيم مصيدة، وسقيا المحتاج طريق إلى الضياع.
قيل: إن الجمعيات الخيرية أفسدت الأبناء وأغوت الشباب.
يا لله!
أغوتهم بماذا؟
بإطعام جائع؟
بكسوة عارٍ؟
بسقيا ظمآن؟
بتأهيل شاب؟
بتعليم محتاج؟
بخدمة حاجّ ومعتمر؟
بمساندة الدولة في مواطن الحاجة ومواسم العمل؟
إن كان هذا إغواءً، فمرحبًا بإغواءٍ يخرج الشاب من فراغ الأرصفة إلى شرف الخدمة، ومن خمول النفس إلى حياة المبادرة، ومن سؤال: ماذا أخذت؟ إلى سؤال: ماذا قدمت؟
ليست الجمعيات الخيرية حوانيت هوى تُفتح بلا رقيب، ولا دكاكين عاطفة تُدار بالمزاج؛ بل قطاع تنظمه الدولة، وتشرف عليه الجهات المختصة، وتضبطه الأنظمة، وتقوم عليه الحوكمة، والترخيص، والإفصاح، والمساءلة.
فإن ظهر خلل في جمعية، عولج في موضعه، لا شُوّه القطاع كله.
ومن رأى خطأً فليأتِ بدليله، أما أن تُلقى التهم من فوق المنابر ثم تسمى نصيحة، فهذه رماية في الظلام، لا غيرة على الأنام.
في زمن النبوة وُجد من سرق، ومن زنى، ومن نافق، ومن أخطأ؛ فهل قال عاقل: فسد المجتمع كله؟
لا.
بل عولج الفعل بقدره، وحُفظ الأصل بفضله، وبقي الخير خيرًا ولو عثر بعض أهله.
أما أن تُجلد الجمعيات الخيرية لأنها كثرت، وأن يقال عنها إنها أصبحت “كالبقالات”، فهذه ليست غيرةً على المجتمع؛ بل خصومة مع معنى التكافل.
وكأن الخير إذا انتشر صار خطرًا.
وكأن البر إذا تنظّم صار بدعة.
وكأن التطوع إذا كثر صار مؤامرة.
أي عقلٍ هذا؟ عقلٌ يضع المصباح في قفص، ثم يشتكي من الظلام!
إن كثرة الجمعيات ليست عيبًا في وطنٍ كبير؛ بل علامة عافية، وبرهان مجتمعٍ لم يمت ضميره.
فهذه جمعية تطعم، وتلك تكسو، وثالثة تؤهل، ورابعة تعالج، وخامسة تعلّم، وسادسة ترعى كبار السن، وسابعة تخدم ذوي الإعاقة، وثامنة تسند أعمال الحج والعمرة، وتاسعة ترفع الوعي، وعاشرة تبني الإنسان قبل البنيان.
كل باب نفع له أهله، وكل ميدان خير له فرسانه، وليس من العقل أن نطلب من كل جمعية أن تكون كل شيء، ثم نلومها لأنها اختصت بشيء.
إن المجتمعات لا ترقى بأعمالها الرسمية وحدها، وإن عظمت؛ بل ترقى حين ينهض المجتمع مع الدولة، وتتحول المواطنة من شعارٍ على اللسان إلى يدٍ تعمل، وقلبٍ يرحم، ومبادرةٍ تؤازر.
فالعمل التطوعي والخيري ليس زينةً على هامش الوطن، ولا عاطفةً موسمية تظهر عند الكوارث وتغيب عند البناء؛ بل رئة من رئات المجتمع، به يتنفس المحتاج، ويتربى الشاب، وتنتظم الطاقات، وتتحول الرحمة من دمعةٍ عابرة إلى مشروعٍ نافع.
ومن هنا يحق لنا أن نسأل من يهاجم هذه الأبواب:
ماذا تريدون؟
وإلى أين تريدون أن تصلوا؟
وما خطتكم البديلة إن كانت الجمعيات عندكم مصدر فساد؟
هل تريدون مجتمعًا ينتظر الدولة في كل لقمة، وكل كسوة، وكل سقيا، وكل مبادرة؟
أم تريدون مجتمعًا باردًا، يرى المحتاج فلا يتحرك، ويسمع النداء فلا يجيب، ويملك القدرة ثم يدفنها تحت وسادة الكسل؟
إن كانت لديكم رؤية تنموية أرقى، فأخرجوها للناس.
وإن كان عندكم بديل أصلح، فضعوه على الطاولة.
أما أن تضربوا مؤسسات النفع ثم لا تقدموا إلا دخان الكلام، فهذه فوضى فكرية ترتدي عباءة النصيحة.
ثم إن العجيب حقًا أن تُذم الجمعيات لأنها “كالبقالات”، ولا نسمع الحماسة نفسها على مقاهٍ تكاثرت في كل زاوية، حتى صار الطريق لا يخلو من مقهى شيشة، ومجلس دخان، ومكانٍ يلمّ الأجساد ليبعثر العقول.
تلك المقاهي تضر الأبدان، وتنهك الصدور، وتسرق الأوقات، وتجمّل الفراغ في كوبٍ مزخرف ودخانٍ معلّق.
هناك يصمت الوعظ كأنه أخذ إجازة مفتوحة، وهنا يستيقظ فجأة على جمعيةٍ تطعم جائعًا أو تكسو محتاجًا!
أي ميزانٍ هذا الذي يغضّ الطرف عن الدخان، ويغضب من الإحسان؟
أي بصيرةٍ هذه التي لا ترى الشيشة وهي تسحب صحة الشاب، ثم ترى الجمعية وهي تسحب الفقر من بيت المحتاج؟
يا لها من فطنةٍ تمشي بالعكاز وتدّعي سباق الخيل!
نحن لا نقول إن كل جمعية ملاك يمشي على الأرض، ولا نزعم أن العمل الخيري منزّه عن النقص؛ فالعمل البشري لا يخلو من خطأ، ولا يسلم من ضعف، ولا يعلو عن رقابة.
لكن الفرق كبير بين النقد الذي يصلح، والتشهير الذي يهدم.
بين عينٍ ترى العيب لتداويه، ولسانٍ يرى المعروف فيلعنه لأنه لم يفهمه.
بين من يقول: قوّموا المسار، ومن يقول: أغلقوا الأبواب.
من أراد الإصلاح فليقل: نحتاج شفافية أقوى، وحوكمة أمتن، ومؤشرات أثر أوضح، وتأهيلًا أفضل، ورقابة أعمق.
أما أن يقال: الجمعيات أفسدت الأبناء، فهذه كلمة واسعة، ظالمة، عمياء؛ تخلط البر بالخلل، وتضرب الجذع لأن ورقةً اصفرّت.
الجمعيات الخيرية ليست خصمًا للدولة، ولا بديلًا عن المؤسسات الرسمية؛ بل رافد من روافدها، وشريك في المعنى والميدان.
وليست بابًا لإفساد الشباب؛ بل مدرسة لتأديب النفس، وتهذيب السلوك، وتعليم المسؤولية، وتربية الرحمة.
من أين يتعلم الشاب البذل إن خوّفناه من التطوع؟
ومن أين يعرف قيمة النعمة إن حجبناه عن الفقير؟
ومن أين تنمو في روحه المواطنة إن قلنا له: لا تمد يدك مع وطنك؟
إن الوطن لم يَجُنّ حين كثرت فيه الجمعيات؛ بل الذي اختل هو ميزان من رأى الخير خطرًا، والتطوع تهمة، والإحسان باب فتنة.
الجنون أن نرى يدًا تمتد للمحتاج فنكسرها، وشابًا يتطوع فنشوّه قصده، ودولةً تنظّم الخير فنشكك في ثماره، ومجتمعًا يتحرك فنقول له: عُد إلى الكسل.
ليست المشكلة في كثرة الجمعيات، بل في ضيق الفهم.
وليست الآفة في أبواب البر، بل في عيونٍ لا ترى من الباب إلا مفصله.
وليست المصيبة أن تصبح الجمعيات “كالبقالات”، بل أن يصبح بعض النقد كبضاعةٍ فاسدة: كثيرة العرض، قليلة النفع، عالية الصوت، منتهية الصلاحية.
فمن رأى خللًا فليبلّغ.
ومن رأى فسادًا فليدلل.
ومن أراد الإصلاح فليتكلم بعلم.
ومن صعد المنبر فليتذكر أن الكلمة أمانة، وأن التعميم ظلم، وأن المنبر ميزان لا مطرقة، وبصيرة لا بندقية كلام.
لا تجعلوا خطأ الفرد حكمًا على القطاع.
ولا تجعلوا نقص التجربة لعنةً على الفكرة.
ولا تحاربوا أبواب البر، ثم تسكتوا عن أبواب الضرر.
فالجمعية التي تطعم محتاجًا ليست خطرًا على الأبناء.
والذي يخاف على الشباب من التطوع، ثم لا يخاف عليهم من مقهى الشيشة، يحتاج أن يراجع ميزانه قبل أن يرفع صوته.
✍️ مازن المليح |📍قناة أثر وتأثير.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..