الأربعاء، 17 يونيو 2026

لماذا تتفنن الدراما العربية في تشويه صورة مجتمعاتها؟

   إذا أراد شخص أجنبي أن يتعرف على المجتمعات العربية من خلال الدراما فقط، فمن المرجح أنه سيحجز أول طائرة عائدة إلى بلاده ويطلب اللجوء السياسي في القطب الجنوبي!

فالدراما العربية تبذل جهداً أسطورياً لإقناع المشاهد بأن مجتمعاتنا عبارة عن كوكب يسكنه اللصوص والقتلة وتجار المخدرات والمحتالون وأصحاب المؤامرات العائلية، وأن المواطن الصالح كائن نادر مهدد بالانقراض مثل وحيد القرن الأبيض.

عندما تشاهد بعض المسلسلات المصرية تخرج بانطباع أن مصر دولة يبلغ عدد سكانها مائة مليون بلطجي، وأن أي مواطن مصري طبيعي لا يبدأ يومه بفنجان قهوة بل بمشاجرة جماعية يستخدم فيها الكراسي والسكاكين وألفاظاً لا تصلح حتى للاستخدام العسكري.

أما الأحياء الشعبية فيبدو أن سكانها يعانون من حساسية مفرطة تجاه الحديث بصوت طبيعي. لا أحد يتكلم. الجميع يصرخ. البقال يصرخ، والزبون يصرخ، والطفل يصرخ، والقطط ربما تصرخ أيضاً. تشعر أحياناً أن شركة إنتاج المسلسل دفعت أجور الممثلين على عدد الديسيبلات التي يصدرونها.

أما الصعيد في الدراما العربية فهو مكان غريب جداً. لا توجد فيه مدارس ولا جامعات ولا مستشفيات ولا مزارع. كل ما فيه رجال يحملون البنادق وينتظرون الفرصة المناسبة للثأر بسبب خلاف وقع عام 1823 بين جدين اختلفا على أولوية المرور أمام حمار.

وإذا انتقلت إلى بعض الدراما الخليجية ستكتشف أن كل بيت فيه مؤامرة تحتاج إلى ثلاثة محققين دوليين وخبير بصمات وأربعة شهود ملكيين لفهمها. الزوج يخون زوجته، والزوجة تتآمر على أختها، والأخت تتآمر على أمها، والأم تتآمر على الجميع، والخادمة وحدها هي التي تعرف الحقيقة لكنها تنتظر الحلقة الأخيرة لتخبرنا بها.

أما رجال الأعمال في الدراما العربية فلا يوجد بينهم رجل أعمال واحد حقق ثروته بالعمل. جميعهم إما غاسلو أموال أو مهربو مخدرات أو أعضاء في عصابة دولية تديرها شخصية غامضة تجلس في غرفة مظلمة طوال الموسم.

والأطباء في المسلسلات نوعان فقط: طبيب مرتشٍ أو طبيب يقع في حب مريضة أثناء العملية الجراحية. أما الطبيب الذي يذهب إلى المستشفى ويعالج المرضى ثم يعود إلى بيته بشكل طبيعي فهذا يبدو أنه لا يحقق نسب مشاهدة كافية.

حتى المحامي في الدراما العربية لا يفتح القانون إلا إذا احتاج إلى إخفاء جثة أو تزوير وصية أو سرقة ميراث أرملة مسكينة.

المضحك أن المنتجين يخرجون علينا دائماً بالعبارة السحرية:

ـ نحن ننقل الواقع!

يا سيدي إذا كان هذا هو الواقع فعلاً فمن الذي يبني العمارات؟ ومن الذي يدرّس الطلاب؟ ومن الذي يدير المصانع؟ ومن الذي يعالج المرضى؟ ومن الذي يشغل البلد أصلاً؟

أم أن كل هؤلاء غير موجودين، وأن الوطن يدار بالكامل بواسطة تجار المخدرات والبلطجية والزوجات المتآمرات وأبناء العم الذين ينتظرون فرصة قتل بعضهم بعضاً؟

الدراما في معظم دول العالم تحاول أن تُظهر مشاكل المجتمع وإنجازاته معاً. أما بعض الدراما العربية فتبدو وكأنها مشروع وطني لإقناع المشاهد بأن المجتمع كارثة بشرية مستمرة منذ آلاف السنين.

ولو صدقنا كل ما تعرضه هذه المسلسلات، لكان من المفترض أن تدخل سيارات الإسعاف والشرطة إلى شارة البداية، لأن نصف أبطال العمل سيُقتلون قبل الحلقة الخامسة، والنصف الآخر سيُعتقل قبل الحلقة العاشرة!

باختصار، هناك فرق بين نقد المجتمع وبين تقديمه للعالم على أنه أكبر مشروع إجرامي جماعي عرفته البشرية. بعض الدراما العربية للأسف لا تكتفي بغسل الملابس الوسخة أمام الناس، بل تصر على عرضها في معرض دولي مع إضاءة خاصة ومؤثرات صوتية وموسيقى حماسية
@mohsensaffar
بقلم محسن الصفار

٥:٥٨ م · ١٢ يونيو ٢٠٢٦
·
https://x.com/mohsensaffar/status/2065448700185612456/video/1

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..