ليست المصيبة أن يفعل الإنسان خيرًا، بل المصيبة أن يخرج الخير من محراب الإخلاص إلى منصة الاستعراض؛ فيبدأ العمل لله، ثم تخطفه الكاميرا، وتزاحمه النية، وتجلس “المشاهدات” على كرسي القلب.
فالرياء قديم في حقيقته، جديد في أدواته؛ كان صاحبه يلتفت إلى وجوه الناس، واليوم يلتفت إلى عداد الإعجابات. كان يطلب الثناء في المجلس، واليوم يطلبه في التعليقات. تغيّرت الشاشة، ولم يتغير المرض.
ومن الناس من إذا أعطى صوّر، وإذا تصدّق نشر، وإذا بخّر المسجد أعلن، وإذا خدم المحتاج جعل المحتاج خلفيةً لبطولته. كأنه لا يكتفي بأن يراه الله، حتى يراه المتابعون؛ ولا يطمئن أن العمل كُتب في صحيفته، حتى يُثبت في الأرشيف الرقمي.
وهنا يدخل الرياء الرقمي من أوسع أبوابه:
أن يتحول العمل الصالح إلى مشهد، والعبادة إلى محتوى، والصدقة إلى مادة دعائية، والستر إلى فضيحة ناعمة باسم “التحفيز”. يا سبحان الله، حتى الفقير صار عند بعضهم ديكورًا للخشوع، وكأن الكرامة بندٌ قابل للحذف عند مونتاج المقطع.
أما السمعة الإلكترونية فهي أخت الرياء من الرضاعة؛ لا يكتفي صاحبها بأن يعمل، بل يريد أن يُسمَع به، وأن يقال عنه: كريم، وفيّ، خادم، مبادر، صاحب أيادٍ بيضاء. فإن لم يمدحه الناس شعر أن العمل ناقص، وكأن القبول صار من لجنة التعليقات لا من رب الأرض والسماوات.
وقد جاء الميزان النبوي واضحًا: “إنما الأعمال بالنيات”، فليست العبرة بصورة العمل وحدها، بل بالقصد الذي حمله، والوجهة التي خرج إليها. وجاء الوعيد في الرياء والسمعة: “من سمّع سمّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به”، وفي الحديث الآخر التحذير من الرياء بوصفه من الشرك الأصغر.
وليس معنى ذلك أن كل تصوير للخير حرام، ولا أن كل نشرٍ للبر رياء؛ فقد يُنشر العمل للتوثيق، أو التعليم، أو حث الناس، أو بيان أثر مشروع، أو طمأنة المتبرعين. لكن الفاصل الدقيق هو سؤال القلب:
هل أريد وجه الله، أم وجه الناس؟
هل أنشر لأفتح باب خير، أم لأرفع تمثال نفسي؟
هل أحفظ كرامة المحتاج، أم أضعه في واجهة المجد الشخصي؟
العمل الصالح إذا دخلته الكاميرا احتاج إلى حراسة مضاعفة؛ لأن العدسة لا تسرق الصورة فقط، بل قد تسرق النية إن غفل صاحبها. ومن لم يفتش قلبه قبل النشر، نشر عمله وربما دفن أجره؛ يا لها من تجارة خاسرة: يعطي المال، ويتعب الجسد، ثم يسلّم الثواب للمجاملة الرقمية.
فليكن الخير خفيًا ما استطعت، فإن ظهر فليظهر بقدر الحاجة لا بقدر الشهوة. صوّر الأثر ولا تكسر الستر. انشر الفكرة ولا تفضح الضعيف. وثّق المشروع ولا تبنِ من دمعة الفقير منصةً لمجدك.
فالطاعة لا تحتاج ضوءًا كثيرًا؛ يكفيها نور النية.
والعمل إذا صعد إلى الله صافيًا، أغناك عن تصفيق الناس.
أما من جعل الإخلاص محتوى، فليحذر؛ فبعض المقاطع لا ترفع صاحبها، بل تشهد عليه.
✍️ مازن المليح |📍 أثر وتأثير .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..