لا يكاد يمرّ عليّ أسبوع إلا ويتصل بي أحدهم قائلاً: (فلان وش يرجعون؟
وأنت وش ترجع؟) فأجيبه مازحاً: (أرجع ريوس!)فيرد بثقة: (أنا مهتم بالأنساب.)
وأنت وش ترجع؟) فأجيبه مازحاً: (أرجع ريوس!)فيرد بثقة: (أنا مهتم بالأنساب.)
أسأله باستغراب: منذ متى هذا الاهتمام؟ فيقول: (من أربعين سنة!)،مع أن عمره لا يتجاوز الخامسة والأربعين، وكأن رحلته مع الأنساب بدأت منذ الطفولة المبكرة!
ويأتيني آخر يسأل: (عندك شجرة عائلتكم؟)فأجيبه ضاحكاً: (ما عندي إلا شجرة كينة عند الباب!)فيرد بجدية: (أقصد شجرة العائلة، بسوي بحث!)
أصبحنا نرى ظاهرة لافتة، حيث تحوّل الاهتمام بالأنساب لدى البعض إلى ما يشبه الهوس، حتى بات عبثاً في أنساب الناس، وتدخلاً في خصوصياتهم، دون علم أو توثيق أو منهجية.
ولا شك أن الفراغ يلعب دوراً كبيراً في ذلك، فحين يفتقد الإنسان ما يشغله بما ينفعه، يبحث عن أي مجال يملأ به وقته، فوجد البعض في الأنساب باباً سهلاً للدخول، دون إدراك لحساسيته وخطورته.
وهنا يبرز تساؤل مهم:
هل ضيّع الناس أنسابهم حتى يظهر هذا العدد الكبير من (النسّابة)؟
أم أن الأمر مجرد موجة عابرة غذّاها الفراغ، وسهّلتها وسائل التواصل؟
إن علم الأنساب علم معتبر إذا بُني على الأمانة والدقة والتوثيق، لكنه يتحول إلى معول هدم حين يُمارس بجهل، فيزرع الشكوك، ويثير النزاعات، ويفرّق بين الناس بدل أن يجمعهم.
ومن هنا، فإن الحاجة ملحّة لوضع حد لهذا العبث، والتأكيد على أن الخوض في أنساب الناس ليس أمراً عابراً أو مادة للتسلية، بل مسؤولية كبيرة لها تبعاتها الاجتماعية.
فالمجتمع لا يحتاج إلى مزيد من الشك والتفرقة، بل إلى ما يعزز وحدته، ويقوّي روابطه، ويشع فيه الاحترام المتبادل .
ليس المقصود من هذا الكلام التقليل من شأن علم الأنساب، فهو علم عريق له مكانته عند العرب قديماً وحديثاً، وكان له رجاله المعروفون بالتحري والدقة، ممن أفنوا أعمارهم في التوثيق والبحث، لا في الظن والتخمين.
لكن الفرق كبير بين من يطلب العلم لذاته، ملتزماً بالأمانة والمنهج، وبين من يجعله مجالاً للفضول والتدخل فيما لا يعنيه. فالأول يضيف معرفة ويخدم التاريخ، أما الآخر فلا يجني إلا إثارة الجدل وبث الشكوك بين الناس.
ومن المؤسف أن بعض المجالس اليوم لا تكاد تخلو من هذه الأسئلة: (فلان من وين؟ وفلان وش يرجع؟)وكأن قيمة الإنسان اختُزلت في نسبه فقط، مع أن الأصل في التفاضل هو الدين والخلق والعمل.
ولو أن هذا الجهد والوقت صُرف فيما ينفع من علم أو عمل أو تطوير للذات، لكان أولى وأجدى، فالمجتمع بحاجة إلى من يبني لا من يفتّش، وإلى من يجمع لا من يفرّق.
وفي الختام، يبقى الواجب على كل عاقل أن يتحرى فيما يقول، وأن يدرك أن الكلام في أنساب الناس ليس أمراً هيناً، بل قد يترك أثراً لا يُمحى.
فليتقِ الله كل من يخوض في هذا الباب، وليجعل من علمه وسيلة إصلاح لا سبباً للفرقة، ومن اهتمامه باباً للمعرفة لا باباً للعبث.
علي_السلامة
@tamimi3035
١٢:٣١ م · ١٥ يونيو ٢٠٢٦

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..