الأحد، 9 أغسطس 2026

سيناريو غزو الكويت الذي قرأتُه عام 1985 في أمريكا.. وسخرتُ منه

           كان ذلك في أواسط الثمانينيات، وتحديداً في عام 1985، حين كنتُ أتابع دراستي الأكاديمية العليا في الولايات المتحدة الأمريكية. في تلك الأيام، كانت أروقة الجامعة ومكتباتها تعجّ بالأوراق البحثية والدراسات الاستراتيجية التي تتناول منطقة الشرق الأوسط وتوازنات القوى فيها.
​في أحد الأيام، وأنا أتقصى بعض المراجع الأكاديمية، وقعت تحت يدي دراسةٌ حديثة الصدور آنذاك عن "معهد بروكينغز" (Brookings Institution) صاغها الباحث الاستراتيجي توماس ماكناغر (Thomas McNaugher) بعنوان:
​"السلاح والنفط: الاستراتيجية العسكرية الأمريكية وخليج العرب"
(Arms and Oil: U.S. Military Strategy and the Persian Gulf)
​جلسْتُ أقرأ الصفحات بشغفٍ وأنا أتنقل بين التحليلات العسكرية والتوقعات الجيوسياسية، حتى وصلتُ إلى فصلٍ يطرح سيناريو تفصيلياً ومحدداً: "كيف يمكن للجيش العراقي، بحجمه وترسانته الممتدة وخبرته الميدانية، أن يجتاح دولة الكويت في هجومٍ خاطف ومباغت؟"
​استرسلت الدراسة في رسم تفاصيل هذا السيناريو بدقة شديدة؛ تحدثت عن اندفاع القطعات الميكانيكية والدبابات عبر الحدود الشمالية، وتطويق العاصمة خلال ساعات معدودة، والسيطرة على الحقول النفطية والمنافذ البحرية، وفرض واقعٍ عسكري جديد يُربك الحسابات الدولية. وقدمت الدراسة مفهوم "أفضل دفاع" (The Best Defense) للكويت، مشيرةً إلى أن دفاعها الحقيقي لن يكون عبر سواتر ترابية أو خطوط دفاعية محليّة، بل عبر ارتهان أمنها بردعٍ دولي وبـ "قوات انتشار سريع" تُستدعى لحماية المنطقة.
​في تلك اللحظة، لم أتمالك نفسي من ابتسامة سخرية خفيفة. أغلقت المجلد وأنا أقول في سري: "هؤلاء الأكاديميون الأمريكيون يعيشون في عالمٍ من الخيال والنظريات الجافة! كيف يمكن أن يحدث هذا؟"
​كان المنطق والواقع المعاش في عام 1985 يقفان تماماً ضد هذا السيناريو. فالعراق كان يخوض حرباً طاحنة، والدعم المالي واللوجستي والسياسي من دول الخليج وفي مقدمتها الكويت كان في أوجه، والعلاقات بين بغداد والعواصم الخليجية تبدو في أزهى صور التضامن والتكاتف. كان الاقتراح بأن تتحول هذه الجبهة إلى خط مواجهة عسكرية يبدو لي ولغيري مجرد شطحة من شطحات التخطيط الاستراتيجي الأمريكي المخمور بالسيناريوهات الافتراضية.
​مرّت السنون، وعدتُ إلى أرض الوطن، وطُوِيَت صفحة الدراسة في زوايا الذاكرة كغيرها من آلاف الأوراق الأكاديمية التي قرأتها أثناء دراستي في أمريكا.
​وفجأة... جاء صبيحة الثاني من أغسطس (آب) عام 1990.
​استيقظ العالم – واستيقظتُ معه – على أنباء دخول القوات العراقية إلى الأراضي الكويتية. كانت الأخبار تتوارد تباعاً: تحرك القطعات، السيطرة على المراكز السياسية، والتمدد نحو الجنوب... تماماً كما كُتِب في تلك الورقة الأكاديمية قبل خمس سنوات!
​وقفتُ مشدوهاً أمام الشاشة، وعادت بي الذاكرة فجأة إلى تلك المكتبة الأمريكية وإلى تلك الصفحات الصفر التي قرأتها بعين الاستخفاف عام 1985. اصطدمتُ بالواقع الذي تحقق حرفياً؛ لم تكن تلك الدراسة مجرد التنبؤ بنوايا، بل كانت قراءة دقيقة لآلية اتخاذ القرار وتوازنات القوة الصلبة التي لا تعترف بمتغيرات السياسة العابرة. لقد أدركتُ حينها أن ما بدا لي يوماً مجرد خيال أكاديمي ساذج، كان في الحقيقة خرائط استراتيجية صاغتها العقول المدبرة وقرأت من خلالها أزمة المشرق العربي قبل أن تولد.
معلومات الدراسة الأكاديمية ومصادرها:
​لمن يرغب في العودة إلى هذه الوثيقة التاريخية والاطلاع عليها، هذه هي التفاصيل الببليوغرافية الكاملة للنسخة الأصلية:
​عنوان الدراسة: Arms and Oil: U.S. Military Strategy and the Persian Gulf  
​المؤلف: الباحث الاستراتيجي توماس ماكناغر (Thomas L. McNaugher)  
​جهة النشر: معهد بروكينغز (The Brookings Institution)، واشنطن العاصمة.  
​سنة النشر: 1985  
​الرقم المعياري الدولي (ISBN): 9780815756231  
​روابط الوصول للدراسة:  
​الناشر الرسمي (Brookings / Bloomsbury):
يمكن الاطلاع على تفاصيل الكتاب والنسخة الرقمية من خلال دار النشر:
Arms and Oil - Bloomsbury / Brookings Institution Press  
​المراجعات الأكاديمية (Cambridge Core):
يمكن قراءة الملخصات والمراجعات الأكاديمية الصادرة في نفس الحقبة الزمنية عبر جامعة كامبريدج:
American Political Science Review - Arms and Oil (1986)  
​(ملاحظة: تتوفر فصول من هذه الدراسة بصيغة PDF للباحثين عبر قواعد البيانات الأكاديمية مثل JSTOR، أو من خلال الأرشيف الرقمي لمعهد بروكينغز).


بقلم: وميض القيسي


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..