الأحد، 9 أغسطس 2026

أمنُ المملكة : من سنن القرآن إلى تحالفات اليوم ! 

          تعيش المملكة ودول الخليج هذه الأيام مرحلة دقيقة في ظل الحرب مع إيران واتساع دائرة التهديدات في المنطقة. 
ومع تسارع الأحداث، من المفيد أن نعود إلى التاريخ لنسأل: كم مرة تعرض الحرم وهذه البلاد للخطر، وكيف انتهت تلك الأخطار؟
البداية الأبعد والأشهر سجلها القرآن نفسه؛ فقد جاء أبرهة الأشرم بجيشه وفيله يريد هدم الكعبة، وكانت القوة العسكرية يومها في جانبه، لكن الحملة انتهت قبل أن تحقق غايتها، وسجل القرآن نهايتها بكلمات حاسمة:
 ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ۝ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾       [الفيل: 1-2].
ومضى أبرهة، وبقي البيت ، وبعد نحو ألف عام، جاء الخطر من جهة البحر. قرأت أن القائد البرتغالي الشهير أفونسو دي ألبوكيرك، نائب ملك البرتغال في الهند، خطط في نحو سنة 1513م للتوغل في البحر الأحمر، والاستيلاء على عدن وجدة، وتهديد الحرمين، ووضع خطة لإرسال قوة إلى المدينة المنورة للاستيلاء على جسد النبي ﷺ، واتخاذه وسيلة للضغط على المسلمين ، وأرسل ألبوكيرك رسائل إلى الشاه إسماعيل الصفوي، حاكم إيران، يعرض عليه التعاون ضد المماليك والعثمانيين، وأن يتحرك الصفويون برًّا بينما يعمل البرتغاليون بحرًا. وتؤكد الموسوعة الإيرانية أن إيران الصفوية أصبحت حليفًا مهمًّا للبرتغال منذ العقد الثاني من القرن السادس عشر ، ولم يتحقق لهم ما أرادوا رد الله كيدهم وأبطل تدبيرهم . 
وبعد وفاة ألبوكيرك، جاءت حملة برتغالية أخرى بقيادة لوبو سوارس دي ألبيرجاريا سنة 1517م، ووصلت فعلًا إلى سواحل جدة وحاولت مهاجمتها. لكن تحصينات جدة ومدافعها، والأسطول المدافع حالت دون نزول البرتغاليين، وسلط الله عليهم ما أرعبهم وانسحبوا فقد عانوا من نقص ماء الشرب وسوء الأحوال البحرية .
ثم جاء عصر الاستعمار الأوروبي، فتقاسمت القوى الأجنبية أجزاء واسعة من العالم العربي والإسلامي، بينما بقيت المملكة بعيدة عن الحكم الاستعماري المباشر، وبقيت محفوظة   مادنستها قدم مستعمر ، يقول شكيب ارسلان حين قدم حاجاً عام 1346هـ  وقد نزل من الباخرة في جده يقول : تنفستُ الصعداء تنفساً عميقا أن وطئت قدمي بلدا لم يحكمه المسيو فلان أو فلان وطئت قدمي بلداً آمنا طاهراً يتولى شؤنه أخي في الله الملك العربي الحر عبدالعزيز آل سعود رحمه الله ! 
ومرت المملكة والمنطقة بعد ذلك بتحولات وحروب وأزمات كبرى؛ من الحرب العالمية ، والصراع العربي الإسرائيلي، إلى حرب الخليج والإرهاب وأحداث الحادي عشر من سبتمبر واضطرابات العقود الأخيرة. 
ومحاولات ايران أذية الحجاج وفي كل مرة ومرحلة كانت المملكة تنجو من ويلاتها وتعزز أسباب أمنها وقوتها، وتبني مؤسساتها وتحالفاتها ، وهنا يلتقي التاريخ بالقرآن ، فالقرآن وصف مكة بأنها حرم آمن:﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: 57].
وقال سبحانه:﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: 125].
ووصف الكعبة بأنها قيام للناس: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: 97].
وأقسم سبحانه:﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: 3].
 ودعا إبراهيم عليه السلام:﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [إبراهيم: 37].
هذه النصوص تجعل أمن مكة والحرم قيمة قرآنية ظاهرة، والمملكة العربية السعودية اليوم تحمل مسؤولية مباشرة عن حماية الحرمين وخدمة الملايين الذين يقصدونهما من أنحاء العالم ، لكن الأمن في القرآن لا يقوم على الانتظار وحده؛ فالآية التي حذرت من أعداء لا نعرفهم: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ بدأت بالأمر:﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. وهنا تبرز دلالة الحدث التاريخي الذي شهدته مكة يوم، الجمعة 24 صفر 1448هـ  7 أغسطس 2026م؛ إذ وقعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك، بحضور ولي العهد الهُمام الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف.
وينص الاتفاق على أن الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث يعد اعتداءً عليها جميعًا، بما ينقل التعاون العسكري والأمني بينها إلى مستوى جديد.
هذا ولمكان التوقيع دلالة تاريخية لافتة: فمكة التي حاول أبرهة الوصول إليها، وجاء البرتغاليون بعد قرون إلى بوابتها البحرية، وجدد اليوم أحفاد الصفويين ومن وراءهم شرهم تشهد اليوم اجتماع ثلاث دول إسلامية كبرى لتعلن اتفاقًا للدفاع المشترك.
إنها صورة تستحق أن يتوقف عندها المؤرخ؛ فالتاريخ لا يتكرر بالصورة نفسها، لكنه يعيد أحيانًا المعنى: تتغير الأخطار وأدواتها، وتتغير في المقابل وسائل الدفاع، وتُبنى التحالفات، وتتطور القوة.
وإذا كان القرآن قد سجل عن أصحاب الفيل: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾، فقد أمر في الوقت نفسه بإعداد القوة، وحذر من أعداء قد لا نعرفهم.
وبين هذين المعنيين يمكن قراءة جانب كبير من تاريخ أمن هذه البلاد: حفظٌ من الله، وإعدادٌ وحسن تدبير من الإنسان.
ومن أبرهة إلى البرتغاليين، ومن زمن الاستعمار إلى تحديات اليوم، بقي أمن الحرمين مسؤولية كبرى، وبقيت المملكة تبني قدراتها لحمايتهما وحماية وطنها.
ويأتي اتفاق مكة للدفاع المشترك اليوم حلقة جديدة في هذا المسار التاريخي؛ فالأمن لا يُترك للمصادفة، وإنما يُصان ـ بعد توفيق الله ـ بقوة الدولة، وحكمة قيادتها، ووحدة الصف، وحسن التدبير.
 
د. عبدالعزيز بن عبدالرحمن الثنيان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..