الخميس، 6 أغسطس 2026

حين يتحوّل الضيف إلى محتوى !!*

       لم يكن الكرم يومًا يقاس  بعدد الأطباق، ولا بحجم المائدة، ولا بمقطعٍ   يتسابق الناس إلى نشره، وإنما كان خُلُقًا يفيض من النفس قبل أن يفيض من القدور، وسجيةً يتقرب بها صاحبها إلى الله تبارك وتعالى قبل أن يتقرب بها إلى ضيفه ..
وقد بقي ذكر الكرماء في ذاكرة الناس قرونًا، لا لأنهم أحسنوا التصوير، بل لأنهم أحسنوا الضيافة !!
غير أن وسائل التواصل أفرزت سلوكًا اجتماعيًا جديدًا، حتى كأن بعض المجالس لم تعد تُقام لاستقبال الضيف، بل لاستقبال الكاميرا !!
فالضيف لم يعد في بعض المناسبات إنسانًا يُراد إكرامه، بل أصبح جزءًا من مشهدٍ ينتظر لحظة النشر !!
وما إن يطرق الضيف الباب حتى يبدأ الإخراج ..
هاتف هنا، وعدسة هناك، وإعادة للترحيب - في بعض الأحيان- لأن التصوير لم يكن بالمستوى المطلوب ..!!
يقف المضيف مرحبًا، ويقف الضيف مجيبًا، وتتطاير كلمات المديح بينهما، ولكن المؤلم أن أحدًا لا ينظر إلى الآخر؛ فالأعين كلها معلقة بعدسة الهاتف !!وكأنها هي الضيف الحقيقي الذي يجب أن يحظى بكل الاهتمام.
ثم تتحول الكاميرا إلى المائدة، فتدور حولها كما لو كانت في جولة داخل معرض، وتُعرض أصناف الطعام واحدًا تلو الآخر، ثم يأتي الاعتذار التقليدي: “اعذرونا على القصور”، بينما تكاد السفرة تعجز عن حمل ما وُضع عليها من ألوان الطعام، ويظهر من الإسراف ما يناقض هذا الاعتذار !!
وهنا تضيع حرارة اللقاء بين أضواء الفلاشات، وتختفي عفوية الضيافة خلف الرغبة في صناعة محتوى يحقق الإعجاب أكثر مما يحقق الألفة ..
وليس المقصود من هذا الحديث تحريم توثيق المناسبات أو إظهار نعمة الله، فذلك باب آخر له أحكامه وضوابطه، وإنما المقصود حين يصبح التصوير هو الغاية، ويصبح الضيف وسيلة، ويغدو الكرم وسيلة لبناء صورة اجتماعية .. لا خلقًا متأصلًا في النفس !!
وهنا يخشى على صاحبه من الوقوع في التفاخر والتصنع، وقد قال النبي ﷺ: «المتشبع بما لم يُعط كلابس ثوبي زور».
ثم إن لهذه الظاهرة ضريبة يدفعها المجتمع كله ..
فكم من فقير يرى تلك الموائد المتكررة فينكسر خاطره !! 
وكم من محتاج يزداد ألمه !!وكم من نفس ضعيفة تتحرك فيها المقارنات والحسد بسبب صور كان يمكن أن تبقى داخل جدران البيت .. فينال صاحبها أجر الإكرام، ويسلم غيره من ألم المقارنة ..
فليس كل ما يُفعل يُنشر ..
 وليس كل نعمة تُعرض على الناس ..
فكم من نعمة حُفظت بالستر، وكم من معروفٍ عظم أجره لأنه بقي بين صاحبه وربه سبحانه وتعالى..
ومن هنا يظهر الفارق بين الكريم حقًا، وبين من يتقمص دور الكريم !!
فالأول لا يسأل مَن ضيفه ..ولا يفتش عن مكانته، ولا يزن الناس بعدد متابعيهم أو شهرتهم، لأنه يرى أن كل من دخل بيته يستحق الإكرام ..
أما الآخر فله ضيوف يليقون بالتصوير، وضيوف لا يحققون التفاعل، وله مناسبات تستحق النشر، وأخرى لا تستحق، حتى كأن منزله تحول إلى (استوديو )لا إلى مجلسٍ تُصان فيه كرامة الضيف.
وقد بقيت سيرة الكرماء الحقيقيين حية في القلوب قبل زمن الهواتف ..
لم ينشروا موائدهم، ولم يصوروا ضيوفهم، ومع ذلك تناقلت الألسن أخبارهم، لأن الناس هم الذين شهدوا لهم، ولم يشهدوا لأنفسهم !!
وذلك هو الفرق بين من يجعل الكرم عبادةً، فيتحدث الناس عنه من غير طلب منه، فيكون ذلك من عاجل بشرى المؤمن، وبين من يجعل الكرم وسيلةً ليصنع بنفسه حديث الناس عنه والله المستعان..
ويبقى أكثر الناس معاناة في هذا المشهد هو الضيف نفسه. فهو لم يحضر ليكون ممثلًا في حلقةٍ من حلقات وسائل التواصل، ولم يلبِّ الدعوة ليؤدي دورًا في مشهدٍ معدٍّ سلفًا، وإنما جاء استجابةً للدعوة، ورغبةً في صلة المودة. فإذا به يجد نفسه بين خيارين، كلاهما أشد مرارةً من الآخر؛ فإما أن يجامل، ويبتسم للعدسة، ويردد عبارات الثناء، ويشارك في مسلسل يؤذيه قبل أن يؤذي غيره، وإما أن يوقف هذا العبث برفض التصوير أو الاعتراض عليه، فيفسد المشهد، ويحرج مضيفه، وربما تنقطع بسبب ذلك حبال المودة بينهما. وقد شاهد الناس أكثر من موقف انتشر على الملأ لضيوف رفضوا أن يكونوا جزءًا من هذا الاستعراض، أو ظهرت على وجوههم علامات الضيق، لأنهم شعروا أن كرامتهم الإنسانية أصبحت أقل شأنًا من مقطع ينتظر النشر.

أيها الأكارم… إن الضيافة ليست مسرحًا، والضيف ليس ممثلًا، والكاميرا ليست شاهدًا على الكرم. فالكرم الحقيقي لا يحتاج إلى عدسة تثبته، لأن مكانه الطبيعي ليس ذاكرة الهاتف، وإنما ذاكرة الناس وقبل ذلك رضا الله عز وجل ..
وسيظل أجمل الكرم ذلك الذي يغادر معه الضيف وهو يحمل دعوةً صادقة خرجت من قلبه، لا رابطًا لمقطعٍ خرج من هاتف مضيفه. وسيبقى الكريم كريمًا وإن لم يعرفه أحد، أما من احتاج إلى الكاميرا ليقنع الناس بكرمه، فلعله أقنعهم بما أراد… لكنه خسر المعنى الذي من أجله شُرعت الضيافة.

دمتم بخير وعافية 

مجرد رأي 💫
د. محمد بن علي الرشيد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..