الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

القطاع الخاص ليس الأفضل دائماً

         هناك فئة من البشر إذا سمعوا كلمة “خصخصة” دخلوا في حالة من النشوة، وكأن ملاكاً هبط من السماء يحمل حقيبة مليئة بالأرباح. بالنسبة لهم، لا يوجد مرض اقتصادي لا تعالجه الخصخصة، ولا مؤسسة حكومية لا تتحول إلى جنة بمجرد أن يشتريها مستثمر.

وكأن المستثمر مخلوق أسطوري، لا ينام، ولا يخطئ، ولا يعرف الطمع، ولا يرى في العالم سوى خدمة البشرية… مع هامش ربح لا يقل عن ثلاثين بالمئة.

نعم، القطاع الخاص أكثر كفاءة في إدارة الأموال، وهذه حقيقة لا ينكرها عاقل. لكنه أيضاً أكثر كفاءة في شيء آخر لا يتحدث عنه أحد… تحويل كل شيء إلى سلعة.

فالإنسان عنده ليس مواطناً… بل عميلاً.
والمريض ليس مريضاً… بل فاتورة.
والطالب ليس طالب علم… بل اشتراكاً سنوياً.
والموظف ليس إنساناً… بل تكلفة تشغيل قابلة للحذف بضغطة زر.

اشترى مصنعاً؟ أول قرار هو فصل نصف العمال. ليس لأنهم سيئون، بل لأن الأرباح لا تحب الوجوه الكثيرة. بعدها يقف أمام الصحافة مبتسماً ليعلن أن الإنتاجية ارتفعت بنسبة 40%. بالطبع ارتفعت… لأن أربعين بالمئة من البشر أصبحوا في الشارع يبحثون عن عمل.

ثم تأتي الخصخصة إلى المستشفيات.

وهنا يتحول قسم الطوارئ إلى قسم المحاسبة، ويصبح جهاز قياس النبض أقل أهمية من جهاز قارئ بطاقات الائتمان.

يدخل المريض وهو ينزف…

فيقال له:

هل لديك تأمين؟
لا.
ممتاز… سنوفر عليك عناء العلاج.

أما إذا كان معه تأمين فاخر، فيكتشف الأطباء فجأة أنه يحتاج إلى عشرين صورة شعاعية، وثلاثين تحليلاً، وأربع استشارات، وربما تغيير الكبد احتياطاً، لأن التأمين -لحسن الحظ- سيدفع.

فالمرض عند بعض الشركات ليس مأساة إنسانية، بل موسم حصاد.

وجائحة كوفيد كانت درساً قاسياً. فعندما احتاج العالم إلى مخزون استراتيجي من المعدات والأدوية، اكتشف كثيرون أن السوق لا تنتج الأشياء لأنها ضرورية، بل لأنها مربحة. وما لا يحقق ربحاً سريعاً لا يحظى بالأولوية، حتى لو كان ينقذ ملايين الأرواح.

أما إذا خصخصت التعليم، فالقصة لا تقل كوميدية.

فالطالب يتحول إلى زبون.

والزبون دائماً على حق.

فإذا اشتكى الأب من أن ابنه رسب، يصبح الحل الأسهل هو رفع درجات الابن، لا رفع مستواه.

وفي النهاية يتخرج طبيب لا يفرق بين القلب والكبد، ومهندس يعتقد أن الإسمنت مادة غذائية، ومحامٍ يرفع قضية على نفسه… لكن الجميع يحمل شهادات ممتازة، لأن رضا العملاء أهم من الحقيقة.

وبالمناسبة، إذا كانت الخصخصة هي الحل لكل شيء، فلماذا لا نخصخص الجيش أيضاً؟

تتولى شركة مساهمة حماية الحدود.

ومن يريد صد هجوم خارجي، يشترك في الباقة الذهبية.

أما أصحاب الباقة المجانية، فتصلهم رسالة تقول:

“عذراً… الدفاع عن منطقتكم يتطلب ترقية الاشتراك.”

ولماذا لا نخصخص الشرطة؟

كل بلاغ يبدأ بإدخال رقم بطاقة الائتمان.

وإذا تأخر اللص في السرقة، تصلك رسالة:

“لقد انتهت فترة الحماية المجانية.”

الخصخصة ليست شراً، كما أن القطاع العام ليس ملاكاً منزهاً عن الأخطاء. فكثير من المؤسسات الحكومية تعاني البيروقراطية والفساد وسوء الإدارة.

لكن هناك فرقاً هائلاً بين مصنع ينتج الثلاجات، ومستشفى ينقذ الأرواح، ومدرسة تصنع العقول.

فالربح يمكن أن يكون هدفاً ممتازاً في التجارة، لكنه يصبح هدفاً خطيراً عندما يكون ثمنه صحة الناس أو تعليمهم أو أمنهم.

لذلك فإن الدول العاقلة لا تسأل: من يدير بكفاءة أكبر؟ بل تسأل أولاً: ما الذي لا يجوز أصلاً أن يخضع لمنطق الربح؟

لأن السوق لا يملك ضميراً… ووظيفته ليست أن يملك ضميراً.

أما الدولة، فإذا تخلت عن دورها في حماية القطاعات الحيوية، فإنها تتحول تدريجياً إلى شركة كبيرة، ويصبح المواطن مجرد زبون، وإذا عجز عن الدفع… تنتهي صلاحية إنسانيته.

الصورة

بقلم محسن الصفار


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..