السبت، 15 أغسطس 2026

هم يزرعون.. ونحن نستأجر* *من اتفاق مكة إلى مشروعٍ سعودي لصناعة النفوذ*

من وحي هجوم علاونة وعطوان والحامدي وجوقة المرتزقة .. هذه المقالة التي أرجو أن تصل لمن يتبنى مشروعها..
.مقتطفات من المقالة:
*٢= سوقُ النخاسة*
.
المرتزقة طابورٌ قديم لا نبتةَ اليوم. أُمِّمت الصحافة المصرية بقانون ١٥٦ لسنة ١٩٦٠م فصارت «الأهرام» و«أخبار اليوم» و«روز اليوسف» ملكًا للتنظيم السياسي الحاكم، ورعى الإعلام الناصري جوقةً منهم في الستينيات، فتبعته الأنظمة واحدًا بعد واحد.
.
كانت بيروت هي السوق: أوَتذكرون «الصياد» و«الشبكة» و«الحوادث» و«الأسبوع العربي» وسواها من منابر راج سوقها وقتذاك! صحافةٌ بديعة اللغة.. تقرأ عددين متتاليين فتعرف من دفع بينهما.
.
ثم انتقل السوق إلى لندن وباريس، لكلّ منبرٍ ممولُه وقِبلته؛ ومنها «القدس العربي» التي عارضت التدخل الدولي لإخراج صدام من الكويت، ومؤسسها ورئيس تحريرها يومذاك هو عبدالباري عطوان نفسه، الذي يتصدّر اليوم جوقة التهكّم على اتفاق مكة.
.
أمّا صدام فكان أسخى النخّاسين: لم يشترِ المقالات بالكلمة، بل اشترى الضمائر بالبرميل. ولمّا سقط، نشرت صحيفة «المدى» العراقية مطلع ٢٠٠٤م قائمةً بمئتين وسبعين اسمًا من أكثر من ستةٍ وأربعين بلدًا — وزراء سابقين وسياسيين وصحفيين — يُشتبه في انتفاعهم من مبيعات النفط العراقي، وفيهم أربعة عشر من لبنان ومثلها من الأردن.
.
*قائمةٌ واحدة كشفت ما كنّا نتأدّب عن قوله: أنّ للولاء العربي سعرًا معلنًا، وأنّ الفاتورة تُحرَّر بالبرميل لا بالكلمة.*
.
ثم جاءت شقيقة خليجية فطوّرت الصنعة: لم تعد تشتري الأقلام فرادى، بل بنت مصنعًا يُخرج الرأي معلَّبًا في ثوب المهنية. وذاك أخطر؛ لأنّ النخّاس الأول كان يخجل، وهذا يفتخر.
.
*٣= رسالةٌ أم فاتورة؟*
.
بيد أنّ الأيام أثبتت عقم ذلك كلِّه؛ وأنا أجزم — وأُقسم بالله — أنه ليس كابن البلد من يدافع عن بلده. فهذا يكتب عن رسالةٍ يحملها، وذاك يكتب عن فاتورةٍ يستوفيها. والفرق بينهما ليس في جودة العبارة، بل في ما يبقى منها إذا انقطع المال.
.
قبل أن أُسمّي، تقتضي الأمانة تفصيلًا: ليس كلُّ من نافح عن المملكة من خارجها مرتزقًا، وحاشا. فمن الكتّاب العرب من يكتب رسالةً وإيمانًا، ولي منهم أصدقاء أعزّاء استضفتُ بعضهم في برامجي الفضائية، وإنهم ليحملون لهذا التراب حبًّا لا يُشترى.
.
*هؤلاء أخوتنا، وهم في ميزاننا غير أولئك. فالخصومة مع الارتزاق لا مع الجنسية، ومع الفاتورة لا مع اللسان.*
.
أمّا الذين أعنيهم فأسماءٌ يؤسفني أن أراها في تلكم الجوقة: من عبدالباري عطوان، إلى محمد الهاشمي الحامدي، إلى الناعق الجديد يوسف علاونة، ثم انضمّ إليهم عبدالجليل السعيد.
.
قِفوا عند هذا الأخير. رجلٌ سوريٌّ من حلب، كان مدير المكتب الإعلامي لمفتي نظام الأسد أحمد بدر الدين حسّون؛ أي أنه تخرّج في أعرق مدرسةٍ عربية لتلميع الطغاة. ثم استدار حين استدارت الريح فصار من أعلى الأصوات دفاعًا عن المملكة، حتى إذا لاح له علفٌ أخضر في جهةٍ أخرى.. استدار ثالثةً. ثلاث استداراتٍ في عمرٍ واحد، ثم يحدّثنا عن الثوابت!
.
هذه حرفتهم يا سادة لا آراؤهم: أقلامٌ تُؤجَّر بالمتر، وضمائر تُباع بالجملة، وحناجر لا قِبلة لها إلا جهة الحوالة. ليس لواحدهم وطنٌ يذكره في مقاله، بل رقمُ حسابٍ يذكره في سرّه؛ ثم يجلسون بعد ذلك يعظوننا في الكرامة والسيادة! أيّ قاموسٍ تُنطق فيه «كرامة» بلسانٍ مستأجَر؟
.
وإنّ غدًا لناظره قريب: فلربما جاءت شقيقةٌ تشاغبنا فدفعت أكثر، فانقلبت هذه الأبواق علينا في صبيحة يوم.
.
*أيها السادة: آن الأوان أن نتجاوزهم، وأن نكفّ عن إطعام من سيعضّنا.*
.
*٤= دخلتُ المصنع*
.
لستُ فيما سأقوله ناقلًا عن كتب؛ فقد دخلتُ مصنع النفوذ من بابه ورأيت آلته تدور.
.
في مارس ٢٠١٩م كنتُ ضيفًا على برنامج «الزائر الدولي» التابع للخارجية الأمريكية. وفي كنيسةٍ بمدينة سان أنطونيو، والقسّ يحدّثنا عن جهودهم في إيواء المشرّدين، رفعتُ يدي وسألته: كيف تستضيف حكومتكم إعلاميًا من السعودية ثلاثة أسابيع بنفقةٍ قدّرتُها يومذاك بنحو أربعين ألف دولار، وكان بإمكانها أن تُؤوي بها مشرّدين رأيتهم بعينيّ على الأرصفة وضفاف النهر؟
.
*غمغم القسّ بكلامٍ بعيد وقال.*( برجاء إكمال باقي المقالة لمن يود على الروابط أعلاه في تويتر)قيتُ أفكّر حتى فهمت. البرنامج قائمٌ منذ سنة ١٩٤٠م، مرّ به أكثر من مئتين وثلاثين ألف قيادي، صار منهم أكثر من خمسمائة رؤساءَ دولٍ أو حكومات، وأكثر من ألفٍ وستمائة وزيرًا، واثنا عشر حائزًا على جائزة نوبل.
.
في قوائمهم السادات وتاتشر وبلير وأنديرا غاندي. وقالها ضابطٌ سوفيتيّ كبير بمرارة: إنّ برامج التبادل هذه كانت «حصان طروادة» الذي أكل نظامهم من داخله.
.
فهمتُ حينها أنّ النفقة ليست على الزائر، بل على الأثر الذي يتركه بعد عشرين سنة. لم يكونوا يستضيفون صحفيًا؛ كانوا يزرعون سفيرًا.
.
يا سادة: هنا مربط الفرس: هم يزرعون، ونحن نستأجر.
.
ليست أمريكا وحدها؛ فبريطانيا بنت «تشيفنينغ»، وفرنسا نثرت معاهدها، والصين فتحت «كونفوشيوس» في مئات الجامعات، وتركيا أنشأت «يونس إمره» ومنحها فصار خرّيجوها سفراءها الصامتين. كلُّهم يبنون المعرفة والصلة بالمال والسنين. ونحن نملك المحبة مجانًا.. ثم ندفع لمن يسبّنا.
.
٥= جيشٌ بلا بنادق
.
قبل الدعوة، حدٌّ لا بدّ من إعلانه: فرقٌ بين أن تبني إنسانًا وتترك له عقله، وأن تدفع له ثمن موقفٍ تريده. الأول تمنحه معرفةً وصلةً ثم لا تُملي عليه سطرًا، والثاني تشتري لسانه بالشهر. ودعوتي إلى الأول: منحٌ معلنة، وتدريبٌ مهني، وحقٌّ للمستفيد أن ينقدنا.
.
من هنا أدعو إلى مشروعين، أتأمّل أن يصلا إلى من بيده الأمر.
.
أوّلهما الاستثمار في شبابنا وفتياتنا المثقفين: طليعةٌ واعدة تحتاج تدريبًا إعلاميًا على الظهور والكتابة المؤثرة التي تخاطب جيل اليوم والنخبة معًا.
.
أتحدث عن عشراتٍ من الموهوبين والموهوبات لا عن بضعة نفر؛ يُنتقَون من مختلف مناطق المملكة ومكوّناتها وأجيالها، وكذلك أعراقها، وهذا مهم جدًا، ويُدرَّبون في دوراتٍ جادّة، ويُرعون مؤسسيًا ومهنيًا، ثم يُدفَع بهم إلى الفضائيات والمنصات.
.
انظروا إلى الحساب لا إلى العاطفة: ما يُنفَق على صوتٍ مستأجرٍ واحد يصنع عشرة أصواتٍ لا تُستأجَر. الأول تدفع له كل شهرٍ خشية أن يصمت، والعشرة يدفعون هم من أعمارهم خشية أن تُمسّ بلادهم.
.
٦= بذرة الطائف
.
أمّا الثانية فأعظم أثرًا وأقلّ كلفة. وأبدأ بشاهدٍ يُدهش: في مدينتي الأثيرة الطائف — لا في لندن — قضت شابانا محمود طفولتها الأولى؛ انتقلت مع أسرتها سنة ١٩٨١م حيث كان والدها مهندسًا مدنيًا، وعادت الأسرة سنة ١٩٨٦م. ثم مضت الأيام فإذا بالطفلة تتخرج في القانون بأكسفورد، وتصير أول مسلمةٍ تتولى وزارة العدل في تاريخ بريطانيا، ثم تنتقل إلى الداخلية.
.
هي ليست لنا في السياسة؛ فهي بريطانية تخدم بلدها. لكنها لنا في الذاكرة، ومن لا يحفظ الذاكرة لا يبني نفوذًا. فكم شابانا مرّت من هنا ولم نسأل عنها؟
.
عشرات الآلاف ممن درسوا في جامعاتنا بمنحٍ كاملة ثم عادوا، ومعهم من ولدوا على هذه الأرض وترعرعوا فيها ثم رجعوا بعد انتهاء عقود آبائهم — هؤلاء يتوزعون على امتداد العالم، ومعظمهم لا يرى المملكة بلدَ دراسةٍ عابرة بل وطنًا ثانيًا يشعر حياله بانتماءٍ وروحٍ رسالية.
.
كاتب السطور شاهدٌ لا ناقل: رأيتهم والله في كوسوفا وقيرغيزيا وأوزبكستان.
أتذكّر في بلغاريا قبل سنوات أنّ شبابًا سمعوا بوجود رحّالةٍ سعودي في بلدة «مَدَان» على قمم الجبال، فأتوا من قرًى نائية قطعوا المسافات ليسلّموا عليّ ويحكوا ذكرياتهم عن بلادنا. شبابٌ مثقفٌ نجيب، حديثهم يفيض بحبّ هذه البلاد. وقالوها عتابًا لا شكوى: «عُدنا فلم نستفد كثيرًا من شهاداتنا، ولم يسأل عنّا أحد».
.
أمريكا تنفق عشرات الآلاف لتصنع واحدًا من هؤلاء. ونحن صنعناهم فعلًا.. ثم نسينا عناوينهم.
.
بكل رجاء أقول: انتقوا في كل بلدٍ بضعة عشرات، وادعموهم، وأخرجوهم في قنوات بلادهم بألسنة أهلها.
نعم هو مشروعٌ كبير يحتاج جهةً تتبنّاه وصبرًا يمتدّ سنوات؛ بيد أنه يستحق كل ريالٍ يُنفق فيه. فدفاع هؤلاء ينبع من قناعةٍ راسخة لا من جيبٍ ممتلئ، ولا يخشى صاحبه أن يُشترى لأنه لم يُبَع قط.
.
في النهاية: الوطنُ لا يحرسه من ينتظر الحوالة؛ يحرسه من يرى الدفاع عنه شرفًا ووجودًا.
الصورة
.
بقلم: عبدالعزيز قاسم
إعلامي وكاتب صحفي
.
روابط المقالة:

منصة إكس (تويتر):
------------------
فيسبوك:

________________



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..