الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

الادب الساخر ليس سيرك الادب 

       من أكبر المظالم التي تعرض لها الأدب الساخر في عالمنا العربي أنه وُضع في الرف نفسه الذي توضع فيه كتب النكات وقفشات وسائل التواصل الاجتماعي. 
فإذا قلت إنك كاتب ساخر، نظر إليك بعضهم كما لو أنك تعمل في قسم الترفيه، وأن وظيفتك الوحيدة هي أن تجعل الناس يضحكون قبل النوم، ثم يطفئون الهاتف وينامون مرتاحي الضمير.

ولو عاد هؤلاء إلى تاريخ الأدب لعرفوا أن السخرية لم تكن يوماً مهنة مهرج، بل كانت مهنة الجراح الذي يستعمل الضحكة بدلاً من المشرط.

الفكاهة هدفها أن تضحكك… أما السخرية فهدفها أن تجعلك تضحك على نفسك، ثم تكتشف بعد انتهاء الضحكة أنك كنت أنت المقصود.

ولهذا لم يكن كبار الساخرين في العالم مجرد صناع ابتسامات، بل كانوا من كبار المفكرين والأدباء. يكفي أن نذكر أريستوفانيس الذي سخر من السياسة قبل أكثر من ألفي عام، وميغيل دي ثيربانتس الذي حوّل الفارس الوهمي إلى مرآة يسخر فيها من المجتمع كله، وجوناثان سويفت الذي كتب اقتراحاً ساخراً يدعو فيه الفقراء إلى بيع أطفالهم للأغنياء طعاماً، لا لأنه مجنون، بل لأن الواقع كان أكثر جنوناً من اقتراحه. ثم جاء مارك توين، وبرنارد شو، وجورج أورويل، وياروسلاف هاشيك، ونيقولاي غوغول، وكل واحد منهم كان يضحك العالم، لكنه في الحقيقة كان يكتب لوائح اتهام ضد الحماقة البشرية.

وفي أدبنا العربي لم يكن الجاحظ يجمع الطرائف ليملأ بها أوقات الفراغ، بل كان يحلل النفس البشرية بمنتهى الذكاء. وجاء بعده عبد الله النديم، ثم محمود السعدني، وأحمد رجب، وعزيز نيسين الذي أصبح جزءاً من وجدان القارئ العربي، وغيرهم ممن كانوا يزرعون الفكرة داخل الضحكة كما تُخفى الحبة داخل الثمرة.

أما عندنا اليوم، فإذا كتب أحدهم مقالة ساخرة عن الفساد، قالوا: “والله أضحكتنا.” وكأن أعلى وسام يمكن أن يناله الكاتب هو أن يصبح بديلاً عن برنامج ترفيهي مساء الجمعة.

إنهم يقرؤون المقال الساخر كما يقرؤون قائمة المطاعم؛ يبحثون عن الطبخة المضحكة، لا عن الفكرة. فإذا لم يضحكوا قالوا إن الكاتب فشل، وإذا ضحكوا قالوا إنه مهرج، وفي الحالتين ضاعت الرسالة.

الكاتب الساخر الحقيقي لا يبيع الضحك، بل يستعمله كحصان طروادة. يُدخِل الفكرة إلى عقل القارئ متخفيةً بابتسامة. ولو كتبها بصورتها المباشرة لملّ منها الناس، أما حين يكسوها بالسخرية فإنها تستقر في الذاكرة سنوات طويلة.

ولذلك كانت الأنظمة المستبدة تخشى الرسام الساخر أكثر مما تخشى أستاذ العلوم السياسية. فالرسام يرسم كاريكاتيراً واحداً، فيقضي على هالة الزعيم التي أنفقت أجهزة الإعلام ملايين الدولارات لبنائها. والكاتب الساخر يكتب صفحة واحدة، فتتحول عبارته إلى مثلٍ يتناقله الناس في المقاهي والجامعات والبيوت، بينما تنام عشرات الخطب الرسمية في أرشيف النسيان.

السخرية ليست ضحكاً على الناس، بل ضحكاً من الأوهام التي يقدسها الناس. إنها ليست استعراضاً لخفة الدم، بل اختبار لثقل العقل. ولهذا فإن أكثر من يغضب من السخرية ليس الجاهل، بل المتعصب، لأن السخرية لا تكسر العظام، وإنما تكسر الأصنام… وأصنام الأفكار أشد حساسية من أصنام الحجر.

لهذا أتمنى أن يتوقف الناس عن سؤال الكاتب الساخر: “قل لنا نكتة.” فهذه العبارة تشبه أن تدخل إلى عيادة جرّاح قلب، ثم تطلب منه أن يريك كيف يبتلع السيوف لأنك سمعت أنه يستعمل المشارط!

الأدب الساخر ليس فرعاً من السيرك، ولا ابناً شرعياً للفكاهة. إنه أحد أرقى أشكال الأدب؛ لأنه يحقق المعادلة الأصعب: يجعلك تبتسم بفمك… بينما يصفع عقلك في اللحظة نفسها. والكاتب الساخر الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد الضحكات التي أحدثها، بل بعدد المسلمات التي هدمها، وعدد العقول التي أجبرها على التفكير وهي تضحكالصورة

بقلم محسن الصفار

المصدر 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..