عندما يقرر زوجان الطلاق، تنتهي العلاقة بينهما ببضع أوراق وتوقيعات، ويذهب كل واحد في طريقه ليبدأ «حياة جديدة».
لكن هناك مخلوق صغير لم يطلب الحياة القديمة ولا الجديدة، ولم يحضر جلسات المفاوضات، ولم يوكّل محاميًا، ومع ذلك يصدر الحكم بحقه فورًا: الطفل.
وفجأة تتحول حياته من أسرة إلى نظام مناوبات.
الاثنين عند أمي، الجمعة عند أبي، العيد هذه السنة هنا، والعيد القادم هناك، والإجازة الصيفية تخضع لاتفاقية دولية تحتاج إلى جدول زمني أدق من رحلات المطارات.
ويصبح الطفل أشبه بحقيبة سفر لها عنوانان:
التسليم الجمعة الساعة السادسة، والإعادة الأحد الساعة الثامنة.
ولهذا يمكن مجازًا وصف بعض أطفال الطلاق بأنهم «أيتام بالاختيار».
فاليتيم الحقيقي فقد أباه أو أمه بالموت، وهذا قضاء لا يملكه أحد. أما طفل الطلاق فقد يكون أبوه حيًا يرزق، وأمه حية ترزق، وربما كلاهما يسكن على بعد عشرة كيلومترات، ومع ذلك يحتاج إلى موعد مسبق حتى يعيش مع أحدهما.
وقد يقول أحدهم:
لكن الأب موجود ويدفع النفقة!
عظيم.
وكأن الأبوة اشتراك شهري في شركة اتصالات: ما دام الدفع منتظمًا فالخدمة تعمل!
الأب ليس بطاقة ائتمان مكتوبًا عليها «بابا»، والأم ليست فندقًا يوفر الطعام والغسيل والنوم. الطفل يحتاج وجود الاثنين، لا أن يتحول أحدهما إلى ممول رسمي والآخر إلى مدير تنفيذي لشؤون الحضانة.
ثم يأتي الفصل الثاني من المسلسل.
يتزوج الأب من جديد، وربما تنجب الزوجة الجديدة أطفالًا، فيتحول أطفال الزواج الأول تدريجيًا إلى الإصدار القديم من البرنامج.
الأطفال الجدد يعيشون معه، يأكلون معه، يسافرون معه، يستيقظون فيرونه أمامهم.
أما الطفل القديم فلديه امتياز رائع جدًا:
زيارة كل أسبوعين!
أي أنه انتقل من مرتبة «ابني» إلى مرتبة «ضيف عزيز نرجو الاتصال قبل الحضور».
وطبعًا ليس كل طلاق كذلك، ولا كل أب أو أم يتخلى عن أطفاله. وأحيانًا يكون الطلاق فعلًا أقل الشرور؛ لأن بعض البيوت لا تحتاج إلى مستشار أسري بل إلى حكم مصارعة.
الأب يصرخ، الأم تصرخ، الأبواب تُصفق، الصحون تطير، والطفل جالس في الوسط يتابع بطولة العالم للوزن الثقيل في غرفة المعيشة.
وفي هذه الحالة قد يكون بيت هادئ مع أحد الوالدين أفضل من «أسرة متماسكة» لا يتماسك فيها شيء سوى أعصاب الجيران.
لكن قمة الإبداع تبدأ بعد الطلاق عندما يقرر الأبوان إنشاء وزارتي إعلام متحاربتين.
الأم:
أبوك أناني، وهو الذي خرّب البيت.
الأب:
أمك هي سبب كل المصائب.
الأم تعرض الوثائق.
الأب يقدم الأدلة.
والطفل المسكين عمره عشر سنوات، لكنه أصبح قاضيًا ومحاميًا وخبيرًا نفسيًا ومحللًا للعلاقات الزوجية.
وفي النهاية يأتي السؤال الوطني المصيري:
أنت مع من؟
مع أبي أم مع أمي؟
وكأن الطفل أمام انتخابات رئاسية، ولا توجد خانة اسمها:
«أنا طفل، اتركوني أحبكما وأغلقوا أفواهكم!»
والأطرف أن كل طرف يريد إقناع الطفل بأنه «الطرف المظلوم»، وكأن الحصول على تعاطف طفل في التاسعة هو الحكم النهائي الذي تنتظره محكمة لاهاي.
ثم نستغرب بعد عشرين سنة عندما يخاف هذا الطفل من الزواج.
ولماذا يخاف؟
لقد تلقى دورة تدريبية كاملة منذ طفولته:
الحب يبدأ بوردة.
ثم يأتي خاتم.
ثم بيت.
ثم أطفال.
ثم محامٍ.
ثم نفقة.
ثم جلسات محكمة.
ثم يبدأ الأب والأم بإرسال البيانات الصحفية عبر الأطفال.
ومع ذلك، فالطلاق قد يكون ضرورة، وقد يكون إنقاذًا من علاقة مؤذية، وليس المطلوب أن يعيش زوجان يكرهان بعضهما تحت سقف واحد كي نحافظ على صورة عائلية جميلة تصلح لإطار على الحائط.
المطلوب شيء أبسط بكثير:
إذا انتهى الزواج، فليمت الزواج وحده.
لا تدفنوا معه طفولة أبنائكم.
يمكن للرجل أن يطلّق زوجته، ويمكن للمرأة أن تنفصل عن زوجها، لكن لا يوجد في أي قانون محترم بند يسمح لأحدهما أن يقول:
طلقت زوجتي… وبالمناسبة، الأولاد معها أيضًا!
الزوجة السابقة قد تصبح «إكس».
والزوج السابق قد يصبح «إكس».
أما الطفل فلا يوجد شيء اسمه:
إكس ابن.
د.محسن العبيدي الصفار
@mohsensaffar

بقلم محسن الصفار
لكن هناك مخلوق صغير لم يطلب الحياة القديمة ولا الجديدة، ولم يحضر جلسات المفاوضات، ولم يوكّل محاميًا، ومع ذلك يصدر الحكم بحقه فورًا: الطفل.
وفجأة تتحول حياته من أسرة إلى نظام مناوبات.
الاثنين عند أمي، الجمعة عند أبي، العيد هذه السنة هنا، والعيد القادم هناك، والإجازة الصيفية تخضع لاتفاقية دولية تحتاج إلى جدول زمني أدق من رحلات المطارات.
ويصبح الطفل أشبه بحقيبة سفر لها عنوانان:
التسليم الجمعة الساعة السادسة، والإعادة الأحد الساعة الثامنة.
ولهذا يمكن مجازًا وصف بعض أطفال الطلاق بأنهم «أيتام بالاختيار».
فاليتيم الحقيقي فقد أباه أو أمه بالموت، وهذا قضاء لا يملكه أحد. أما طفل الطلاق فقد يكون أبوه حيًا يرزق، وأمه حية ترزق، وربما كلاهما يسكن على بعد عشرة كيلومترات، ومع ذلك يحتاج إلى موعد مسبق حتى يعيش مع أحدهما.
وقد يقول أحدهم:
لكن الأب موجود ويدفع النفقة!
عظيم.
وكأن الأبوة اشتراك شهري في شركة اتصالات: ما دام الدفع منتظمًا فالخدمة تعمل!
الأب ليس بطاقة ائتمان مكتوبًا عليها «بابا»، والأم ليست فندقًا يوفر الطعام والغسيل والنوم. الطفل يحتاج وجود الاثنين، لا أن يتحول أحدهما إلى ممول رسمي والآخر إلى مدير تنفيذي لشؤون الحضانة.
ثم يأتي الفصل الثاني من المسلسل.
يتزوج الأب من جديد، وربما تنجب الزوجة الجديدة أطفالًا، فيتحول أطفال الزواج الأول تدريجيًا إلى الإصدار القديم من البرنامج.
الأطفال الجدد يعيشون معه، يأكلون معه، يسافرون معه، يستيقظون فيرونه أمامهم.
أما الطفل القديم فلديه امتياز رائع جدًا:
زيارة كل أسبوعين!
أي أنه انتقل من مرتبة «ابني» إلى مرتبة «ضيف عزيز نرجو الاتصال قبل الحضور».
وطبعًا ليس كل طلاق كذلك، ولا كل أب أو أم يتخلى عن أطفاله. وأحيانًا يكون الطلاق فعلًا أقل الشرور؛ لأن بعض البيوت لا تحتاج إلى مستشار أسري بل إلى حكم مصارعة.
الأب يصرخ، الأم تصرخ، الأبواب تُصفق، الصحون تطير، والطفل جالس في الوسط يتابع بطولة العالم للوزن الثقيل في غرفة المعيشة.
وفي هذه الحالة قد يكون بيت هادئ مع أحد الوالدين أفضل من «أسرة متماسكة» لا يتماسك فيها شيء سوى أعصاب الجيران.
لكن قمة الإبداع تبدأ بعد الطلاق عندما يقرر الأبوان إنشاء وزارتي إعلام متحاربتين.
الأم:
أبوك أناني، وهو الذي خرّب البيت.
الأب:
أمك هي سبب كل المصائب.
الأم تعرض الوثائق.
الأب يقدم الأدلة.
والطفل المسكين عمره عشر سنوات، لكنه أصبح قاضيًا ومحاميًا وخبيرًا نفسيًا ومحللًا للعلاقات الزوجية.
وفي النهاية يأتي السؤال الوطني المصيري:
أنت مع من؟
مع أبي أم مع أمي؟
وكأن الطفل أمام انتخابات رئاسية، ولا توجد خانة اسمها:
«أنا طفل، اتركوني أحبكما وأغلقوا أفواهكم!»
والأطرف أن كل طرف يريد إقناع الطفل بأنه «الطرف المظلوم»، وكأن الحصول على تعاطف طفل في التاسعة هو الحكم النهائي الذي تنتظره محكمة لاهاي.
ثم نستغرب بعد عشرين سنة عندما يخاف هذا الطفل من الزواج.
ولماذا يخاف؟
لقد تلقى دورة تدريبية كاملة منذ طفولته:
الحب يبدأ بوردة.
ثم يأتي خاتم.
ثم بيت.
ثم أطفال.
ثم محامٍ.
ثم نفقة.
ثم جلسات محكمة.
ثم يبدأ الأب والأم بإرسال البيانات الصحفية عبر الأطفال.
ومع ذلك، فالطلاق قد يكون ضرورة، وقد يكون إنقاذًا من علاقة مؤذية، وليس المطلوب أن يعيش زوجان يكرهان بعضهما تحت سقف واحد كي نحافظ على صورة عائلية جميلة تصلح لإطار على الحائط.
المطلوب شيء أبسط بكثير:
إذا انتهى الزواج، فليمت الزواج وحده.
لا تدفنوا معه طفولة أبنائكم.
يمكن للرجل أن يطلّق زوجته، ويمكن للمرأة أن تنفصل عن زوجها، لكن لا يوجد في أي قانون محترم بند يسمح لأحدهما أن يقول:
طلقت زوجتي… وبالمناسبة، الأولاد معها أيضًا!
الزوجة السابقة قد تصبح «إكس».
والزوج السابق قد يصبح «إكس».
أما الطفل فلا يوجد شيء اسمه:
إكس ابن.
د.محسن العبيدي الصفار
@mohsensaffar
بقلم محسن الصفار

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..