في عام 1948، نشر شاب في الـ32 من عمره في مختبرات بيل ورقة بحثية لم يفهمها أحد تمامًا.
وجد المهندسون أنها رياضية أكثر من اللازم. ووجدها الرياضيون تركز على الهندسة أكثر من اللازم. وراجعها أحد الرياضيين البارزين بشكل سلبي.
تلك الورقة — «نظرية رياضية للتواصل» — أصبحت الوثيقة التأسيسية للعصر الرقمي.
الرجل كان كلود شانون. أبو نظرية المعلومات.
في سن الـ21، كتب أهم أطروحة ماجستير في القرن العشرين.
بينما كان يعمل في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا على حاسوب ميكانيكي مبكر، لاحظ شانون أن مفاتيح التتابع فيه لها حالتان فقط — مفتوحة أو مغلقة. وكان قد درس للتو مقررًا في الفلسفة يقدم الجبر البولياني، الذي يعمل أيضًا بقيمتين: صحيح وخطأ.
لم يربط أحد من قبل بين هذين الأمرين.
أثبتت أطروحته عام 1937 أن الجبر البولياني والدوائر الكهربائية متطابقتان رياضيًا، وأن أي عملية منطقية يمكن بناؤها من مفاتيح بسيطة.
وصفها هوارد غاردنر بأنها «ربما أهم أطروحة ماجستير، وأيضًا أشهرها، في القرن».
كل حاسوب رقمي بُني منذ ذلك الحين يعود إلى هذه الرؤية.
في سن الـ29، أثبت أن التشفير المثالي موجود.
خلال الحرب العالمية الثانية، عمل شانون على التشفير السري في مختبرات بيل. ساهم عمله في نظام SIGSALY، نظام الصوت الآمن المستخدم للاتصالات السرية بين روزفلت وتشرشل.
في مذكرة سرية عام 1945، أثبت رياضيًا أن الـ«one-time pad» يوفر سرية مثالية، غير قابلة للكسر ليس فقط حسابيًا، بل بشكل مثبت ودائم، حتى ضد خصم بقوة لا نهائية.
عندما رُفعت السرية عنها عام 1949، حولت التشفير من فن إلى علم. وأرست الأسس لمعايير DES وAES وكل معايير التشفير الحديثة.
في سن الـ32، عرّف ما هي المعلومات.
قدمت ورقته عام 1948 معادلة واحدة:
H = −Σ p(x) log p(x)
إنتروبيا شانون. متوسط عدم اليقين في توزيع احتمالي. الحد الأدنى من البتات المطلوبة لتشفير رسالة.
تبع ذلك ثلاثة أمور:
عرّف البت — الوحدة الأساسية لكل المعلومات. صاغ زميله جون توكي الاسم.
أثبت نظرية سعة القناة، فكل قناة تواصل لها معدل أقصى للنقل الموثوق. يمكنك الاقتراب منه. لكن لا يمكنك تجاوزه أبدًا.
وحّد التلغراف والهاتف والراديو في إطار رياضي واحد لأول مرة.
وصفها روبرت لوكي من مختبرات بيل بأنها أعظم عمل «في سجلات الفكر التكنولوجي».
أين تعيش معادلته في الذكاء الاصطناعي اليوم:
خسارة الإنتروبيا المتقاطعة — الدالة التي تدرب كل مصنف ونموذج لغة — مشتقة مباشرة من H. وتقسيمات أشجار القرار تستخدم كسب المعلومات، وهو H مطبق على البيانات. والتعقيد (perplexity)، المقياس القياسي لتقييم نماذج اللغة الكبيرة، هو رفع أسي للإنتروبيا المتقاطعة.
في كل مرة يتدرب فيها شبكة عصبية، تعمل صيغة شانون داخلها.
بنى أيضًا أول جهاز تعلم للذكاء الاصطناعي.
في عام 1950، بنى شانون «ثيسوس»، فأرة ميكانيكية تتنقل في متاهة عن طريق التجربة والخطأ، وتتعلم المسار الصحيح، وتكرره بشكل مثالي. قال مازين جيلبرت من مختبرات بيل: «ألهم ثيسوس مجال الذكاء الاصطناعي بأكمله».
في العام نفسه نشر أول ورقة عن برمجة حاسوب للعب الشطرنج. وشارك في تنظيم ورشة دارتموث عام 1956، الحدث التأسيسي للذكاء الاصطناعي كمجال.
الرجل:
كان يركب دراجة أحادية العجلة في ممرات مختبرات بيل وهو يلعب بالكرات. بنى بوقًا ينفث اللهب، وقرصًا طائرًا يعمل بالصواريخ، وأحذية من الستايروفوم ليسير على البحيرة خلف منزله.
سمى منزله «بيت الإنتروبيا».
عندما سُئل عما يحفزه: «كنت مدفوعًا بالفضول. لم أكن أبدًا برغبة في الربح المالي. كنت فقط أتساءل كيف تُركب الأشياء معًا».
في عام 1985، ظهر فجأة في مؤتمر في برايتون. احتشد الجمهور حوله لطلب التوقيعات. أُقنع بالحديث في المأدبة، فتكلم باختصار، ثم أخرج ثلاث كرات من جيوبه وبدأ يلعب بها بدلاً من ذلك.
قال أحد المهندسين: «كان الأمر كما لو أن نيوتن ظهر في مؤتمر فيزياء».
توفي عام 2001 بعد عقد من الزمن مع مرض ألزهايمر، المفارقة القاسية لخروج المعلومات ببطء من عقل الرجل الذي عرّف ما هي المعلومات.
نموذج كلود للذكاء الاصطناعي سُمي على اسم كلود شانون، الرياضي الذي أرسي أسس العالم الرقمي الذي نعتمد عليه اليوم.
@techNmak

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..