الجمعة، 2 أكتوبر 2026

مقالة رائعة بقلم د . إيناس زكريا ( تستحق الثناء ) فى سورة الأنبياء

حين يربّي الله قلبك قبل أن يغيّر قدرك.
هناك سور في القرآن تعلّمك الأحكام وسور تشرح لك العقيدة.
لكن سورة الأنبياء تفعل شيئا مختلفا تمامًا ... إنها لا تخاطب عقلك أولا ، بل تجلس بجوار قلبك وتهمس له : اهدأ ... فكل ما تمر به قد مرّ به من هو خير منك ... وكانت النهاية دائمًا رحمة من الله.

المفتاح الأول ... لم يجتمع في السورة نبي واحد سعيد ... فإذا تأملت السورة ستكتشف أمرًا عجيبا.
كل نبي فيها كان يحمل وجعًا مختلفا ... هذا يحاربه قومه ... وهذا يبتلعه الحوت ... وهذا أنهكه المرض ... وهذه تؤلمها الوحدة ... وهذا ينتظر ولدا وقد شاب رأسه ... وهذا يواجه جبروت ملك.
وكأن الله يريد أن يقول : الابتلاء ليس دليل غضبي ... بل هو الطريق الذي سلكه أحب الناس إليّ ... فلا تستغرب طريقًا سار عليه الأنبياء.

المفتاح الثاني ... لكل نبي دعاء يناسب جرحه ... فلم تكن الأدعية متشابهة.
يونس لم يقل : يا رب نجني ... بل قال : ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) ... لأنه عرف أن بداية الفرج هي الاعتراف قبل الطلب.
وأيوب لم يذكر مرضه بالتفصيل ... قال فقط : ( أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ) ... فلم يحدد العلاج ... بل تعلّق برحمة الله.
وزكريا لم يشتكِ من العمر ... بل قال : ( رب لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين ) ... لأن المؤمن لا يطلب الشيء ... بل يطلب الخير فيه.

المفتاح الثالث ... الله سبحانه وتعالى لم يذكر نهاية القصة ... بل ذكر الاستجابة.
تأمل تكرار هذه الكلمات : ( فاستجبنا له ) ...  تتكرر مرة بعد أخرى ... وكأن السورة لا تريدك أن تحفظ أسماء الأنبياء فقط ... بل تحفظ قانونًا ثابتًا : ( كل دعاء خرج من قلب صادق ... له عند الله موعد مع الإجابة ) ... ربما ليس في الوقت الذي تريده ... لكن في الوقت الذي يعلم الله أنه الخير.

المفتاح الرابع ... أعظم المعجزات لم تكن خارقة للطبيعة ... بل كانت إصلاح القلوب.
إبراهيم لم يكن أعظم لأنه لم يحترق ... بل لأنه دخل النار وقلبه مطمئن ... وأيوب لم يكن عظيمًا لأنه شُفي ... بل لأنه لم يفقد حسن ظنه بالله وهو يتألم ، ويونس لم يكن بطلًا لأنه خرج من بطن الحوت ... بل لأنه عاد إلى الله قبل أن يخرج.
المعجزة الحقيقية ... أن يبقى قلبك حيًا ... وأنت في قلب الابتلاء.

المفتاح الخامس ... كل الأنبياء كانوا يملكون شيئًا واحدًا ... هو الرجاء ... لا الظروف كانت متشابهة ، ولا الأعمار ، ولا الأماكن ... لكن الذي جمعهم جميعًا ... أنهم لم يغلقوا باب السماء أبدًا.
كلما ضاقت الأرض... اتسعت الدعوات.
سرّ خفي في السورة ... لاحظ أن أغلب الفرج جاء ... بعد أن انتهت كل الأسباب البشرية.
إبراهيم في النار ، يونس في بطن الحوت ، زكريا شيخ كبير ، مريم بلا معين ، أيوب فقد كل شيء.

وكأن الله يقول : حين تنتهي قدرتك ... تبدأ قدرة الله في الظهور أمام عينيك.

الرسالة التي ربما لم ننتبه إليها ... ليست السورة عن الأنبياء ...
بل عن الله ... عن رحمته ولطفه واستجابته وقربه.
ولهذا يختم الله قصصهم بالاستجابة ... لا بالبطولة.
لأن البطل الحقيقي في حياتنا هو لطف الله الخفي.

فاعلم أنه إذا تأخر الفرج فلا تيأس ... وإذا كثرت الهموم فارفع يديك ، وإذا شعرت أنك وحدك فتذكر أن الله لم يترك نبيًا واحدا ، وإذا ظننت أن حياتك انتهت فاقرأ سورة الأنبياء ... لتتذكر أن الله يصنع البدايات الجديدة من الأماكن التي ظن الناس أنها النهاية.

قد لا تكون نبيًا ...لكنك تعبد رب الأنبياء.
والذي استجاب ليونس في الظلمات ... واستجاب لأيوب بعد سنوات المرض ... واستجاب لزكريا بعد الكِبَر ... 

هو الله نفسه الذي يسمع دعاءك الآن.
فلا تستصغر دمعةً رفعتها إليه ... ولا دعاءً أخفيته بينك وبينه ... فلعل كلمة واحدة تخرج من قلبك الليلة ... تكون بداية قصة ( فاستجبنا له ) الخاصة بك.
( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..